جواز التهنئة بقول: (تقبل الله منا ومنكم) في العيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، هذا بحث لطيف عن هدي السّلف في التهنئة في الأعياد وقولهم: « تقبل الله منا ومنكم ».
اعلم –علمك الله السّنة- أنّ بعضَ الصحابةِ الكرام ومن تبعهم بإحسانٍ يرى جواز التهنئة بقول: (تقبل الله منا ومنكم) و أنَّ الحسن البصري من التابعين خالفهم إلى أن ذلك بدعة ومحدث.

قلت: وقد نُقل الخلاف في ذلك، قال النجم القمولي الشافعي : لم أر لأحد من أصحابنا كلاما في التهنئة بالعيد والأعوام والأشهر كما يفعله الناس ، لكن نقل الحافظ المنذري عن الحافظ المقدسي أنه أجاب عن ذلك بأن الناس لم يزالوا مختلفين فيه ، والذي أراه أنه مباح لا سنة فيه ولا بدعة . (تحفة الحبيب على شرح الخطيب للبجيرمي)
والذي يترجح لي أنّ التهنئة جائزة والحسن البصري محجوج بمن سبقه من الصحابة، و هاك تفصيل ذلك:

أولًا، ما صح عن بعض الصحابة الكرام التهنئة بقول: (تقبل الله منا ومنكم).

قال جبير بن نفير:« كان أصحاب النبي إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض : تقبل الله منا ومنك» (أخرجه المحاملي في " كتاب صلاة العيدين " ( 2 / 129 / 2 ) (انظر تمام المنة في التعليق على فقه السنة 1/354)

قال ابن حجر: إسناده حسن (فتح الباري 2/446)

وحسن السيوطي إسناده، وقال: وأخرج زاهر بن طاهر في كتاب تحفة عيد الفطر ، وأبو أحمد الفرضي في مشيخته بسند حسن عن جبير بن نفير قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض : تقبل الله منا ومنكم .(الحاوي للفتاوى 1/80-81)

وقال الألباني عن إسناده: رجاله كلهم ثقات رجال " التهذيب " غير شيخه المهنى بن يحيى وهو ثقة نبيل كما قال الدارقطني وهو مترجم في " تاريخ بغداد " ( 13 / 266 - 268 ) فالإسناد صحيح لكن خالفه حاجب بن الوليد في إسناده فلم يرفعه إلى أصحاب النبي ) (تمام المنة في التعليق على فقه السنة 1/354)

ثانيا، ما صححه العلماء عن الصحابة مما لم نقف على إسناده،
قال: محمد بن زياد الألهاني :« رأيت أبا أمامة الباهلي يقول في العيد لأصحابه : تقبل الله منا ومنكم».
قال الإمام أحمد : إسناد حديث أبي أمامة إسناد جيد (المغني لابن قدامة 2/250، وبوب عليه ابن قدامة: ولا بأس أن يقول الرجل للرجل يوم العيد تقبل الله)

وقال السيوطي: أخرج زاهر أيضاً بسند حسن عن محمد بن زياد الألهاني قال : رأيت أبا أمامة الباهلي يقول في العيد لأصحابه : تقبل الله منا ومنكم (الحاوي للفتاوى 1/80-81).

وقال ابن التركماني: «في هذا الباب حديث جيد أغفله البيهقي، وهو حديث محمد بن زياد قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم فكانوا إذا رجعوا يقول بعضهم لبعض: «تقبل الله منا ومنك»، قال أحمد بن حنبل: إسناده إسناد جيد». (الجوهر النقي لابن التركماني 3/319)

ثالثا، ما صح عن التابعين ممن أباحه،

قال شعبة بن الحجاج: لقيني يونس بن عبيدٍ في يوم عيدٍ، فقال: " تقبّل اللّه منّا ومنك "

ويونس بن عبيد بن دينار العبدى إمام من صغار التابعين، قال فيه الذهبي: أحد أئمة البصرة ، من العلماء العاملين الأثبات.

الخبر: حدّثنا الحسن بن عليٍّ المعمريّ (قال ابن حجر: استقر به الحال على توثيقه)، ثنا عليّ بن المدينيّ، ثنا أبو داود سليمان بن داود (الطيالسي)، ثنا شعبة، قال: لقيني يونس بن عبيدٍ في يوم عيدٍ، فقال: " تقبّل اللّه منّا ومنك " . (الدعاء للطبراني 929 بإسناد جيد)

رابعا، من رأى من التابعين أنه بدعة،

سأل عبد الله بن عون المزني الحسنَ البصريّ: عن الرّجل يقول للرّجل يوم العيد: تقبّل اللّه منّا ومنكم، قال: قال الحسن: محدثٌ أو بدعةٌ.

الخبر: حدّثنا عفّان (بن مسلم الصفار)، حدّثنا أبو عوانة (الوضاح بن عبد الله اليشكرى) قال: سألت ابن عونٍ (عبد الله بن عون المزنى) عن الرّجل يقول للرّجل يوم العيد: تقبّل اللّه منّا ومنكم، قال: قال الحسن: محدثٌ أو بدعةٌ. (أحاديث عفان بن مسلم تحت الأثر 149 بإسناد صحيح)

خامسا، ما صححه العلماء عن السلف بمجموع طرقه،

قال ابن حجر الهيتمي أنها مشروعة واحتج لذلك بأن البيهقي عقد لذلك بابا فقال : باب ما روي في قول الناس بعضهم لبعض في العيد : تقبل الله منا ومنك وساق ما ذكر من أخبار وآثار ضعيفة لكن مجموعها يحتج به في مثل ذلك (تحفة الحبيب على شرح الخطيب للبجيرمي)


سادسا، التهنئة بقول «عيدك مبارك» وما أشبهه،

قال ابن تيمية وقد سئل عن ذلك: أما التهنئة يوم العيد يقول بعضهم لبعض إذا لقيه بعد صلاة العيد : تقبل الله منا ومنكم وأحاله الله عليك ونحو ذلك فهذا قد روي عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يفعلونه ورخص فيه الأئمة كأحمد وغيره . لكن قال أحمد : أنا لا أبتدئ أحدا فإن ابتدأني أحد أجبته وذلك لأن جواب التحية واجب وأما الابتداء بالتهنئة فليس سنة مأمورا بها ولا هو أيضا مما نهي عنه فمن فعله فله قدوة ومن تركه فله قدوة . والله أعلم . (مجموع الفتاوى 24/253)