الحمد لله الذي جعل في أمّتي مثلك!

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وبعد؛
فإنَّ من أحقِّ حقوق القرآن إكرامَ حَملةِ القرآن والتنويه بفضائلهم، ومُدارسة مناقبهم. وفي مُقدّمة هؤلاء الأفاضل الصحابة المبرّزون في علم القرآن وقراءته.
والواقفُ على ما كُتِبَ فيهم يرى أرضًا بِكْرًا لم تُستثمر؛ على كثرةِ ما طُرِقتْ، ولم تستغلَّ على كثرة ما حُرِثتْ، ولعلَّ الوفاء بحقّهم يقتضي إعادة مُدارسةِ سِيَرهم، واستنطاقِ ما بين السُّطور، واستنباط ما تحت الكلماتِ من معانٍ ساميةٍ؛ يجمل بأهل القرآن أن يتخلّقوا بها، وأن يستضيئوا بضوء مناراتها.
والصحابيُّ الذي نحلُّ ضيوفًا على دوحتِه الفيحاء، وروضته الغنّاء؛ هو العَلَمُ القرآنيُّ الأشمُّ سالمٌ مولى أبي حذيفة – .
قيل هو سالم بن معقل، وقيل: سالم بن عبيد بن ربيعة، يكنى أبا عبد الله. وهو مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيّ العبشمي[1]، كان من أهل فارس من إصطخر، وهو من فضلاء الصحابة والموالي وكبارهم. أعتقته مولاته ثبيتة – وقيل عمرة، وقيل سَلمى، وقيل غير ذلك - بنت يعار بن زيد بن عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف الأنصارية، وكانت من المهاجرات الأول، ومن فُضليات الصحابيات، وهي امرأة أبي حذيفة، فلما أعتقتْ سالـِمًا وَالَى أبا حذيفة؛ فقيل سالم مولى أبي حذيفة، فعُدَّ في المهاجرين لذلك، وهو معدود في بني عُبيد من الأنصار؛ بالنَّظر لنسب مولاته زوج أبي حذيفه له، وهو معدود في قريش لما ذكرناه من نسب أبي حذيفة، وقد زوّجه أبو حذيفة من بنت أخيه: فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية، وكانت من المهاجرات الأُول، ومن أفضل أيامى قريش. ومعدودٌ في العجم أيضًا؛ لأنه من أهل فارس من إصطخر كما ذكرنا[2].
وهو أحد الأربعة الذين أمر النبي بأخذ القرآن عنهم؛ كما ورد عن عبد الله بن عمرو أنَّه قال: سمعتُ رسول الله يقول: «استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود فبدأ به، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل»[3].
وقد تواترت الآثار بما يُفيد تقدُّمَه في علم القرآن الكريم، وحسنَ قراءته، وصِدقَ إيمانه.
ويكفيه منقبةً ما وَرَد عن أمِّ المؤمنين عَائِشَةَ ؛ قالت: أَبْطَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ فقَالَ: «مَا حَبَسَكِ يَا عَائِشَةُ؟» قالت: يَا رَسُولَ الله؛ إِنَّ في المسجد رَجُلًا مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ. قَالَ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ فَإِذَا هُوَ سالـمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلّم: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَكَ»[4].
ولعلَّ في هذا الحديث علمًا من أعلام النبوة؛ إذ إنَّ هذا المدحَ مما يُستفادُ منه حسنُ حال سالم في الحال وفي المآل، وفي الظاهر وفي الباطن؛ حتَّى يكون لحمد النبي ربّه عزّ وجلّ أن جعل في الأمة مثله معنًى صحيحٌ، فكان قول النبي كالبشارة أنَّ سالـمًا محمود السيرة حسن الخاتمة بإذن الله، وقد كان؛ إذ مات شهيدًا باليمامة؛ كما سيأتي.
ومما يدلُّ على تقدُّمه في حفظ القرآن وقراءته أنَّه كان يؤمُّ المهاجرين الأوّلين في الصلاة؛ فعن عبد الله بن عمر ؛ قال: «لما قدم المهاجرون الأولون العُصْبَة - موضع بقباء - قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلّم كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآنًا»[5].
وفي رواية؛ قال: «كان سالم مولى أبي حذيفة يؤمّ المهاجرين الأولين، وأصحاب النبي في مسجد قباء؛ فيهم أبو بكر، وعمر، وأبو سلمة، وزيد، وعامر بن ربيعة»[6].
ومن مناقبه أنَّ النبيّ شهد له بالإيمان، فعن عمرو بن العاص قال: كان فَزَعٌ بالمدينةِ، فأتيتُ على سالمٍ مولى أبي حُذيفة وهو مُحْتَبٍ بحمائلِ سيفه، فأخذتُ سيفًا فاحتبيتُ بحمائله، فقال رسول الله : «يا أيها الناس؛ ألا كان مَفْزَعُكم إلى الله وإلى رسوله؟!» ثم قال: «ألا فعلتُم كما فعل هذان الرجلان المؤمنان؟»[7]
وفي الحديث ما يدلُّ على كمال شجاعة سالم ، وأنَّ له فيها شأوًا لم يكن لكثيرٍ غيره.
وقد كان عمر بن الخطّاب يُجلُّ سالـمًا ويُقدّمه، وما أُثر عن عمر يُبيِّن جانبًا من عبقريته وفِراسته في الرِّجال، وعلمه بأقدارهم، ولا يعرف قدر الرجال إلا الرجال، فما بالك بالفاروق الفذّ ؟! كما أنَّه يرسم صورةً من أعظم صور إكرام عمر لحملة القرآن، فجزاه الله عن أهل القرآن خير الجزاء.
عن عمر بن الخطاب قال: «لو استخلفتُ أبا عبيدة بن الجراح؛ فسألني عنه ربي: ما حملكَ على ذلك؟ لقلتُ: ربِّ؛ سمعت نبيك وهو يقول: «إنه أمين هذه الأمة»، ولو استخلفت سالـمًا مولى أبي حذيفة فسألني عنه ربي: ما حملك على ذلك؟ لقلتُ: ربِّ؛ سمعتُ نبيك وهو يقول: «إنه يحب الله حقًّا من قلبه»، ولو استخلفت معاذ بن جبل فسألني عنه ربي: ما حملك على ذلك؟ لقلت: ربِّ؛ سمعتُ نبيّك وهو يقول: «إن العلماء إذا حضروا ربهم كان بين أيديهم رتوة بحجر»[8].
وعن عمر أنَّه قال:«لو أدركني أحد رجلين ثم جعلتُ هذا الأمرَ إليه لوَثقتُ به: سالمٌ مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح»[9].
وعن عمر أنه قال يومًا لمن حوله: «تمنَّوْا»، فقال بعضهم: أتمنَّى لو أنَّ هذه الدار مملوءة ذهبًا فأنفقه في سبيل الله. ثم قال: «تمنَّوا»، فقال رجل: أتمنَّى لو أنها مملوءة لؤلؤًا أو زبرجدًا أو جوهرًا؛ فأنفقه في سبيل الله، وأتصدق. ثم قال عمر: «تمنَّوا»، فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين. قال عمر: «أتمنَّى لو أنها مملوءة رجالًا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، وحذيفة بن اليمان»[10].
ولعلَّ من أروع المعاني الخفيّة في قصة جمع القرآن أنَّ الباعثَ الذي حمل عمر وجعله يفزع إلى جمع القرآن كان استشهاد سالم مولى أبي حذيفة في اليمامة، فكان من جرّاء ذلك أعظم عملٍ قام به الخليفتان ومن معهما من الصحابة ، ففي إحدى روايات حديث جمع القرآن عَن زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَمْ يَكُنِ الْقُرْآنُ جُمِعَ، إِنَّمَا كَانَ فِي العُسُبِ، وَالكَرَانِيفِ، وَجَرَائِدِ النَّخْلِ، وَالسَّعَفِ، فَلَمَّا قُتِلَ سَالِمٌ يَوْمَ الْيَمَامَةِ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: «إِنَّ القَتْلَ قَد اسْتَحَرَّ بِأَهْلِ الْقُرْآنِ، وَقَدْ قُتِلَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأَخَافُ أَنْ لَا يَلْقَى الْمُسْلِمُونَ زَحْفًا آخَرَ إِلَّا اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ فِيهِمْ، فَاجْمَعِ الْقُرْآنَ فِي شَيْءٍ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَذْهَبَ...»؛ الحديث[11].
فإذا كان لزيد بن ثابت ومَن معه ممن جمعوا القرآن مثل أجر كلِّ تالٍ يتلو كتاب الله نظرًا، وكان لأبي بكرٍ مثل أجورهم أجمعين؛ لأنَّه هو من أمر بذلك وأشرف عليه، وقد صحَّ عن الإمام عليٍّ أنَّه قال: «إنَّ أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر الصدّيق ؛ كان أوّل من جمع القرآن بين اللوحين». وفي رواية:«رحم الله أبا بكر؛ وهو أوّل مَن جمع القرآن بين اللوحين»[12]. وكان الفاروق هو الداعي الحثيث إلى جمع القرآن؛ قال أبو بكر الصِّديق : «إنَّ عمر أتاني، فقال: إنَّ القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: قلت لعمر: «كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ؟» فقال عمر: هو والله خير. فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر»[13]. فإن كان كذلك كان لعمر مثل أجورهم جميعًا لأنَّه هو الذي أقنع به أبا بكر ، وقد صحَّ عن أبي هريرة أنَّ النبي قال: «مَن دعا إلى هُدًى؛ كان له من الأجر مثل أجور مَن تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا»[14]، فعاد لعمر بطريق غير مباشرٍ مثل ثواب كُلِّ حرفٍ قُرئَ نظرًا في مصحفٍ.
فإذا صحَّ أنَّ الباعثَ الذي بعث عمر إلى هذا العمل الجليل هو موت القُرّاء وعلى رأسهم سالم ؛ فلا يبعد أن يُقال إنَّ لسالمٍ مولى أبي حذيفة – – مثل أجور كلِّ هؤلاء مجتمعين؛ لأنَّ موته هو الذي أفزع عمرَ إلى ما أراده الله U من جمع القرآن الكريم. والله أعلم.
ومما يُستأنس به لعِظم الأثر الذي تركه موت سالم على وجه الخصوص؛ ما رُوي عن زيد بن ثابت قال: لـمَّا قُتِل سالم مولى أبي حذيفة قالوا: ذَهَبَ رُبُعُ القرآن[15]. قال الذهبيّ: على تقدير حذف مضاف[16]. قلتُ: يعني على تقدير حذف المضاف؛ كأنَّه قال: (ذهب رُبُع حُفَّاظِ القرآن)، وهذا يتفق مع كونه واحدًا من أربعة أوصى النبي بأخذ القرآن عنهم، فلما مات واحدٌ منهم ذهب الرُّبُع، ولا يعني ذلك أنَّهم هم وحدهم الحَفَظة، فإنَّه قد ثبت أنَّ كثيرًا غيرهم من الصحابة كانوا يحفظون القرآن كلّه أو جزءًا كبيرًا منه، ولكنَّ هؤلاء الأربعة المذكورين هم أكثر مَن استوفى شرائطَ إقرائه كلّه كاملةً، فإذا مات أحدهم فكأنَّ الرُّبع قد ذهب. هذا هو وُجه الكلام. والله أعلم.
وقد ورث آلُ عمرَ عن الفاروق هذا الحُبَّ والإجلال لسالمٍ مولى أبي حذيفة – - حتَّى سمَّى به ابن عمر ابنه سالـمًا؛ فعن ابنِ الـمُسَيِّبِ، قَالَ: قَالَ لي ابنُ عُمَرَ: «أَتَدْرِي لِمَ سَمَّيْتُ ابْنِي سَالِمًا؟» قُلْتُ: لاَ. قَالَ: «بِاسمِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ»[17].
استشهاد سالـمٍ :
كان زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ يَحْمِلُ رَايَةَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ وَقَدِ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى ظَهَرَتْ حَنِيفَةُ عَلَى الرِّجَالِ، فَجَعَلَ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: «أَمَّا الرِّجَالُ فَلَا رِجَالَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ فَلَا رِجَالَ»، ثُمَّ جَعَلَ يَصِيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ فِرَارِ أَصْحَابِي، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُسَيْلِمَةُ وَمُحْكَمُ بْنُ الطُّفَيْلِ»، وَجَعَلَ يَشُدُّ بِالرَّايَةِ يَتَقَدَّمُ بِهَا فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ ضَارَبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى قُتِلَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَوَقَعَتِ الرَّايَةُ، فَأَخَذَهَا سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: يَا سَالِمُ؛ إِنَّا نَخَافُ أَنْ نُؤْتَى مِن قِبَلِكَ. فَقَالَ: «بِئْسَ حَامِلُ القرآن أَنَا إِنْ أُتِيتُم مِن قِبَلِي»[18]. ثمَّ تقدَّمَ؛ قيل: فقُطِعَت يمينُه، فأخذ اللواء بيساره، فقطعت يساره، فاعتنق اللواء وهو يقول: (وما محمد إلا رسول)[آل عمران: 144]، (وكأين من نبيٍّ قاتل معه ربيون كثير)[آل عمران: 146]، فلما صُرِع قال لأصحابه: ما فعل أبو حذيفة؟ قيل: قُتِل. قال: فما فعل فلان؟ لرجُلٍ سمَّاه؛ قيل: قتل. قال فأضجعوني بينهما[19]. قال أبو عمر: «شهد سالم مولى أبي حذيفة بدرًا، وقُتلَ يوم اليمامة شهيدًا هو ومولاه أبو حذيفة، فوُجِدَ رأسُ أحدهما عند رجلي الآخر، وذلك سنة اثنتي عشر من الهجرة»[20].
وقد تركها سالـمٌ شعارًا لحملة القرآن الكريم في كلّ زمان ومكان: «بئس حاملُ القرآن أنا؛ إن أُتيتم من قِبَلي»، وهو قيدٌ مانِعٌ يمنع كلَّ مَنْ ثُلِمَ الإسلامُ من قِبَله أن يكون من أهل القرآن وحَملته، وإن ادَّعى غير ذلك.
ولم تصرّح المصادر التي وقفتُ عليها بذكر عُمُر سالم عام وفاتِه، ولكن بالنّظر إلى أنَّه قد شهد بدرًا، وأنَّه كان قد بلغ مبلغ الرّجال حينَ قصة الرضاع، إذ جاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو زوج أبي حذيفة؛ النبيَّ فقالت: يا رسول الله؛ إنَّ سالـمًا قد بلغ ما يبلغ الرجال، وعلم ما يعلم الرجال...الحديث[21]، فقد يُستروَحُ إلى كونه لم يُجاوزْ حينئذ الخامسة عشرة، إذ سياق العبارة يُشعِرُ أنَّه قد بلغ مبلغ الرجال قريبًا، وأقصى ما يُقال في عُمُره حينها أن يكون في الخامسة عشرة، وهو ينسجم مع كونه قد شهد بدرًا قبلها بنحوٍ من سنتين، ولكن يُعكّر عليه أنَّ في بعض طرق الحديث المذكور: "وهو رجلٌ كبير"، وفي بعضها: "إنَّه ذو لحية".
ومهما يكن من أمرٍ؛ فإنَّ تلك الواقعة كانت بعد إبطال التبنّي؛ أي بعد نزول سورة الأحزاب، قال ابن عاشور: «وكان نزولها على قول ابن إسحاق أواخر سنة خمس من الهجرة، وهو الذي جرى عليه ابن رشد في «البيان والتحصيل». وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك: أنها كانت سنة أربع، وهي سنة غزوة الأحزاب»[22].
فإذا كان هذا التقدير صحيحًا أو قريبًا من ذلك فإنَّ سنَّه حين وفاته في اليمامة سنةَ اثنتي عشرة؛ تكون نحوًا من ثلاثٍ وعشرين سنةً، وتكون سنّه نحوًا من إحدى عشرة سنةً حين كان يؤمُّ كبار الصحابة المهاجرين بقباء. وذلك كافٍ في بيانِ البركة التي كانت تكتنفُ حياة الصحابة إذ قاموا بالقرآن روايةً ودرايةً ورعايةً.
وصدق العزيزُ: (لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذِكرُكم) [الإنبياء: 10].
رحِمَ الله سالـمًا، ورضي عنه، وجزاه عن القرآن وأهله كلَّ خيرٍ، ورفع درجته في المهديين، وجمعنا به في الفردوس الأعلى. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.


[1] قيل في اسم أبي حذيفة مهشم، وقيل هشيم، وقيل هاشم، وقيل قيس، كان من السابقين إلى الإسلام، وهاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين، شهد بدرًا، واستشهد يوم اليمامة وهو ابن ستٍّ وخمسين [ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة 7/ 87].

[2] ينظر: صحيح البخاري (5088)، كتاب النكاح؛ باب الأكفاء في الدين، والاستيعاب (1/ 580، 1/ 615)، وأُسُد الغابة (2/ 307، 6/ 70)، والإصابة في تمييز الصحابة (2/ 115، 3/ 8، 3/ 11)، وسير أعلام النبلاء (1/ 164، 1/ 167).

[3] أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه أولها (ح 3758) كتاب فضائل أصحاب النبي r؛ باب مناقب سالم مولى أبي حذيفة ، ومسلم (ح 2464) كتاب فضائل الصحابة y؛ باب فضائل عبد الله بن مسعود t.

[4] أخرجه أحمد في المسند (ح25320)، وابن ماجه في السنن (ح 1338)، وغيرهما، وقواه الألباني بشاهدٍ، وحسَّنه الأرنؤوط لغيره.

[5] أخرجه البخاري (692) باب إمامة العبد والمولى،

[6] أخرجه البخاري (ح7175) باب استقضاء الموالي واستعمالهم.

[7] أخرجه أحمد في المسند (ح 17810)، والنسائي في الكبرى (8243)، وابن حبان في صحيحه (7092)، وغيرهم، وصححه الألباني، وقال محققو المسند: إسناده صحيح على شرط مسلم. وخالف الحاكم في المستدرك (ح6244) فرواه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ فِي غَزْوَةٍ لَهُ، فَفَزِعَ النَّاسُ فَخَرَجْتُ وعليَّ سِلَاحِي، فَنَظَرْتُ إِلَى سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ عليه سِلَاحُهُ يمشي وعليه السَّكِينَةُ، فَقُلْتُ: لَأَقْتَدِيَنَّ بِهَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ؛ حَتَّى أَتَى، فَجَلَسَ عِنْدَ بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَجَلَسْتُ مَعَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ مُغْضَبًا، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ؛ مَا هَذِهِ الْخِفَّةُ؟ مَا هَذَا التَّرَفُ؟ أَعَجَزْتُمْ أَنْ تَصْنَعُوا كَمَا صَنَعَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ الْمُؤْمِنَانِ؟» قال الحاكم: هذا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإسناد، ولم يُخَرِّجَاهُ.

[8] أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (1287)، واللفظ له، وابن شبة في تاريخ المدينة (3/ 886) من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة عن شهر بن حوشب عن عمر t، فهو منقطع؛ لأنَّ شهرًا لم يُدرِك عمر. وعند ابن شبة: ولو أدركت سالـمًا مولى أبي حذيفة لاستخلفتُه؛ فإن سألني ربي قلت: يا ربِّ؛ إني سمعت نبيك r يقول: «إنه يحب الله ورسوله حبًّا من قلبه».

[9] أخرجه أحمد في المسند (129)، وضعَّفه الأرنؤوط. وبالجملة فأثرُ تمنِّي عمر t لو أنَّ جمعًا بِعَيْنِهم من الصحابة y كانوا أحياء حين وافاه أجلُه لعَهِدَ إلى واحدٍ منهم= له أصلٌ صحيح، ولكن في ثبوت تعيين بعض هؤلاء الصحابة y كسالم مولي أبي حذيفة – – نظرٌ، وخصوصًا مع كونه من الموالي. والله أعلم بالصواب.

[10] أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (1280)، والحاكم في المستدرك (5005)، وإسناده حسن.

[11] أخرجه بهذا اللفظ الإمام أحمد في فضائل الصحابة (591)، وأصل الحديث في في صحيح البخاري.

[12] أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (280، 513، 514)، وإسناده حسن.

[13] أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه؛ منها (4679) كتاب فضائل القرآن، باب جمع القرآن.

[14] أخرجه مسلم في صحيحه (ح 2674) كتاب العلم؛ باب من سنَّ سنة حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هُدًى أو ضلالة.

[15] أخرجه الحاكم في المستدرك (5004)، وقال صحيح على شرط الشيخين، ولم يُخرِّجاه. وقال محقّقه: الحديث يتوقّف الحُكم عليه على معرفة حال حال شيخ الحاكم، فإن كان ثقة فالحديث حسنٌ لذاته، وإلا فبحسبه. والله أعلم.

[16] مختصر تلخيص الذهبي (4/ 1842).

[17] سير أعلام النبلاء (4/ 459).

[18] أخرجه الحاكم في المستدرك (5006)، وانظر: فضائل القرآن لأبي عبيد (1/ 291 برقم 123).

[19] الجهاد لابن المبارك (ص98 برقم 118)، فضل الجهاد للمقدسي (ص182 برقم 33).

[20] الاستيعاب (1/ 170).

[21] أخرجه مسلم (ح 1453)؛ كتاب الرضاع؛ باب رضاعة الكبير.

[22] التحرير والتنوير (21/ 245).