المتأمل في عرض القران الكريم لسيرة نبي الله إبراهيم يجد أنها تنقسم إلى مرحلتين .
المرحلة الأولى :- وهذه المرحلة يتناول القران فيها نبي الله إبراهيم كباقي الأنبياء, يدعو قومه إلى عبادة الله وحده, وترك عبادة الأصنام ,دعوة واضحة , وهذا هو طريق الأنبياء عموما " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) الأنبياء ويتناول القران ثباته وصبره وعدم استجابته لتهديدات الكفار – وهذه هي ميزة الأنبياء – مع أخذه بالعزائم , إذ لم يكتفي بالقول فقط بل توعد هذه الآلهة المزعومة " وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين " وشرع فعلا في تكسيرها دون أن تأخذه في الله لومة لائم , " فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون" .
معالم هذه المرحلة من حياة سيدنا إبراهيم في القران
عند عرض هذه المرحلة من حياة سيدنا إبراهيم ابرز القرآن إضافة في طبيعة رسالة سيدنا إبراهيم عدة أمور تميز بها عمن سبقوه من الأنبياء الكرام تطلبتها طبيعة ما وصلت إليه البشرية وقتها من نضج عقلي .
الأمر الأول :- وهو لجوئه إلى الحجة والمنطق والإقناع بكافة الوسائل ,تطلبتها ما وصلت إليه البشرية من النضج العقلي استدعت خطاب العقل وتفنيد الحجج , فآتاه الله الحجة على قومه فبينما اقتصرت دعوة الأنبياء السابقين إلى عبادة الله وحده والتحذير من طريق الشرك و التخويف من عقاب الله في الدنيا والآخرة كما حدث مع نوح "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) الأعراف.
ومع هود " وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) الشعراء.
ومع شعيب " وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) الشعراء .
ومع صالح "قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) الشعراء. أما سيدنا إبراهيم فقد لجا إلى الحجة والجدال الحسن , والدعوة الى تحكيم العقل والمنطق , فقد نقل القران الكريم حواره مع أبيه , في سورة مريم "وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) مريم .
ونقل حواره مع قومه في سورة الأنبياء "إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) الأنبياء .
ونقل حواره مع النمرود في سورة البقرة " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) البقرة .
الأمر الثاني :- الوحي المكتوب ,انتقلت الدعوة في حياة سيدنا إبراهيم إلى مرحلة الوحي المكتوب ومن ثم نستطيع أن نقول أن الدعوة انتقلت مع سيدنا إبراهيم إلى طور آخر هو حديث الحجة والعقل كما انتقلت إلى مرحلة الوحي المكتوب فصحف إبراهيم هي الصحف الأولى وهذه أول مرة في تاريخ الوحي أن يكون مكتوبا في صحف " أن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى" الأعلى .
الأمر الثالث :- وصل الحال مع سيدنا إبراهيم مع قومه إلى نهايته المعروفة عند جميع الأنبياء وهو التصميم على الإعراض والتكذيب والتخلص من إبراهيم بالقتل أو النفي وفي هذا يتفق مع باقي الأنبياء فجميع الأنبياء وصل الحال مع قومهم إلى هذه النهاية " وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13)إبراهيم, وقوله تعالى " كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) غافر .
وكما انتقل سيدنا ابراهيم من القول الى الفعل في تهديده لآلهتهم فقد نفذ قومه فعلا تهديدهم " قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) الصافات . قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) الأنبياء .
وجرت عليه أيضا سنة الله في المرسلين " وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) الصافات.
فنجاه الله من النار " قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) الأنبياء. وفي سورة الصافات فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)"
الأمر الرابع :- من المفارقات بين سيدنا إبراهيم وغيره ممن سبقوه من الأنبياء أن القران مع من سبق من الأنبياء حدثنا عن مصير المكذبين ولم يحدثنا عن سيرة الأنبياء بعد هذا المصير فحدثنا عن إهلاك قوم نوح بالطوفان ولم يحدثنا عن نوح بعد الطوفان وحدثنا عن هلاك عاد بريح صرصر عاتية كأنهم أعجاز نخل خاوية ولم يحدثنا عن هود بعد هذا المصير كما لم يحدثنا عن صالح بعد أن أخذت ثمود الصيحة ,نعم بين القران أن الله نجي رسله والذين امنوا لكن لم يذكر لهم سيرة بعد هذا المصير أما سيدنا إبراهيم فلم يحدثنا عن مصير قوم إبراهيم وماذا فعل الله بهم لكنه حدثنا عن إبراهيم بعد نجاته من النار " وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) الأنبياء , إذ ذهب إلى الأرض المقدسة ليبدأ مرحلة جديدة من الدعوة وهي بناء الأمة المؤمنة وهي المرحلة الثانية في حياة سيدنا إبراهيم .