بسم الله الرحمن الرحيم
تقرير أطروحة الدكتوراه التي تقدم بها الباحث عزالدين سليماني يوم 20/06/2014 برحاب كلية الآداب فاس سايس (جـامعة سيدي محمد بن عبد الله)، وهي بعنوان: الدلالة النحوية وأثرها في استثمار الأحكام الفقهية من القرآن الكريم، وتكونت لجنة المناقشة من: د. عبد العلي المسئول مشرفا، د. ادريس الشرقي رئيسا ومقررا، د.ادريس مقبول عضوا، د.عبد اللطيف نجيد عضوا، د. الحسين العمريش عضوا.
لقد وفقني الله تعالى لإكمال المسيرة العلمية بالتقدم لإتمام الدكتوراه بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مركز دراسات الدكتوراه اللغات والتراث والتهيئة المجالية. وموضوع رسالتي هو: “الدلالة النحوية وأثرها في استثمار الأحكام الفقهية من القرآن الكريم: جمع ودراسة وتوجيه”. ويمكن تحديد أهم المحاور التي رسمت مسيرة هذا البحث.
موضوع البحث:
إن الشريعة الإسلامية إنما وُضِعت للفهم والإفهام، وخطابها منبعه وأصله القرآن الكريم الذي أنزل بلسان عربي مبين. قال الإمام الشاطبي: «القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذه الطريق خاصة، لأن الله تعالى يقول: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ 1، وقال: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ 2 ، وقال:  لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ3 ، وقال:  وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ 4، إلى غير ذلك مما يدل على أنه عربي وبلسان العرب، لا أنه أعجمي ولا بلسان العجم، فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تفهمه من غير هذه الجهة» 5.
ولقد عانى جار الله الزمخشري اجتراء أناس على تأويل آي الذكر الحكيم فقال في مقدمة كتابه “المفصل”: «زمن لم يتق الله في تنزيله، فاجترأ على تعاطي تأويله وهو غير معرب، ركب عمياء، وخبط عشواء، فقال ما هو بقول، افتراء وهراء، وكلام الله منه براء»6 ، وقال في موضع آخر: «وذلك أنهم لايجدون علما من العلوم الإسلامية فقهها وكلامها وعلمي تفسيرها وأخبارها إلا وافتقاره إلى العربية بين لايدفع، ومكشوف لايتقنع، ويرون الكلام في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنيا على علم الإعراب، والتفاسير مشحونة بالروايات عن سيبويه والأخفش والكسائي والفراء وغيرهم من النحويين والبصريين والكوفيين»7 .
وذهب علماء الأصول إلى أنه لا يبلغ درجة الاجتهاد من لم يأخذ من العربية بحظ وافر، بل منهم من شرط بلوغه درجة الاجتهاد في علوم العربية مبلغ الخليل وسيبويه والأخفش والجرمي والمازني8 .
ولقد أفصح الغزالي عما ينبغي دركه من علم اللغة فقال: «فعلم اللغة والنحو أعني القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه، ولحنه ومفهومه»9 .
فإذا أقبل الناظر في الكتاب والسنة مستنبطا منه الأحكام وقد عري عن علم العربية الذي يفهم به الخطاب، ورام تأويله بفهمه الكليل، فهمه على غير المراد واستنبط منه غير ما يقصد.
هذا وقد استنبط الفقهاء عددا من الأحكام الفقهية من نصوص القرآن الكريم معتمدين على دلالات نحوية، حيث خرجوا عليها فروعا فقهية، وألف جمال الدين الإسنوي كتابا سماه:”تخريج الفروع الفقهية على القواعد النحوية”, فجمع وهذّب ورتّب ونقّح.
أهداف البحث
إن الأهداف التي سعى هذا البحث لتحقيقها تكمن فيما يلي:
– استثمار التراث اللغوي النحوي الذي أثله السابقون في استثمار الأحكام الفقهية.
– الانفتاح على الدراسات اللغوية الحديثة والإفادة من إضافاتها القيمة في هذا المجال.
– إبراز قيمة الدلالة النحوية إلى جانب باقي القرائن الأخرى في استنباط الأحكام الفقهية، وتجلية العلاقة بين الرأي النحوي والحكم الفقهي وتبيين كيفية تأثر الثاني بالأول.
– البحث في منهجية استثمار الأحكام الفقهية من جهة الدلالة النحوية، وبيان تأثير الأحوال الإعرابية والتأويلات النحوية في اختلاف آراء العلماء ومذاهبهم الفقهية.
– إظهار أوجه التكامل بين البعد الدلالي والنحوي من جهة والنظر الأصولي والشرعي من جهة أخرى في خدمة النص القرآني واستثمار أحكام الفقه من القرآن الكريم.
– الإسهام ولو بالنزر اليسير في البحث العلمي الجاد المفضي إلى مراعاة الاختلاف في الآراء الفقهية ما دامت مبنية على أصول علمية معتبرة.
– الوقوف على غنى تراث الفقه الإسلامي الذي بني على المصدر الأول للتشريع، مع توجيه الاهتمام إلى الآفاق التي تفتحها الدراسة اللغوية لبعض آيات الأحكام، وذلك لمواكبة النوازل المحدثة في بعض القضايا مثل أحكام الأسرة والسياسة الشرعية وغيرها..
– وضع لبنة أخرى في هذا الصرح العلمي الذي يعنى بالقرآن الكريم، هذا الكتاب اللعظيم الذي يحمل بين ثناياه مفاتيح السعادة للناس متى توافق فهمهم مع روحه ومقاصده.
خطوات الدراسة:
للوصول إلى الأهداف المرجوة من هذه الرسالة استعنت بالمنهج الوصفي والمنهج المقارن، بالإضافة إلى الاعتماد على الأدوات التكميلية كالنقد والتعليق وتوثيق المادة المنقولة والمستشهد بها من نصوص قديمة أو اقتباسات حديثة متعلقة بالموضوع.
ونظرا لطبيعة هذا البحث، صدَّرته بقسم نظري، خصصته لدراسة أهم المفاهيم الأساسية التي يتركب منها الموضوع: الدلالة النحو التركيب عند أهل اللغة قديمهم وحديثهم، بالإضافة إلى التمكن من مدرسة التفسير الفقهي واللغوي.
أما عن الخطوات التي اتبعتها في إنجاز هذا البحث فيمكن إجمالها فيما يلي:
– جمع آيات الأحكام الفقهية، ثم حصر تلك التي تأثرت بدلالة الوظائف النحوية إفرادا وتركيبا، وتبويب تلك الآيات بحسب المباحث النحوية.
– استعراض ما ورد في شرح تلك الآيات انطلاقا من كتب التفسير، وخصوصا التفاسير اللغوية وكتب الأحكام، بالإضافة إلى الرجوع لأقوال العلماء من أصوليين وفقهاء مع التركيز على تلمس الجانب النحوي في استدلالهم ومناقشتهم.
– إظهار الأساس النحوي الذي بني عليه المذهب الفقهي، وإبراز مدى تأثره باختلاف آراء النحاة.
– الرجوع إلى الدراسة الأصولية والإفادة منها خصوصا في جانب الدلالة.
– الموازنة بين الآراء المختلفة في القضية الواحدة وإبراز الراجح منها، مستعينا بالسياق القرآني ونصوص السنة النبوية وباقي القرائن الأخرى؛ مثل أسباب النزول وأقوال الصحابة …
خطة البحث:
تضمنت هذه الدراسة بابين بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة وفهارس، وتعرضت في المقدمة: للحديث عن مشروعية الموضوع وأهميته وأسباب اختياره، وتحديد قيمته العلمية والمنهجية، مع بيان خطته والصعوبات التي واجهته، والدراسات السابقة، أما الخاتمة فجعلتها لتسجيل أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة.
وقد خصصت الباب الأول للإطار النظري للدراسة، وتناولت فيه المفاهيم الأساسية التي تضمنها البحث وذلك عبر فصلين:
الفصل الأول: تحدثت فيه عن مفهوم الدلالة النحوية ويتكون من أربعة مباحث:
– المبحث الأول: تعريف الدلالة في اللغة والاصطلاح.
– المبحث الثاني: مفهوم الدلالة النحوية.
– المبحث الثالث: الدلالة النحوية والمعنى.
– المبحث الرابع: الدلالة النحوية والمعنى في الدراسات اللغوية الحديثة.
أما الفصل الثاني فقد خصصته لدراسة مفهوم:.«استثمار الأحكام الفقهية من القرآن الكريم» ويضم ثلاثة مباحث:
– المبحث الأول: «استثمار الأحكام» دراسة في المفهوم، وتضمن تعريفا موجزا لمفهومي (الاستثمار) و (الأحكام) والمركب اللفظي من اللفظين، ثم تطرقت لشروط الاستنباط من القرآن الكريم.
– المبحث الثاني جعلته مخصصا لدراسة مفهوم «آيات الأحكام الفقهية». وتضمن هذا المبحث مطلبين: الأول لتعريف آيات الأحكام والثاني لمقاربة معنى الفقه في اللغة والاصطلاح.
– المبحث الثالث عالجت فيه أثر الدلالة اللغوية في استثمار الأحكام من القرآن الكريم.
وقد خلصت في هذا الباب إلى النتائج الآتية:
– ثراء اللغة العربية وغناها مما أهلها لتكون حاملة لمعاني الكتاب الكريم، ثم إن الاحتمالات النحوية التي يحتملها اللفظ والتركيب القرآني بينت قابلية لغة القرآن للتنوع الدلالي والاتساع في المعنى.
– ارتبطت علوم اللغة وباقي العلوم الشرعية بالقرآن الكريم خدمة لآياته وإفهاما لها بغاية تنزيل أحكامها، وكان للقرآن الكريم فضل كبير على اللغة لأنه بحفظ الله تعالى لكتابه حفظت اللغة العربية كما صانها وجوب أداء العبادات بها عن الزوال.
– اهتم المسلمون منذ عهد الصحابة بتفسير القرآن من طريق اللغة، وكان رائد هذه المدرسة عبد الله بن عباس ، ثم تعددت التفاسير التي تبنت الكشف عن معاني القرآن عبر التفسير اللغوي، واعتمدت لغات القبائل العربية وشعر الجاهلية مصدرا يرجع إليه في استيضاح ما خفي من ألفاظ وتراكيب هذا الكتاب العظيم.
– إن العلوم الشرعية من تفسير وأصول وفقه متوقفة على الإلمام بفنون اللغة؛ لأن المفسر والفقيه المستنبط محتاج إليها لفهم المعنى على الوجه الصحيح، كما أنه لا يستغني عنها في الترجيح بين المعاني والآراء، لذلك حصل الإجماع بين العلماء على ضرورة تضلع المجتهد من علوم العربية.
– لمـَّــا كان نظر المجتهد في نصوص الكتاب والسنة وهما عربيان، صار لزاما لمن يتعرض لاستنباط الأحكام منهما أن يكون على قدر كبير من العلم بهذه اللغة، حتى يتوصل إلى ما يحتمله النص من المعاني والأحكام.
– يدل لفظ «استثمار الأحكام» على الجهد الذي يبذله المستنبط في تحصيل الأحكام من نصوصها مع مراعاة الضوابط والشروط اللازمة لهذا العمل الجليل.
– اهتمّ الأصوليون بالظواهر النحوية -باعتبارها أحد أقسام علم اللغة- لتأثيرها في صلب اهتمامهم وهو استنباط الأحكام الشرعية، إلا أن مناقشاتهم ومناظراتهم وجدت متناثرة ومضمنة في أبواب أصول الفقه.
– إن النحو باعتباره أحد علوم اللغة أثر في الآراء والمذاهب الفقهية، وظهر ذلك جليا في الحركات الإعرابية وأحوال أواخر الكلم، لذلك فإن الآراء الفقهية قد تتغير تبعًا لتلك الحركات والأحوال…
– إذا كانت الدراسات اللغوية الحديثة قد تطرقت إلى أهمية القرائن بأنواعها في الوصول إلى المعنى، فإن هذا الملمح لم يغب عن القدماء الذين درسوا آيات الأحكام، حيث استعانوا في فهمهم للكتاب الحكيم بالقرائن المتصلة والمنفصلة، فقاسوا التراكيب القرآنية على بعضها، واستدعوا قرائن الحال من أسباب النزول وملابسات المخاطبين وظروفهم حال التنزيل.
– أثل العرب القدامى إرثا لغويا هائلا في مجال الدلالة والسياق والقرائن اللغوية، وظهرت اتجاهات ومدارس غربية حديثة قامت على أسس تلك النظريات التي سطرها العرب فكان لهم فضل السبق والتأسيس ولمن بعدهم فضل البناء والإبداع.
– إن وظيفة «النحو» تتعدى ضمان سلامة اللغة والخطاب من اللحن (المعيارية)، إلى تحديد المعنى المراد من الكلام (الدلالية).
– هناك علاقة وطيدة بين الإعراب والمعنى، كون الحركات الإعرابية تنبئ عن المعنى الذي يوجد في ذهن المتكلم والذي يترجم في وظيفة إعرابية معينة: الفاعلية أو المفعولية أو الحال أو الاستثناء…
وإذا كان الشق النظري قد تطرق لتحديد الجهاز المفهومي الذي يؤطر البحث، فإن الشق الثاني ركز على الدراسة التطبيقية لآيات الأحكام الفقهية؛ حيث تم تنزيل تلك المفاهيم والآليات النظرية لتبين أثر الرأي النحوي على المذهب الفقهي، وجاءت فصوله ومباحثه كالآتي:
– الفصل الأول: أثر دلالة حروف المعاني في استثمار الأحكام الفقهية من القرآن الكريم ويتكون من ثلاثة مباحث هي:
– المبحث الأول: دلالة حروف العطف ودرست فيه نماذج من الآيات التي تضمنت حروف العطف وهي: (أو) و(ثم) و(الفاء) وحرف (الواو).
– المبحث الثاني: دلالة حروف الجر وجعلته لنماذج من آيات الأحكام التي اشتملت على حروف الجر وهذه الحروف هي: (إلى) و(من) و(الباء).
– المبحث الثالث: فقد خصصته لدلالة (ما) الموصولة و(حتى) وتأثيرهما في الحكم الفقهي المستنبط من بعض آيات الأحكام.
– الفصل الثاني تطرقت فيه لدراسة دلالة الأساليب والصيغ في استثمار الأحكام الفقهية، وقسمته إلى أربعة مباحث هي:
– المبحث الأول: أثر دلالة أسلوب الاستثناء في استثمار الأحكام الفقهية؛ تناولت فيه تعريف الاستثناء في المطلب الأول، ووقفت في المطلب الثاني عند مسألة رجوع الاستثناء إلى الجمل قبلها أو إلى أقرب مذكور.
– المبحث الثاني وقفت فيه عند دراسة أثر دلالة الشرط في استثمار الأحكام وقسمته إلى مطلبين:
• المطلب الأول: مفهوم الشرط في اللغة والاصطلاح.
• المطلب الثاني: مسألة عود الشرط إلى الجمل السابقة أم إلى أقرب مذكور.
– المبحث الثالث: خصصته لدراسة دلالة الحذف؛ وقفت في المطلب الأول عند مسألة حذف المضاف، وفي المطلب الثاني عند حذف الجملة الفعلية، أما المطلب الثالث جعلته لحذف الفاء مع معطوفها.
– المبحث الرابع: دلالة المصدر حيث ذكرت فيه بعض آيات الأحكام التي تأثرت بوظيفة المصدر.
– المبحث الخامس: دلالة صيغة الأمر ويتضمن سبعة مطالب رتبتها كالآتي :
• المطلب الأول: تعريف(الأمر) لغة واصطلاحا
• المطلب الثاني: دلالة الأمر على الوجوب
• المطلب الثالث: الأمر للوجوب أو الندب
• المطلب الرابع: الأمر للمرة أو للتكرار
• المطلب الخامس: الأمر للفور أم للتراخي:
• المطلب السادس: الأمر بعد الحظر
• المطلب السابع: الأمر المطلق هل يقتضي الاستيعاب؟
أما المبحث الخامس: فقد خصصته لدراسة دلالة صيغة النهي متوسلا بالمطالب الآتية:
• المطلب الأول: مفهوم النهي وصيغه
• المطلب الثاني: أغراض صيغة النهي
• المطلب الثالث: دلالة النهي على الحظر أو الكراهة
• المطلب الرابع: دلالة النهي على الفورية والاستمرار
وخصصت الفصل الثالث لدراسة دلالة بعض التراكيب في استثمار الأحكام ويتضمن المباحث الآتية:
المبحث الأول: دلالة بعض المعارف ويتضمن المطالب الآتية:
• المطلب الأول: دلالة المعرف بــ(أل)
• المطلب الثاني: عود الضمير
• المطلب الثالث: دلالة الموصول
• المطلب الرابع: دلالة اسم الإشارة:
وفي المبحث الثاني تعرضت لدراسة تأثير دلالة بعض المنصوبات في استثمار الأحكام الفقهية وضمنته أربعة مطالب:
• المطلب الأول: دلالة المفعول به
• المطلب الثاني:دلالة الحال
• المطلب الثالث: دلالة المفعول المطلق
• المطلب الرابع: دلالة الظرف
وتطرقت في المبحث الثالث لدلالة بعض التوابع في استثمار الأحكام حيث قسمته إلى ثلاثة مطالب هي:
• المطلب الأول: دلالة العطف
• المطلب الثاني: دلالة النعت
• المطلب الثالث: دلالة البدل
وخصصت المبحث الرابع لدراسة دلالة المصدر وتاثيرها في استثمار الأحكام الفقهية من القرآن الكريم.
وقد توصلت في هذا الباب إلى النتائج الآتية:
– إن هناك ظواهر نحوية لها أثر واضح في الأحكام وهي: الضمير والعطف وأسلوب الاستثناء والحروف. فالحروف مثلا وضعت للدلالة على معاني الكلام، لذلك اختلفوا في معنى (الواو) في قوله تعالى:  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ 10، وكان لهذا الاختلاف أثر فقهي في ترتيب أعضاء الوضوء من عدمه.
كذلك حرف «الباء» في الآية حمل ثلاتة معاني: التبعيض والإلصاق والزيادة، وقد نتج عن هذا أن الفقهاء اختلفوا في مقدار مسح الرأس في الوضوء، فمنهم من حملها على التبعيض وقال: يكفي مسح أي قدر منه ومنهم من حملها على الإلصاق وقال يمسح ربع الرأس تقديرا بما تأخذه آلة الإلصاق، ومنهم من قال بمسح جميع الرأس لأنه حملها على الزيادة أو الإلصاق وأراد إلصاق المسح لا اليد وهكذا.
أما «اللام» في قول الله تعالى:  وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ 11، فبَيِّن تأثيرها في الأحكام التي استنبطها الفقهاء ومنها:
• وجوب نفقة الولد الصغير على ولده.
• كل ما يملكه الولد فلأبيه حق التصرف فيه.
• لا يشارك الوالد أحد في النفقة على الولد.
• الولد ينسب للأب لا للأم .
أما الأدلة النحوية في هذا المجال، فإن «اللام» في قوله تعالى:  وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ إما للملك، أو نسبة الملك، فأبو حيان الأندلسي يقول: «الآية أضافت المولود إلى الوالد بواسطة هذه اللام، وذلك يدل على أنه ملك لوالده، وإذا كان ملكا له استتبع ذلك أن تكون نفقته عليه، وأن لايشاركه أحد فيها، ,أن جميع ما يملكه الابن من مال يعد ملكا للأب، يقوي ذلك قول الرسول : (أنت ومالك لأبيك)» 13.
وإما أن تكون «اللام» للاستحقاق، أي أن الوالد مستحق للولد وهو استحقاق يعني ثبوت الأحكام المذكورة سابقا، وهو ما صرح به سيبويه حينما مثّل “للام” بنحو: “العبد لك”، معناه: هو عبدك، ثم بين وجه استحقاقه حين قال: « فيكون مستحقا لهذا، كما يكون مستحقا لما يملك» 14.
. وقد أثرت التراكيب النحوية كذلك في الأحكام الفقهية المستنبطة من القرآن، ومن ذلك: ماورد في تفسير قوله تعالى:  شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ15 ، فالحكم الفقهي المستنبط من الآية وجوب الصوم على المقيم وإباحة الفطر للمسافر في رمضان، وذلك بناء على ملمح نحوي. قال ابن عطية: «والشهر نُصب على الظرف، والتقدير فمن حضر منكم المصر في الشهر، ولو كان الشهر مفعولا للزم الصوم للمسافر، لأن شهادته للشهر كشهادة المقيم وشهد يتعدى إلى مفعول»16 .
فوجهات نظر علماء اللغة مختلفة لما يعتمدونه من قواعد لغوية ونحوية حين تناولهم للدرس القرآني مما يؤدي إلى الاختلاف في الأحكام الفقهية.
أما في قول الله تعالى:  وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ  17، استدل العلماء بهذه الآية على أن المرأة التي تسبى في الحرب مع الكفارـــ وهي متزوجةـــ يجوز للذي سباها وطؤها بعد استبرائها لأنها أصبحت ملك يمينه، وتباين الدارين قد أوقع الفرقة بينها وبين زوجها 18. والدليل النحوي هو ان المحصنات في اللغة المتزوجات، وقد استثنى الله منهن اللواتي يسبين في الحرب، لأن (ما) موصول مستثنى من المحصنات، والإحصان في اللغة يراد به المنع، وهو يحصل بالتزوج كما يحصل بالإسلام، فعلى هذا يكون الاستثناء متصلا لأن المسبية من جنس المتزوجات، ولكنها استثنيت من التحريم بسبب النفي.
بعد إعطاء هذه النماذج يمكن تحديد أهم الخلاصات التي توصل إليها الشق التطبيقي:
– إن اختلاف علماء اللغة أنفسهم في التوجيهات النحوية والتأويلات وتباين وجهات النظر، انعكس على الآراء التفسيرية والأحكام الفقهية المستنبطة من القرآن الكريم، ثم إن المفسرين وعلماء الأصول لم يخالفوا تلك القواعد التي وضعها النحاة بل رجعوا إليها واعتمدوها في آرائهم.
– لقد وجدنا الآراء الفقهية للعلماء متأثرة بانتماءاتهم المذهبية، فيصير التوجيه النحوي والدلالي مقدمةً لتعضيد وجهة النظر التي استقرت في أذهانهم مسبقا، كما أن ميلهم في بعض الأحيان إلى ترجيح وجه من الوجوه الإعرابية يكون بناء على ما رجح في مذهبهم الفقهي.
– استعان العلماء بعلوم أخرى فضلا عن النحو لإيضاح معاني الآيات واستنباط الأحكام منها، فلم تقتصر دراستهم على الجانب النحوي فقط بل رجعوا إلى مصادر التشريع الأخرى لجلاء الغموض، فعلوم اللغة لا تكون قادرة وحدها على بيان أسرار النصوص القرآنية، وخصوصا آيات الأحكام لأنها دالة على تكليف شرعي. لذلك وجدناهم يفسرون القرآن بالقرآن وبالسنة وبأقوال الصحابة وما حصل من إجماع الأمة لترجيخ رأي على آخر.
– إذا كانت الدراسات اللغوية الحديثة قد تطرقت لأهمية القرائن بأنواعها في الوصول إلى المعنى، فإن هذا الملمح لم يغب عن القدماء الذين درسوا آيات الأحكام، حيث استعانوا في فهمهم للكتاب الحكيم بالقرائن المتصلة والمنفصلة، فقاسوا التراكيب القرآنية على بعضها، واستدعوا قرائن الحال من أسباب النزول وملابسات المخاطبين وظروفهم حال التنزيل.
– لقد وجدنا في تعليقات المفسرين ومناظرات الأصوليين نكتا وفوائد لغوية تستحضر الجانب الاجتماعي في اللغة، وتعطي قيمة للبعد الدلالي فيها، كون التكليف بالأحكام الشرعية راعى الوسع البشري واختلاف الأحوال فكانت ظاهرة الحذف وتقدير المحذوف الذي استغني عن ذكره مجالا خصبا للتقدير والتأويل مراعاة لروح الشريعة ومقاصدها.
– وقف البحث على حقيقة مفادها أنّه لما كانت نصوص القرآن محدودة في عددها، فإن أبنيتها ولغتها احتملت من المعاني الكثير، وكان النحو أحد أسباب هذا الاتساع الدلالي. وبما أن حوادث الناس ليست محصورة ومتجددة، صار هذا الاتساع في المعاني أحد أسباب صلاح الشريعة لكل زمان ومكان، وعاملا لاستجابتها للنوازل المحدثة. إن هذه الحقيقة هي التي وقف عندها البحث في (عود الضمير) أثناء دراسة بعض آيات أحكام الأسرة، حيث إن التعدد الدلالي يفتح آفاقا واسعة للتفكير في التدبير المؤسساتي للخلافات الأسرية. كما أن نصوص السياسة الشرعية تحتاج إلى مزيد دراسة تعنى بهذا الجانب مراعاة لتطور أحوال الناس.
– إذا كان النحاة قد وضعوا قواعد النطق السليم للغة صونا لها عن اللحن، فإن الأصوليين أضافوا لهذه القواعد رؤى معنوية ووظائف دلالية لايمكن الاستغناء عنها في دراسة آي القرآن الحكيم.
– لم تكن القواعد النحوية قادرة على الترجيح بين الوجوه المعروضة في بعض المسائل الخلافية، وهذا ما كان حاضرا في عود الضمير في النصوص القرآنية، لذلك وجدنا ابن العربي مثلا يقر بهذا الأمر ويعتبر الآراء على قدر واحد من الحجية، ويترك للسياق القرآني ليكون فيصلا في تحديد المعنى.
توصيات البحث
– إن النص القرآني بهذا الثراء الدلالي والغنى المعنوي يحتاج مزيدا من الدراسات التي تهتم بلفظه لكي تسع أحكامه وتوجيهاته حياة الناس وشؤونهم الخاصة والعامة.
– ضرورة إيلاء الجانب النحوي والدلالي مزيدا من الدراسات والبحوث.
الهوامش:[1] – سورة الشعراء الآية:195[2] – سورة يوسف الآية: 2[3]- سورة النحل الآية: 103[4]- سورة فصلت الآية: 44[5] _ الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي، تحقيق أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، الطبعة الأولى 1997م، 2/102.[6] – شرح المفصل: القاسم بن الحسين الخوارزم تحقيق د: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين دار الغرب الإسلامي 1/141.[7] – شرح الخوارزمي للمفصل1/141.[8] – ينظر الموافقات: 5/53.[9] – المستصفى من علم الأصول لأبي حامد الغزالي، دراسة وتحقيق: حمزة بن زهير الخياط 2/386.[10] – سورة المائدة من الآية:7[11] – سورة البقرة الآية 231.[12] – ينظر أصول السرخسي 2/200 دار الكتاب العلمية بيروت لبنان الطبعة الأولى 1993م.[13] – ينظر البحر المحيط، أبو حيان الاندلسي 2/214، دراسة وتحقيق:د زكريا عبد الموجود، ود أحمد النجولي الجمل، دار الكتب العلمية بيروت.[14] – ينظر الكتاب: 4/217.[15] – سورة البقرة الآية 185.[16] – المحرر الوجيز لابن عطية الطبعة القطرية 1/110.[17] – سورة النساء من الآية: 24[18] – ينظر بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع،أبو بكر بن مسعود الكاساني، الطبعة :الثانية، 1986 دار الكتب العلمية،بيروت 2/268