أنَّ مَا يُظْهِرُهُ بَعْضُ النَّصَارَى مِنْ حُسْنِ أخْلاقٍ هَذِهِ الأيَّامَ لم يَكُنْ أكْثَرُهُ صَادِرًا عَنْ حَقِيْقَةٍ إيْمانِيَّةٍ، ولا نَابِعًا عَنْ عَدَالَةٍ إنْسَانِيَّةٍ، ولا حُبًّا للخَيْرِ، بَلْ كَانَتْ هَذِهِ الأخْلاقُ مِنْهُم بدَافِعِ التَّطبُّعِ الَّذِي ألِفُوهُ وتَعَوَّدُوه في بِلادِهِم.
يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ كَثِيرًا مِنْهُم قَدْ تَطبَّعَ على هَذِهِ الأخْلاقِ مِنْ خِلالِ فَرْضِ القَوَانِيْنِ الصَّارِمَةِ، والعُقُوْبَاتِ الشَّدِيْدَةِ، والأنْظِمَةِ القَاسِيَةِ في بِلادِهِم، ومِنْ هُنَا خَضَعَتْ تَعَامُلاتُهم تَحْتَ الأنْظِمَةِ الوَضْعِيَّةِ الَّتي تَعُوْدُ عَلَيْهِم بالعُقُوْبَةِ على كُلِّ مُخَالِفٍ لَدَيْهِم.
بمَعْنى أنَّ أحَدًا مِنَ النَّصَارَى لو أرَادَ أنْ يُخَالِفَ بَعْضَ هَذِهِ الأنْظِمَةِ والمُعَامَلاتِ سَوْفَ يَكُوْنُ عُرْضَةً للمُسَائَلَةِ والمُحَاكَمَةِ الَّتِي تَفْرِضُ عَلَيْهِ العُقُوْبَاتِ الجَزَائِيَّةَ، والغَرَامَاتِ الماليَّةَ، ورُبَّمَا السِّجْنَ أو القِتْلَ.
لِذَا تَجِدُ كَثِيرًا مِنْهُم مُتَقَيِّدًا بحُزْمَةٍ مِنَ الأخْلاقِ الَّتِي تَحْفَظُ لَهُ نَفْسَهُ ومَالَهُ، فمِنْ هُنَا تَظْهَرُ لَنَا حَقِيْقَةُ أخْلاقِ بَعْضِ النَّصَارَى المَزْعُوْمَةِ، وكَما قِيْلَ:
إنَّ اللهَ ليَزَعُ بالسُّلْطَانِ مَا لا يَزَعُ بالقُرْآنِ!
ويَزِيْدُ الأمْرَ وُضُوْحًا؛ هُوَ أنَّ أحَدَهُم لو أرَادَ أنْ يَكْذِبَ أو يَغُشَّ، أو يُخالِفَ في بَيْعِهِ وشِرَائِهِ، أو في يُخَالِفَ في قَوْلِهِ وعَمَلِهِ؛ سَوْفُ يَكُوْنُ عُرْضَةً للعُقُوْبَةِ الَّتِي يُقرِّرُهَا النِّظَامُ الوَضْعِيُّ لدَيْهِم!
وكَذَا مَنْ تَعَدَّى على حَقِّ الآخَرِيْنَ (
مَاليًّا أو أخْلاقيًّا) سَوْفَ يَكُوْنُ عُرضَةً للعُقُوْبَةِ، وهَكَذَا في غَيْرِهَا مِنَ العُقُوْبَاتِ الَّتِي تَفْرِضُ على أتْبَاعِهَا التَّقْيِيْدَ بحُسْنِ التَّعَامُلِ، لِذَا نَجِدُ الوَاحِدَ مِنْهُم إذَا وَجَدَ بَابًا مِنَ الحَيْلُوْلَةِ على النِّظَامِ بحَيْثُ يَدْفَعُ عَنْهُ العُقُوْبةَ النِّظَامِيَّةَ؛ نَجِدُهُ والحَالَةُ هَذِهِ لا يَسْتَأخِرُ لَحْظَةً في ارْتِكَابِ كُلِّ شَرٍّ وفَسَادٍ، بَلْ سَيَعُوْدُ وكَأنَّهُ حَيْوَانٌ مَسْعُوْرٌ، لا ذِمَّةَ عِنْدَهُ، ولا رَحْمَةَ لَدَيْهِ، ولا صِدْقَ مَعَهُ.
لأجْلِ هَذَا؛ فَإنَّا نَجِدُ مَكَاتِبَ المُحَماةِ في بِلادِ الغَرْبِ كَادَتْ تَفُوْقُ أكَابِرَ مُجْرِمِيْهِم عَدَدًا، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُم كي يَفْتَحُوا لهُم بَابَ الحَيْلُوْلَةِ، ويَسْلَمَ لهُم عِنْدَهَا نِظَامُ العُقُوْبَةِ، فبِقْدَرِ حَصَافَةِ ودَهَاءِ وتَمرُّدِ المُحَامِيْنَ على النِّظَامِ؛ تَرْتَفِعُ مَكَانَةُ المُحَامِي، وتَزْدَادُ شُهْرَتُهُ لَدَى الشُّعُوبِ الغَرْبِيَّةِ!
يُوَضِّحُهُ؛ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الشُّعُوْبِ الغَرْبيَّةِ إذَا أمِنَ الوَاحِدُ مِنْهُم العُقُوْبَةَ أظْهَرَ حَقِيْقَةَ بَاطِنِهِ، وكَشَفَ حَقِيْقَةَ دَسَائِسِهِ وحِقْدِهِ وظُلْمِهِ وفَسَادِهِ وغَيْرِهَا مِنَ الأخْلاقِ السَّيِّئَةِ الَّتِي قَدْ تَأنَفُ مِنْهَا كَثِيْرٌ مِنَ الحَيْوَانَاتِ، ويَشْهَدُ لهَذَا المَثَلُ السَّائِرُ: مَنْ أمِنَ العُقُوْبَةَ أسَاءَ الأدَبَ!
وأدَلُّ شَيءٍ على تِلْكُمُ الأخْلاقِ السَّيِّئَةِ البَاطِنِيَّةِ، مَا حَصَلَ في بِلادِ الغَرْبِ مِنْ حُرُوْبِ في الدَّاخِلِ والخَارِجِ.
فأمَّا الحُرُوْبُ الدَّاخِلِيَّةُ: فَهِي الحُرُوْبُ الأهْليَّةُ والعَالميَّةُ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ النَّصَارَى عَبْرَ التَّارِيْخِ؛ بحَيْثُ كَانَتْ دَمَوِيَّةً وَحْشِيَّةً؛ لا رَحْمَةَ فِيْهَا ولا شَفَقَةَ، ولا إنْسَانِيَّةَ!
ومِنْ آخِرِ هَذِهِ الحُرُوْبِ بَيْنَ الشُّعُوْبِ النَّصْرَانِيَّةِ مَا حَصَلَ في الحَرْبَيْنِ العَالمِيَّتَيْنِ، حَيْثُ كَانَتْ أكْبَرَ مِثَالٍ للوَحْشِيَّةِ والإبَادَةِ الإنْسَانِيَّةِ، حَيْثُ مُسِخَتْ مِنُهُم الأخْلاقُ وتَبَدَّدَتْ عِنْدَهُم الأحَاسِيْسُ!
وكَذَا مَا حَصَلَ بَيْنَهُم في مَدِيْنَةِ «
هَايْتِي» لَمَّا ضَرَبَهَا الزِّلْزَالُ عَامَ (12/1/2010م) (27/1/1431هـ)؛ حَيْثُ فُقِدَ فِيْهَا الأمْنُ أيَّامًا قَلِيْلَةً، فَأصْبَحَتْ أهْلُهَا آنَذَاكَ مِثْلَ الكِلابِ المَسْعُوْرَةِ: مَا بَيْنَ نَهْبٍ وقَتْلٍ وفَسَادٍ وإفْسَادٍ!
ومَا حَصَلَ مِنْهُم أيْضًا نَحْوَ المُسْلِمِيْنَ الأبْرِيَاءِ في الحَادِي عَشَرَ مِنْ سِبْتَمْبَر عَامَ (2001م)، (23/6/1422هـ)؛ حَيْثُ قَامَ كَثِيْرٌ مِنَ الشُّعُوْبِ الأمْرِيْكِيَّةِ بالتَّعَدِّي والإيْذَاءِ والضَّرْبِ لكُلِّ مُسْلِمٍ يَجِدُوْنَهُ بَيْنَهُم، ولَوْ كَانَ أُوْرُوبِّيَّ الأصْلِ!
وكَذَا مَا يَحْصُلُ دَائِمًا عِنْدَهُم: مِنْ مُضَايَقَاتٍ واسْتِهْزَاءَاتٍ ضِدَّ الإسْلامِ والمُسْلِمِيْنَ!
فقُلي برَبِّكَ: أيْنَ أخْلاقُهُم الحَسَنَةُ الَّتِي يَزْعُمُوْنَهَا؟
أمَّا الحُرُوبُ الخَارِجِيَّةُ: فَهِي الحُرُوْبُ الَّتِي أقَامَهَا النَّصَارَى ضِدَّ المُسْلِمِينَ، عَبْرَ التَّارِيْخِ؛ بحَيْثُ كَانَتْ وَصْمَةَ عَارٍ في جَبِيْنِ الإنْسَانِيَّةِ مِنْ خِلالِ إزْهَاقِ الأرْوَاحِ البَريَّةِ، وإظْهَارِ الحِقْدِ الدَّفِيْنِ، فَلا رَحْمَةَ عَرَفُوْهَا، ولا شَفَقَةَ احْتَرَمُوْهَا، ولا إنْسَانِيَّةَ قَدَّرُوْهَا.
وإنْ أرَدْتَ شَيْئًا ممَّا كَسِبَتْهُ أخْلاقُ النَّصَارَى بالمُسْلِمِينَ، فدُوْنَكَ الحُرُوبَ الأخِيْرَةَ الَّتِي شَنَّتْهَا أوْرُوبَّة المُتَحضِّرَةُ! على بِلادِ المُسْلِمِينَ تَحْتَ ما يُسَمَّى: الحُرُوْبُ الصَّلِيْبِيَّةُ!
ومِنْ آخِرِهَا مَا نَرَاهُ ونَسْمَعُهُ ونُشَاهِدُهُ هَذِهِ الأيَّامَ مِنْ حُرُوْبِ إبَادَةٍ ووَحْشِيَّةٍ في بِلادِ فِلِسْطِيْنَ وأفْغَانِسْتَانَ والبُوْسنَةِ والهِرْسِك والعِرَاقِ وغَيْرِهَا مِنْ بِلادِ المُسْلِمِينَ؛ بِحَيْثُ لم يَرْحَمُوا صَغِيْرًا ولا كَبِيرًا، ولا طِفْلًا ولا امْرَأةً، بَلْ لم تَكُنْ لهُم مِنَ الأخْلاقِ إلَّا لُغَةُ الإبَادَةِ والقَتْلِ والتَّشْرِيْدِ!
فقُلِّي برَبِّكَ: أيْنَ أخْلاقُ أوْرُوبَّة المُتَحَضِّرَةِ الَّتِي يَدَّعُوْنَهَا؟

وهذة الفائدة نقلتها من كتاب
حقيقة أخلاق النصارى
للشيخ د/ ذياب بن سعد الغامدي