أحكام استقبال القبلة

سؤال: لقد كثر السؤال عن وجود انحرافات في كثير من مساجد المسلمين عن جهة القبلة، وذلك بعد التَّحقق من اتجاه القبلة من خلال الأجهزة الحديثة كالجوالات وبرامج تحديد القبلة، فما هو واجب المسلم في مثل هذه الاختلافات؟
الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الأمين.
وبعد؛ فلا شك أن استقبالَ القبلة شرطٌ في صحَّة الصَّلاة.
هذا إذا علمنا أنَّ استقبالَ القبلة على قسمين:
الأول: استقبال عين الكعبة.
وهذا الاستقبال فرضٌ في حقِّ كلِّ من شاهد عينَ الكعبة وعاينها، أو تحقَّق من مكانها، ولو من وراء جِدارٍ، وهذا مما أجمع عليه أهل العلم.
وعليه، فمن تَرَكَ استقبَالَها ـ ممن كان مشاهدًا لها ـ فصلاته باطلةٌ.
ودليل استقبال القبلة، أن النبي لمَّا دخل مكَّة في عام الفتح دخل الكعبة فدعى في نواحيها، ثمَّ خرج فصلَّى قِبَلَ البيت، وقال: "هذه القبلة" مسلم.
الثاني: استقبال جهة الكعبة.
وهذا الاستقبال فرضٌ في حقِّ كلِّ من لم يكن مشاهدًا لها، كما قال الله تعالى: "قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" (البقرة: ١٤٤).
والشَّطرُ في اللُّغة: النَّحْوُ، أي: فَولِّ وَجهَك نَحْوَ المسجدِ الحرامِ، وهذا التفسيرُ لا خلافَ فيه بين أهل اللغة.
وعليه؛ فإن استقبال جهة الكعبة ممَّا أمَرَ الله به المؤمنين في قوله تعالى: "وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ" (البقرة: ١٤٤).
ويدل عليه أيضا ما جاء في الصحيحين: "أنَّ القبلةَ لما تحوَّلت للكعبة، خرج رجلٌ، فمرَّ بقومٍ من الأنصار، وهم يصلون نحو بيت المقدس، فامرهم بالتحول نحو الكعبة، فتحرَّف القومُ، حتى توجَّهوا نحو الكعبة".
فدلالته أنهم لم يتكلَّفوا عينَ الكعبة، بل اكتفوا باستقبال جهتها.
واستقبالُ جهةِ الكعبة ممَّا أجمع عليه أهل العلم.
قال القرطبي في "الجامع": "وأجمعوا على أنَّ كلَّ من غاب عنها ـ أي: عن عينها ـ أن يستقبلَ ناحيتها وشطرها وتلقاءها" انتهى.
وعليه، فمن وجب في حقِّه استقبالُ جهةِ الكعبة، فإنه لا يجب في حقِّه إصابةُ عينها؛ لأنَّ الله تعالى لم يكلِّفنا بذلك، إذ لو كلَّفنا بذلك لكان في ذلك مشقَّةٌ عظيمةٌ.
وأكَّد ابنُ العربي كلامَ القرطبي بقوله: "وهو الصحيح لثلاثة أوجه:
الأول: أنه الممكن الذي يرتبط التكليف به.
الثاني: أنه المأمور به في القرآن، لقوله تعالى: "فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُم"، يعني: من الأرض من شرقٍ أو غربٍ، "فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ" (البقرة: ١٤٤).
الثالث: أن العلماء احتجُّوا بالصَّفِّ الطويل الذي يُعلمُ قطعًا أنه أضعافُ عرضِ البيت".
وبنحوه قال ابن تيميَّة في "مجموع الفتاوى: "فمن توهَّم أنَّ الفرضَ أن يقصد المُصلِّي الصلاةَ في مكانٍ لو سار على خطٍّ مستقيمٍ وصل إلى عينِ الكعبة فقد أخطأ، ومن فسَّر وجوبَ الصلاة إلى العينِ بهذا، وأوجب هذا، فقد أخطأ، وإن كان هذا قد قاله قائلٌ من المجتهدين، فهذا القول خطأ، خالف نصَّ الكتاب والسنة وإجماع السلف، بل وإجماع الأمة.
فإنَّ الأمةَ متفقةٌ على صحَّةِ صلاةِ الصفِّ المستطيل الذي يزيدُ طولُه على سَمْتِ الكعبة بأضعافٍ مضاعفةٍ، وإن كان الصف مستقيما لا انحناء فيه ولا تقوس" انتهى.
قلت: ومن خلال ما مضى ذكره يتبين لنا أنَّ الإجماعَ واقعٌ على صحة صلاة أصحاب الصف الطويل الذي يزيد طوله على عرض الكعبة.
وعليه، فالعبرة ليست في استقبال عين القبلة، بل في استقبال جهتها لمن خرج به الصفُّ الطويلُ عن سمتِ الكعبة، كما هو ظاهرُ كثيرٍ من صفوف مساجد المسلمين.
أما إذا سألت أخي المسلم عن علامات استقبال القبلة، فجوابه الآتي.
العلامة الأولى: المشرق والمغرب، كما قال النبي : "مَا بَيْنَ المَشرقِ والمَغربِ قِبلةٌ" أخرجه أحمد والترمذي، وقال: "حسنٌ صحيحٌ"، ونقل الترمذيُّ عن البخاريِّ تقويتَهُ للحديث.
وقد نصَّ على تصحيح الحديث غير واحد من أهل العلم، كما تناقلوا تصحيحَ الترمذي للحديث في كتبهم ولم يُنكروه، كالبغوي، وابن دقيق العيد، وابن تيمية، وابن رجب، وابن حجر، وآخرين، ومنهم من صححه كأحمد شاكر، والألباني وغيرهما.
وقد ضعَّف الحديثَ بعض العلماء، كالإمام أحمد والنسائي، لكنهم لم يقصدوا تضعيف معناه، ولا منع العمل به، بل قصدوا تضعيفَ سنده، لأن الإمام أحمد قال: "هذا المشرق وأشار بيده، وهذا المغرب وأشار بيده، وما بينهما قبلة، قلت له: فصلاة من صلى بينهما جائزة؟ قال: نعم، وينبغي أن يتَحرَّى الوسَطَ"، انظره في "مسائل ابنه عبد الله، وإسحاق، وأبي داود وغيرهم.
ومما يرجح صحة الحديث، أنه قد صحَّ موقوفًا عن جمع من الصَّحابة: كعمر، وعلي، وابن عمر، وابن عباس بأسانيدَ صحيحةٍ لا مطعنَ فيها.
قال عمر : "ما بين المشرق والمغرب قبلة" أخرجه مالك وعبد الرزاق وابن أبي شيبة
وغيرهم، والأثر صحَّحه الإمام أحمد والدارقطني والنووي وغيرهم.
قلت: إن علامة "المشرق والمغرب" لهي من العلامات التي جرى عليها عمل المسلمين جيلًا بعد جيل، كما أنها من العلامات التي يسرها الله تعالى على عباده المؤمنين في معرفة دلالة القبلة.
وعليها، فقد قاس العلماءُ على المشرق والمغرب: الشمالَ والجنوبَ، وقالوا: ما بين الشمال والجنوب قبلة لمن كان في شرق الكعبة أو غربها.
لأجل هذا، فإن قبلةَ أهل المدينة: الجنوبُ، وأهل اليمن: الشمالُ، وأهل مصر: بين الجنوب والشرق، وأهل العراق: بين الجنوب والغرب، وهكذا في غيرها من بلاد الإسلام.
العلامة الثانية: طلوع الشمس والقمر.
ففي طلوع الشمس والقمر وغروبهما، وكذا في علامات النجوم: ما يُستدلُ به على جهة القبلة، كما يدركه أكثر الناس، بحسب معرفتهم لجهة القبلة شمالا أو جنوبا، شرقا أو غربا.
العلامة الثالثة: إخبار العارفين من أهل البلد بجهة القبلة، كما قال تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".
قلت: وهذه العلامات الثلاث قد أجمع عليها أهل العلم من مفسرين ومحدثين وفقهاء.
أما ما سوى هذه العلامات مما استحدثها الناس من آلات مخترعة قديمة: كالربع المجيب والمقنطر والاسطرلاب، أو مما هو حديث: كالبوصلة، وبرامج جهاز الجوال وغيرها، مما يستدل بها على جهة القبلة، فهذا وغيره ليس في الشريعة ما يمنعُ الاستفادةَ منها.
وعليه، فيجوز الاستفادةُ منها في دلالة جهة القبلة، ولا يجب.
قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "عند جماهير أهل العلم أنَّ المصلِّي ليس عليه أن يستدل بالقطب ولا بالجَدي ولا بغير ذلك، بل إذا جعل من في الشام ونحوها: المغربَ عن يمينه، والمشرق عن شماله، صحَّت صلاتُه، وكذلك لا يمكن ضبط وقت طلوع الهلال بالحساب، هذا إذا قُدِّر، أو إذا قُدِر على تقويم الحساب وتعديله".
وللجنة الدائمة فُتيا في الآلات الحديثة في باب القبلة، فكان جوابُها الآتي: "كان أهل العلم والخبرة بالجهات من المسلمين يعرفون جهة الكعبة ليلاً بالقطب الشمالي وغيره من النجوم، وبالقمر طلوعاً وغروباً، ونهاراً بالشمس طلوعاً وغروباً، وبغير ذلك من أنواع الدلالات الكونية قبل أن يوجد ضبط الجهات بآلة ضبط يابانية أو أوروبية فلا تتعين أيُّ آلة منهما لضبط القبلة، ولا تتوقف معرفتها عليها، لكن إذا ثبت لدى أهل الخبرة الثقات من المسلمين أن جهازا أو آلة تضبط القبلة وتبينها عينًا أو جهةً لم يمنع الشرع من الاستعانة بها في ذلك وفي غيره، بل قد يجب العمل بها في معرفة القبلة إذا لم يجد من يريد الصلاة دليلاً سواها ـ إلى أن قالوا ـ: أما معنى قوله تعالى: "فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ" (البقرة: ١٤٤)، فهذا وجوب استقبال عينها لمن يشاهدها حال صلاته، وكذا من أخبره ثقة في مكة ونحوها بجهة عينها بيقين، بناءً على تحديدها بمشاهدة، ووجوب استقبال جهتها لمن كان بعيدًا عن مكة المكرمة، كاليمن والشمال والشام ومصر مثلا، لما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه قال لمن في المدينة ومن والاها شمالاً: "ما بين المشرق والمغرب قبلة"، وبالله التوفيق" انتهى.
قلت: ومن خلال ما مضى ذكره فيما يتعلق بدلالات القبلة سواء باستعمال العلامات الشرعية، أو بغيرها من الآلات المخترعة، فإنه يتحقق لنا ما يلي:
١ ـ أن كثيرا من الآلات المخترعة، والأجهزة المعنيَّة في تحديد القبلة لا تخلو من خلل، كما أن بعضها غير متقن الصُّنع، بحيث نجد بعضها يتأثر بوجود شُحنات قريبة منه، كالمغناطيس، والحديد ونحوها، الأمر الذي أورث قلقًا واضطرابًا عند كثير من المسلمين، بل وجدنا بالتجربة أن بعضها يخالف بعضا في تحديد القبلة في المكان الواحد، وفي المجلس الواحد.
٢ ـ أنه لا يجب على أحدٍ من المسلمين استخدام الآلات الحديثة في باب القبلة، ما دامت العلامات الشرعية الثلاثة مقدورًا عليها، لأنها من العلامات التي توارثتها الأمة جيلا بعد جيل.
أما من كان في مكان لا يستطيع فيه تحديد جهة القبلة إلا بشيء من هذه الأجهزة، فإنه يجب عليه الاستفادة منها، لأنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
٣ ـ أنه يجب على كل مكلف استقبال عين الكعبة إذا كان مشاهدًا لها، أو متحققٍّا من جهة عينها.
٤ ـ أنه يجب على كلِّ بعيدٍ ممن لا يستطيع مشاهدة الكعبة، أن يستقبل جهتها.
٥ ـ أنَّ جهات استقبال الكعبة تتَّسعُ وتضيقُ بحسب قُرْبِ المصلِّي أو بُعدِه، لذا فمن كان بعيدا عن عين الكعبة، فجهته المسجد الحرام، ومن بَعُد عن المسجد فجهته مكة، وهكذا كلما زاد البعدُ زاد اتِّساعُ الجهة.
٦ ـ أنَّ من كان في جهة الشرق، فجهته الغرب، والعكس بالعكس، ومن كان في جهة الجنوب فجهته الشمال.
٧ ـ أنَّ من كان بعيدا عن القبلة، فلا يجب عليه أن يتكلَّف تحديدَ عينها، سواء باستعمال الأجهزة الحديثة أو غيرها، لأن الله لم يكلفنا بهذا، ولم يأمرنا به.
٨ ـ أنَّ الانحرافَ عن جهة القبلة قليلا كان أو كثيرا: فإنه لا يضُرُّ شرعًا، ما كان المصلِّي مستقبلًا لجهة القبلة.
٩ ـ أنَّ المساجدَ الإسلامية القديمة التي توارثتها الأجيال: كمسجد الجامع الأزهر، والأموي، وابن عباس، وغيرها من المساجد، فإنه لا يجوز لأحدٍ أن يتحقَّقَ من صحة محاريبها، فضلا أن يخالفها، بحجة اعتماده على الأجهزة الحديثة أو غيرها، لكونها أصبحت من دلالات الإجماع العملي عند المسلمين.
١٠ـ أنَّ المساجدَ التي بُنِيتْ محاريبُها نحو جهة القبلة، ووُجدَ فيها انحرافٌ لا يُخرجُها عن جهة القبلة: فإنه لا يجوز للمسلم أن يُنكرَ على أهل المسجد قبلتَهم، سواء كان إنكارُه مبنيًّا على الآلات الحديثة كالجوال ونحوه، أو كان مبنيًّا على دعوى معرفته.
١١ ـ كما أنه لا يجوز لمن ادَّعى شيئا من ذلك: أنْ يُغيِّرَ شيئا في المسجد، سواء بتحريفِ فرشِه، أو مِحرابِه، فضلا أن يَهدِمَ شيئا من المسجد بحجَّةِ تحديد القبلة.
١٢ ـ أنَّ كلَّ مسجدٍ تحقَّق انحرافُ مِحرابِه عن جهةِ الكعبة، كما لو كانت الكعبةُ شرقًا، ومِحرابُ المسجد غربًا، فهنا يجب تغيرُه نحو القبلة، سواء بتحريفه إذا أمكن، أو بهدمِه.
١٣ ـ أنه يَحرُمُ على كلِّ مسلمٍ أنْ يُشيعَ الشُّبَهَ والشُّكوكَ
حول مساجد المسلمين التي بُنيتْ محاريبُها نحو جهة القبلة، بحجِّةِ اعتماده على جهازه أو جواله أو نحوه، لأن هذا الفعل منه يعتبر مخالفا للكتاب والسنة وإجماع الأمة.
وأخيرا، فهذه وقفات سريعة تتعلَّقُ ببعض أحكام استقبال القبلة، وأحكام استعمال الآلات الحديثة في باب القبلة، والله تعالى أعلم.


وكتبه
الشيخ الدكتور
ذياب بن سعد الغامدي.
( ١٤/ ١٠/ ١٤٣٦)