عذاب إجبار التكرار
==============
الله هو الذي قنن علاقات الامور والأشياء، وقدر الأقدار فلا توجد علاقة أو قدر أو سنة خارج سلطان القدرة الالهية.

وهو الذي قال:
لَا يَحِيقُ الْمَكْرُالسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
فلا يوجد مكر لايحيق بصاحبه (حاق= يعود عليه نتيجة عمله).
والله وصف نفسه بخير الماكرين، فنرى الشرير يمارس عقوبة شره بنفسه على نفسه.
----------------------------
((سيزيف)) رمز المكر البشري في اساطير الروم عوقب بحمل حجر ضخم إلى قمة الجبل الضيقة التي لا تتسع له، و ما أن يصل للذروة حتى يعاود السقوط للقاع ولكن ما هذا !!! سيزيف ما زال يظن أن بإمكانه الوصول بالحجر للقمة من عند سفح تلك الجهة فيتكرر الصعود والهبوط ليشكل التكرار العذاب الاكبر.
وأولئك الذين رآهم الرسول عندما أتاه آتيان وانطلقا به؛ فرأي عذاب الماكرين والكذبة واهل المعاصي يتكرر كلما وصل العذاب إلى قمته عادوا كما كانوا قبل العقوبة ليعاد عليهم العذاب، فهؤلاء كان عذابهم الاكبر هو تكرار العذاب الاصغر، لأن قضايا الباطل ذات طابع منحنى دائري، فالجزاء ذو طابع لوبي تكراريّ :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) النساء:56
وذلك بخلاف قضايا الحق التي تكون ذات طابع مستقيم (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم) الفاتحة .
-----------------------------
كان فرويد قد تحدث عن مبدأ إجبار التكرار وكيف أنه وراء مبدأ اللذة، لقد ظن بسبب هؤلاء الماكرين عشاق المناهج الملتوية، أن لإجبار التكرار قوة اكبر من اللذة بل هو محرك ودافع للّذة، ولأن فرويد لا يعترف بوجود إله فهو لايعرف قوانينه .
واجبار التكرار له مدلولان لفظيان في القرآن الكريم :

1- الاول :العود أو الركس:
فبسبب إنعدام الصلابة وإفتقاد الاستقامة ترتد خطى المرتكسين عن الصراط المستقيم وينحني تفكيرهم عن الحكم القويم؛ يقول الله :

- لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) الانعام :28
- وإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) الاسراء:8

- كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا) النساء 91 قال ابن فارس في معنى (ركس) الراء والكاف والسين أصلٌ واحد، وهو قلْبُ الشّيء على رأسِه وردُّ أوّلِه على آخِره. قال الله جلّ ثناؤه: وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا [النساء 88]، أي ردّهم إلى كفرهم (مقاييس اللغة)
2- الثاني: الحيق :
بسبب انعدام المرونة و قلة الصبر يظن الماكر المرتاب أن صراط الحق المستقيم بعيدة النتائج فلا يصبرعليها؛ فيعاقبه الله بأن يسير في خط مغلق بلا نهاية، ذكر بن كثير في تفسيره : قال محمد بن كعب القرظي " ثلاث من فعلهن لم ينج حتى يُنزل به: من مكر أو بغي أو نكث، وتصديقها في كتاب الله تعالى (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُالسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) (إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ).
قال الله :
==========

- وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)فاطر:43
- فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)الانعام:10
- فأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) النحل:34
-وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) الجاثية:33
ومعنى الحَيْقُ : هو ما حاقَ بالإِنسان من مَكْر أَو سُوء عمل يعمله فينزل ذلك به، تقول أَحاق الله بهم مكرهم وحاقَ به الشيء يَحِيق حَيْقاً نزَل به وأَحاطَ به وقيل الحَيْقُ في اللغة هو أَن يشتمل على الإِنسان عاقبةُ مكروه فعله )لسان العرب
===============
فأما الإجبار فلأنه لامناص ولا مفر للماكر من الرضوخ لقوانين الله وهو لايستطيع ولن يستطيع أن يوجد قانونا مغايرا ولا يستطيع ولن يستطيع ان يستغل قانونا موجودا لخدمة مكره ورغباته الخارجة عن مجال الارادة الالهية ...
واما التكرار فلأن الظلم والجهل في الانسان يجعلانه اغبي من ان يصلح خط سيره وان يعترف ان الطريق المستقيم ليس فقط اقصر الطرق ولكنه الوحيد الموصل للهدف؛ خط السير فيه له مقدمات تفضي الي نتائج متقدمة، كما أن نقطتي البداية والنهاية في اتجاهين مختلفين إذا إلتقيا فأنت حتما تسير في خط منحني، وإحذر لأن إجبار التكرار طريق يُعبِر عن التمسك بالظلم والجهل، والتخلي عن الحكمة والتأمل.