- -العناية بالقرءان الكريم: الامتدادات والوسال

إن التداخلية ين العلوم ، التي كانت قائمة في التراث العربي الإسلامي ،وحاضرة بشكل قوي، في هذا التراث ،تعود إلى محورية الخطاب القرءاني بين المعارف الإسلامية ،التي كانت في التراث العربي الإسلامي ،بحيث بذلت في علوم القرءان الكريم، وفي تفسيره ،جهود بحثية كبيرة ،وهي جهود لم تبذل في غير القرءان الكريم ، ولم تبذل هذه الجهود البحثية في الكتب السماوية السابقة على القرءان الكريم…
فالقرءان الكريم حظي بمفرده ، بمجهودات بحثية كبيرة ، و دراسات علمية ،واسعة في جميع مستوياته. ...
حيث أنتج علماء الأمة الإسلامية عبر امتدادات التاريخ ،عدة بحوث ،و أعدوا عدة دراسات، و أنجزوا عدة فهارس، و حققوا عدة معاجم ،وموسوعات ذات صلة قوية ،ومباشرة بالبحث في القرآن الكريم، وفي تفسيره ،وفي علومه،بجميع أنواعها ،وأشكالها ، ولم تفتهم العناية بطرائق تدريسه، وفي كل ما يتصل به ...
ولقد امتدت هذه الجهود، وغطت جميع فترات التاريخ ، بحيث شملت العناية بالقرءان الكريم ،وبعلومه جميع فترات التاريخ ، ولم تنقطع هذه الجهود ،ولو لحظة زمنية يسيرة .وكان لهذه الجهود الأثر القوي، والكبير ،والفعال على تنامي البحث،واتساعه في جميع الحقول ،والعلوم المتصلة بالقرءان الكريم، خاصة في الفترة الراهنة التي عرف فيها البحث في القرءان الكريم اتساعا كبيرا ،وعناية بالغة ،وفائقة ،مقارنة مع الجهود العلمية التي بذلت في الفترات السابقة...
وقد عملت هذه الجهود على ضبط المعنى في القرآن الكريم وتوجيه الفهم ،والنظر. وذلك عن طريق إبراز طرق الاستنباط الصحيحة في الفهم،والتفسير ، وتوجيه التحصيل العلمي السديد ،والاستمداد السليم في التلقي للنص القرءاني ، و كذا في اكتساب ، وتحصيل الدلالة من النص القرءاني. وذلك عن طريق وضع القواعد، ورسم الضوابط الفاصلة والحاكمة بين الاستنباط السليم ،من الاستنباط الفاسد ،والتفسير الصحيح والمقبول من التفسير المحظور المردود....
بهذا المقتضى ،فلقد ترسخ في وعي الدارسين ـوالباحثين قديما وحديثا رغم اختلاف التخصص وتنوع التوجه،وتعدد الرؤى أن جميع العلوم التي نشأت في الحضارة الإسلامية إنما هي علوم خادمة للنص. اتجهت في التحام ،وتوافق واتساق وتداخل نحو خدمة القرآن الكريم في جميع جوانبه ومستوياته ومكوناته، خاصة في جانب ما اتصل بالتوثيق والتحقيق والرسم والقراءات ونحو ذلك... وكذا في ما اتصل بالبيان والفهم والتفسير والاستمداد...[1]. فلما كان الوحي هو مركز المعرفة في التراث العربي الإسلامي نشأت جميع هذه العلوم والمعارف انطلاقا من هذا المركز.....
هذه المحورية للنص القرءاني في فضاء لثقافة العربية الإسلامية ،جعلت التداخلية بين العلوم من ابرز الخصائص المميزة ،والحاضرة في الثقافة العربية الإسلامية....
بل يمكن القول بان التداخلية من ابرز المناهج التي ينبغي استحضارها في دراسة التراث العربي الإسلامي،علما أن المسالة المنهجية كانت حاضرة في التراث العربي الاسلامي بقوة ، وبشكل تدريجي،عند اغلب علماء الإسلام ، حاضرة في عقولهم ، ويسيرون عليها في بحوثهم، لكن مختلفة في حضورها بينهم تبعا لاختصاصهم....
ومن ثم فلقد تحول النص الشرعي ، ليكون منطلقا لكل الجهود الفكرية والبحثية ،والعلمية للمسلمين ،وقطب الرحى الذي تدور حوله مختلف الدراسات والبحوث والانجازات العلمية بجميع أشكالها وأصنافها وأنواعها،وتجلياتها .. ...
فهذا الأصل المعرفي الثابت المتعلق بمحورية النص، و اشتغال جميع العلوم بالنص، هو الذي جعل كثيرا من الباحثين يروا أن عطاء الفكر العربي الإسلامي، وإبداعه إنما نشا ابتداء،وأساسا من خلال التعامل المباشر مع النص القرءاني، توثيقا وتحقيقا ،وفهما وضبطا وبيانا واستمدادا....[2].
فلقد شكل القرءان الكريم منطلقا لكل الجهود الفكرية والعلمية في التراث العربي الإسلامي. وهو ما نجم عنه تحقق نوع من التواصل والتداخل والتفاعل بين العلوم.إذ عملت كل هذه العلوم على توجيه العناية والاهتمام نحو خدمة النص القرءاني في جميع المستويات والنواحي....[3].
وان كان من مقدمات العلوم للتي عني بها علماء الإسلام، هي علوم البيان، والفهم، الموصلة إلى فهم القرءان الكريم .وذلك بتأسيس علوم البيان ،وتشيد عناصرها المؤدية إلى تمثل الشروط،و المقتضيات إلى فهم القرءان الكريم...وهي علوم كثيرة، يجمعها وحدة الهدف المشترك،وهو الوصول إلى البيان النص .. ..
ولعل هذا البعد المعرفي ، هو الذي أدى بعلماء الإسلام،إلى الاشتغال على صناعة المعنى في الخطاب القرءاني ، عن طريق وضع الضوابط ، و رسم الشروط الموصلة إلى الفهم، والبيان...
- قال ابن جزي الكلبي في مقدمة كتابه التسهيل: "هو المقصود بنفسه (القرآن) وسائر العلوم أدوات تعين عليه أو تتعلق به أو تتفرع عنه".[4].
وتبعا لهذا يمكن أن نقسم هذه المستويات إلى قسمين اساسين :
ا:-قسم التحقيق والتوثيق والحفظ.
ب:-قسم الفهم والبيان والتفسير.
ومن ابرز العلوم التي اخترناها لتجسيد هذه التداخلية ،التي كانت حاضرة في العلوم الإسلامية ، علم صول الفقه،والسبب يعود ، إلى أن علم أصول الفقه ،كان من أهم العلوم التي جسدت مبدأ التداخل التواصل والتكامل بين العلوم,والسبب يعود إلى نسقية هذا العلم، من حيث جمعه ، وحمله لمجموعة من العلوم ، منها العلوم المنهجية الموصلة والمسددة إلى المعرفة...
. فهو من علوم المناهج ،وهو عبارة عن قواعد منهجية استدلالية تعمل على ضبط منهج الفهم ، وتسديد الاستدلال ،و ترشيد الاستنباط في المجال التشريعي. فقد أراد له مؤسسه الإمام الشافعي أن يكون علم أصول الفقه علما سددا لفهم النص و معينا على الاستدلال على الأحكام....
والكتاب هذا محاولة لرصد هذه اتداخلية ، التي كانت حاضر ة بقوة في التراث العربي الإسلامي،وفي علومه بمختلف أنواعها وشعبها...


















[1]- يراجع ندوة الرابطة المحمدية للعلماء "الاستمداد من الوحي" وكانت في مناهج وأصول التفسير. وصدرت مطبوعة سنة 2008.

[2] -يراجع أعمال المؤتمر الدولي المنعقد بفاس ابريل :2011.في موضوع جهود الأمة في خدمة القرءان الكريم. مطبعة فاس :2012.

[3]- مقدمة ابن جزي الكلبي لتفسيره التسهيل: 1/3.وكذا شرح مقدمة التسهيل لمساعد بن سليمان الطيار الصادرة عن دار ابن الجوزي:1431ه.

[4] - مقدمة تفسير ابن جزي :1/3