جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " يَا مُحَمَّدُ ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُه ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ " رواه أبو داود الطيالسي عن جابر ، والطبراني عن سهل ، والحاكم عن ابن عمر ، وسهل ؛ وصححه الحاكم ووافقه الذهبي ، وحسنه المنذري والهيثمي والألباني .
القاعدة الأولى : عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ ؛ قال الله لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر: 30] ؛ وقال له : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ [الأنبياء: 34] ؛ فهذه قاعدة مسلمة ، وسنة الله في خلقه ، فمن عاش على ذكر منها دفعه ذلك لأن يحسن عمله ، ويتجنب المعاصي ، ويبنعد عن ظلم الناس ؛ وقد أحسن من قال :
يامن سينأى عن بنيه ... كما نأى عنه أبوه
مثل لنفسك قولهم ... جاء اليقين فوجهوه
وتحللوا من ظلمه ... قبل الممات وحللوه
القاعدة الثانية : وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُه ؛ وهذا من سنن الله تعالى في خلقه ، والفراق إما أن يكون مؤبدا في الدنيا ، وإما أن يكون مؤقتا ؛ فالأول بالموت ؛ والثاني بسفر أو انتقال أو غير ذلك ... وإنما قلت : مؤقتا ، لأن من أسماء الله تعالى ( الجامع ) فهو سبحانه قد يجمع بين من قضى عليهم الافتراق ؛ وقد قيل :
قد يجمع الله بين الشتيتين بعدما .... يظنا كل الظن ألا تلاقيا
القاعدة الثالثة : وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ ؛ وهذه قاعدة قررها القرآن ؛ فقد قال الله تعالى : لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء: 123، 124] ، قال جل ذكره : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) [ الزلزلة ] .
فمن كان يعلم أنه ميت ، وأنه موقوف وسيجازى بعمله : إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ؛ وكان عاقلا ، فلا بد وأن يسعى للقاء ربه بحسن عمل ورجاء .

ولو أنا إذا متنا تُركنا ... لكان الموت راحة كل حي
ولكنا إذا متنا بُعثنا ... ونُسأل بعده عن كل شيء
اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة ... يا سميع الدعاء .