يقول تعالي " الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) الروم .
في مناسبة نزول هذه السورة روى الترمذي أن المشركين كانوا يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم ؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان ، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على أهل فارس ؛ لأنهم أهل كتاب مثلهم ، فكانت فارس يوم نزلت الم غلبت الروم قاهرين للروم ، فذكروه لأبي بكر ، فذكره أبو بكر لرسول الله - - فقال رسول اله أما إنهم سيغلبون ،وعن ابن شهاب قال : كان المشركون يجادلون المسلمين وهم بمكة قبل أن يهاجر رسول الله - - فيقولون : الروم يشهدون أنهم أهل الكتاب ، وقد غلبتهم المجوس ، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أنزل على نبيكم ، فكيف غلب المجوس الروم وهم أهل كتاب ، فسنغلبكم كما غلب فارس الروم . فأنزل الله الآية, ونقف عند هذه الآيات ثلاث وقفات
الأولى:- في افتتاح السورة بالحروف المقطعة فالمتأمل لكتاب الله يجد أن
كل سورة بدأت بالحروف المقطعة يأتي بعدها ذكر الكتاب أو التنزيل أو القرآن كقوله تعالى" الم ذلك الكتاب "البقرة : 1" الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب "آل عمران : 1 ",المص كتاب أنزل إليك " الأعراف : 1 ، "يس والقرآن "يس : 1 "الم تنزيل الكتاب "السجدة : 1 , وهكذا ,إلا سورة الروم وسورتان أخريان هما سورة مريم ,وسورة العنكبوت , والحكمة في ذلك , كما ذكر الفخر الرازي في تفسيره ,انه قد ذكر في أولها ما هو معجزة للقران وهو الإخبار عن الغيب .ا.ه
فالسورة تنبأت بانتصار الروم على الفرس, في بضع سنين ,وقد حدث هذا فعلا , فلقد غلبت الروم بعد غلبهم فكان هذا معجزة للقران ,وعلامة انه من عند الله إذ لا يمكن أن يغامر محمد بذكر خبر سيقع مستقبلا لو كان القران من تأليفه هو, فكان مضمون الافتتاح انه تنزيل من رب العالمين كبقية السور المفتتحة بالحروف ,
الثانية:- في المقصود بنصر الله الذي يفرح به المؤمنون فالشائع انه نصر الروم على الفرس وهذا المعنى لا نطمئن إليه فنصر الروم على الفرس ليس نصر للمؤمنين إذ الروم أصلا أعداء للمؤمنين وقد حاربهم المسلمون في مؤتة فكيف يكون نصرهم نصرا للمؤمنين ؟ وقد ذكر الإمام الألوسي في تفسيره وجهين آخرين للمقصود بنصر الله , بالإضافة إلى المعنى المشهور الذي هو انتصار الروم على الفرس فيقول " وقيل: نصر الله تعالى صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم على فارس، وقيل: نصره أنه ولى بعض الظالمين بعضا، وفرق بين كلمتهم حتى تناقضوا وتحاربوا، وقلل كل منهما شوكة الآخر، وهذان الوجهان جديران بالتأمل , وهما الأقرب إلى روح ومقاصد السورة فيوم تحقق هذا الخبر فرح المؤمنون بان ثبت لدي غيرهم صدق الكتاب فيما أنبأ به , ولاشك أن هذا انتصار لحجة المؤمنين , وقد بدا لي في هذا الوجه معنى اخر وهو ان تحقق غلبة الروم على الفرس سيكون في الوقت الذي ينتصر المؤمنون فيه على المشركين وقد حدث ببدر كما يقول أهل السير فيكون توقيت غلبة الروم بالوقت الذي سيفرح فيه المؤمنون بانتصارهم على المشركين فتكون نبوءتان ,لا أن يفرح المؤمنون بانتصار الروم ,والوجه الآخر جدير بالاعتبار أيضا إذ المؤمن يفرح عندما يسلط الله الظالمين بعضهم على بعض فهو ايذانٌ بإضعاف شوكتهم التي كانت على المؤمنين دائما فان ينتقم ظالم من ظالم هو أمر ينبغي ان يفرح له المؤمن وعن الإمام مالك : "وأما غير العدل فدعه وما يراد منه، ينتقم الله من الظالم بظالم، ثم ينتقم من كليهما، وفي لفظ: إن كان الإمام مثل عمر بن عبد العزيز وجب على الناس الذب عنه والقتال معه ، وأما غيره فلا، دعه وما يراد منه، ينتقم الله من الظالم بالظالم ، ثم ينتقم من كليهما.
وعلى هذا فالمؤمن يفرح بالمصائب تقع على الظالمين فتضعف من شوكتهم وتقلل من أذاهم على المؤمنين ,ولا ينبغي على المؤمن أن يعاون ظالما ضد ظالم وهذا معنى ظاهر في هذه السورة .
الوقفة الثالثة :- هذه السورة مكية باتفاق ولم ينقل السيوطي خلافا في ذلك ولم ينقل خلافا في مكية جميع آياتها ومناسبتها ظاهرة وهي واقعة انتصار الفرس الوثنيين على الروم إذ كان المؤمنون يتمنون العكس والمتأمل في الواقع الذي نزلت فيه السورة وهو واقع المؤمنين بمكة وما كان يعانونه من المشركين يدرك ان المسلمين لم يكونوا بمعزل بما يدور حولهم من أحداث عالمية وصراعات دولية , اذ الصراع بين الحق والباطل لن يكون بمعزل عن بقية ما يحدث في العالم فإذا نظرت إلى طبيعة العالم وقتها وصعوبة الاتصال والتواصل بين أجزائه, واليوم وقد أصبح العالم بعد ثورة الاتصالات, قرية صغيرة ,يسمع بعضهم بعضا ,ويري بعضهم بعضا, أدركت انه لا يمكن أن ينعزل الصراع بين الحق والباطل في بقعة معينة من الأرض صغرت أو كبرت ,عن بقية ما يحدث في العالم , من صراعات وأحداث فلابد أن يؤثر وان يتأثر, ولا بد أن يدرك أهل الحق وهم يفكرون لحركتهم جميع الأبعاد العالمية .