حكم شراء الذهب لليوم الأغبر !

البقرات السِّمان والسنوات العِجاف هي حديث المجالس اليوم .

قبل سُويعات من كتابة هذا المقال هاتفني صديق يسأل عن حكم شراء الذهب لليوم الأسود أو الأغبر ، كما يقول إخواننا المصريون ، وهو تعبير مجازي ، وفيه نكارة شرعية كما لا يخفى .

يقول صديقي مع تقلبات الأحداث اليوم والخوف من المستقبل بات لزاماً على المرء أن يشتري من المال ما يقيه من نكبات الأيام .

العملات الورقية تتلاشى قيمتها عند الأزمات ، وفي أحداث سوريا والعراق واليمن خير دليل وبرهان على هذا التقرير ، فيلزم أن يكون البديل المعدن النفيس ” الذهب ” لقوته وتماسكه وحرص الناس عليه غنيهم وفقيرهم ! .

والصحيح والراجح شرعاً وعقلاً أن الخوف من المرض والعجز والفقر وتغيُّر الحال في المستقبل من صفات ضعاف الإيمان والتوكل . فالمؤمن لا يخاف إلا الله حتى لو انطبقت السماء على الأرض ، أو حتى لو غَشي الناس دخانٌ عظيم لا يُدرى كيف المخرج منه ؟

ومن النُّكت الشرعية : أن الرضا بالمقضي ليس واجباً ، بل بالقضاء فقط .

وقد قال الإمام السفاريني (ت: 1188هـ ) تعالى في منظومته :

وليس واجباً على العبد الرضا

بكل مقضيِّ ولكن بالقضا

فما قدّره الله كائنٌ لا محالة، وإذا أيقن الإنسان أنّ كلّ ما يجري في الدنيا إنما هو
بقدر الله وهو مكتوب قبل أن يخلق الله الدنيا بخمسين ألف سنة، استراح قلبه واطمأنت نفسه، فإنّ قدر الله كله رحمة وحكمة، فهو سبحانه أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا، وأعلم بمصالحنا من أنفسنا. فالواجب إحسان الظنّ بالله وتفويض الأمر إليه، كما أنّ المؤمن لا يعلّق قلبه بشيٍء من الدنيا لعلمه بزوالها، فعن جابر مرفوعاً : ” قال لي جبريل: يا محمد عِش ما شئتَ فإنك ميِّت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه ” أخرجه السيوطي بإسناد حسن .

فما من أحدٍ في الدنيا إلا وهو ضيف وما بيده عارية، والضيف مرتحل والعارية مؤدَّاة .

من حيث التنظير الفقهي شراء الذهب جائز حال الغنى وعند مخافة الفقر ، لكن إعتماد القلب على الذهب كمُنقذ من نكبات الدنيا شرك خفي كما لا يخفى .

كنوز الفراعنة ك ” قارون” و” بن علي” و” القذافي” وغيرهم من الظلمة لم تغني عنهم شيئاً عندما ضاقت بهم الأرض واشتَّدت بهم الخطوب .

رأينا في الفضائيات قبل مدة شيئاً من محاكمات بعض من ظَلموا وأفسدوا في الأرض ، فلم تنفعهم أموالهم ولا كنوزهم ولا جاههم عند الصغير والكبير . بل منهم من ولَّ هارباً ومنهم من توارى ومنهم من أُسِر ! .

لم يأمرنا الله في كتابه ولا الحبيب في سنته بشراء الذهب للأيام الصِّعاب ، بل قال الله تعالى : ” فاتقوا الله ما استطعتم ” ( التغابن : 16 ) فمن كان في سَعةٍ فليوسِّع على نفسه بالمعروف ، ومن كان في ضيقٍ فليُفوِّض أمره إلى الله .

لا حرج أن يدخِّر المسلم شيئاً من مال ، لكن تعليق القلب على شراء الذهب وتخزينه والمبالغة في ذلك، أمرٌ لا أصل له في شرع الله .

ومن تأمل أحوال المصطفى علم أنه في حياته لم يوصِ ولم يحرص على ذلك ، رغم تزامن سيرته مع غزو فارس والروم وغيرها من الملاحم والأحداث العظيمة في عصره التي ترتجف لها قلوب العِظام .

بل تواتر في السنة أنه كان يخرج من بين أصحابه فزعاً لإخراج الذهب حال بلوغ حقِّه ، إن كان مَلكه بغنيمةٍ أو بيعٍ أوما شابه ذلك ، وما سوى ذلك فلم يحرص عليه ولم يُلق له بالاً .

فالمقصود أن الحرص على الحياة والإجتهاد بالقول بلزوم شراء الذهب وتتبع سعر الأُوقية والأونصة واللهث وراء ذلك لدرء الخطر، ضربٌ من ضروب الخذلان نعوذ بالله من ذلك . فإن الإجتهاد بالرأي فيما لا نص فيه ، لا يجوز إلا في حدود ضيقة يعرفها أهل العلم كما هو مقرر عند الأصولييِّن . ولا يجوز أن يكون شراء الذهب رخصة لأن الرخصة ما ثبتت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح . والدليل الشرعي هنا لا يساعد على القول للدعوة إليه ، كما هو الحال في تهافت الناس على شراء الذهب لدرء الخطر . والله الهادي .

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
حكم شراء الذهب لليوم الأغبر ! | مدونة المتوقِّد