يقول تعالى "هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) الذاريات.
هذه المقطع القرآني من حياة سيدنا إبراهيم وهو الحديث عن ضيفه المكرمين ورد في سورة هود وفي سورة الذاريات بالتفصيل وورد في سورة الحجر وفي سورة العنكبوت إجمالا ,وفي الأربعة مواضع جاء في السياق القرآني متبوعا بالحديث عن هلاك قوم لوط, بل إن الظاهر من النص القرآني ان المقصود الأصلي من السياق هو الحديث عن إهلاك قوم لوط في الأساس ,وان مرور هؤلاء الملائكة على إبراهيم كانوا في طريقهم لقوم لوط لإنزال العذاب عليهم هكذا اخبروه عندما سألهم " فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) الذاريات , فأجابوه " قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33) " الذاريات .
ومن هنا ينبغي التأمل في التتابع بين القصتين في جميع المواضع القرآنية إذ يظهر لنا العديد من الفوائد والأسرار, ودعونا نتأمل في المواضع الأربعة في القران ,
أولا- هذا الوفد الملائكي قدمه القران الكريم كضيوف لإبراهيم ففي سورة الذاريات " هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) " وفي سورة الحجر " وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51) " وقدمهم القران أيضا ضيوف على لوط ففي سورة هود " فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي " (78) وفي سورة الحجر " قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) .
وإذا كان هذا الوفد الملائكي هم ضيوف لإبراهيم ولوط فما لاقوه عند كلا النبيين الكريمين مختلف تماما , فقد لاقوا عند إبراهيم التكريم الكامل لدرجة ان اسمهم في القران " ضيف إبراهيم المكرمين " ولما دخلوا عليه قالوا سلاما " بالنصب أي نسلم سلاماً فرد عليهم "سلام ُ " بالرفع أي سلام دائم عليكم ومعلوم ان الجملة الاسمية تعني الدوام والاستمرار بخلاف الجملة الخبرية فكان أن رد تحيتهم بأحسن منها , ثم ما أن لبث أن جاء بعجل وصف "بحنيذ "وفي موضع آخر وصف العجل "بسمين" ثم قربه إليهم زيادة في إكرامهم ثم عرض عليهم الأكل فقال ألا تأكلون وهذا زيادة أكثر في الإكرام ,
والحال مختلف تماما عند لوط فهم بعد أن كانوا ضيوفا مكرمين عند إبراهيم فهم عند قوم لوط " سيئ بهم " وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) هود " انظر الفرق !!! وعندما حلوا على إبراهيم فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) هود" وتأمل التعبير "فما لبث ان جاء" أي اسرع في المجيء بالطعام فهنا سرعة في الإكرام وهم عند لوط "وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ( 78) هود , وتعني السرعة أيضا لكن السرعة هنا في طلب الاذي.
ثانيا :- الوفد الملائكي واحد في الحالين لكن مهمتهم مختلفة فهم عند إبراهيم جاءوه بالبشري وهم عند لوط جاءوه بإنزال العذاب على قومه الذين كانوا يعملون السيئات .
إن ملائكة البشري في الآيات هي ملائكة العذاب " عندما اختلفت أحوال القوم .
ان التتابع في القصتين اظهر التباين بين بيئتين إحداها كساها الإيمان فكانت هذه مواقفها وبين بيئة انتكست فطرتها بسبب الشذوذ الذي أصاب أفرادها وهم قوم لوط لقد تبين من هذا التتابع أن جريمة قوم لوط لم تكن سلوك شخصي منحرف خاص بكل فرد على حدة إذ كانوا يأتون الذكران من العالمين بل امتد الانحراف إلى المزاج العام فاسفر عن عادات وأعراف وأخلاق وآداب وثقافة وفنون وتقاليد كلها تنتمي إلي هذا المستنقع الآسن من هذه الجريمة فها أنت تري موقفهم من الاضياف أظهرها التتابع بين القصتين, لقد أصبح كل شيء عند قوم لوط يحمل بصمات هذه الجريمة ,حتى دوابهم وطيورهم ومن ثم كان العقاب فجعلنا عاليها سافلها , فلم يبق لقريتهم اثر في الوجود.