مقال لي حديث -صدر الشهر الماضي- في مجلة البيان المشهورة
تناولات مادية لنصوص القرآن (نصر أبو زيد نموذجاً)
طارق منينة
2015/07/15
حاول نصر حامد أبو زيد موضعة الإسلام داخل دائرة التأويل المادية الكبرى؛ للقيام بنقد أصوله، فحوّل الربانية إلى إنسانية وجودية، كما حول حسن حنفي الإلهيات إلى إنسانيات، وهي محاولة تحمل في لغتها العلمانية محدودية ظواهرها، ولو ارتفعت تلك اللغة إلى مستوى أعلى لسقط كل بنائها من أعلاه إلى أسفله؛ ذلك أن وضع العنصر الفوقي السماوي الرباني في لغة التحليل والنظر إلى واقع ما أنتجه بالفعل سيؤدي إلى إثبات حقيقة أن لغة الوحي القرآني مليئة بعلوم هي فوق المؤلف البشري والمجتمع البشري والتجربة البشرية، لغة أتت بجديد على اللغة البشرية قاطبة ومنحت العالم طريقًا وجوديًّا علميًّا وقيميًّا لم يكن من قبل، ومن هنا تكون معطيات الوجودية المعاشة قاصرة.
فتبعًا لفلاسفة التفسير الوجودي للنصوص تم تحويل الوحي المنزل إلى تاريخية صرفة، لا تجاوز الواقع البشري مع أن الوحي حقق وعوده وأتم تشكيل نموذجه الحضاري ماديًّا وروحيًّا.
لقد استعان نصر أبو زيد بمحاور في الفكر الهرمنيوطيقي في فلسفة الوجودية وغيرها حول الذاتي والموضوعي أو الفردي والاجتماعي أو كلام المؤلف والمبدع وإضافته وتطويره في الفكر الجماعي والاجتماعي.
استجمع نصر أبو زيد عُدته المنهجية والمفهومية من داخل بعض هوامش تلك الدوائر بعد أن وضع فرشاة من الماركسية، فكانت «القواعد والمعايير» التي انتقاها انتقاءً لتساير عمليته الهجومية على القرآن.
نشطت تلك العملية من خلال «نطاقات» أو «دوائر»، أو «هوامش» تدور - من الماركسية حتى الهومنيوطيقية - داخل دائرة المركزية الذهنية للتفكير الغربي الحديث، نظر إليها مشدوهًا كما فعل اليونانيون وهم ينظرون مقدسين النجوم والكواكب، غير ناظرين، بل جاهلين أن هناك سُدمًا وراء ذلك، وسموات أبعد ونظامًا أعلى ولطفًا أوسع، اكتفى المسكين بدوائر «الهرمنيوطيقا والسيميولوجيا وتحليل السرد والألسنية والأسلوبية» (كتابه: النص، السلطة، الحقيقة، ص12) وراح يدور حولها: «إن عملية فهم النصوص عملية هرمنيوطيقية تدوار في دائرة» (إشكاليات القراءة وآليات التأويل لنصر حامد أبو زيد ص36) فقام بتوظيف عناصرها اليتيمة وغير الملائمة ولا اللائقة بالتفكير في القرآن.
ومن المعلوم أن تلك العناصر المشكلة في اللغة العلمانية المتحجرة لم تعزل بعملياتها التأويلية حقائق التنزيل فقط ولكن عزلت أيضًا الإنتاج الوجودي - الذي لم يلتفتوا إليه - لما فعله التنزيل في عالم الإنسان وما شكله في العالم من قيمة وعلم وحضارة، فتغيب الغيب فيها وحُجب الأثر الوجودي الناتج عن تنزيله!
راح صاحبهم يعكس تلك الهوامش الفكرية أو المعطيات التحليلية على القرآن باعتباره تراثًا ودينًا من صنع الواقع والتجربة المشتركة: «القضية الأساسية التي تتناولها «الهرمنيوطيقا» بالدرس هي معضلة تفسير النص بشكل عام، سواء كان هذا النص نصًا تاريخيًّا، أم نصًا دينيًّا» (كتابه إشكاليات القراءة وآليات التأويل لنصر أبو زيد ص13).
فالقرآن هو النص المركزي في التراث والثقافة كما ردد في (كتابه النص، السلطة، الحقيقة ص19،27،16): «ومن شأن إدراك هذه التاريخية أن تؤدي إلى نزع القداسة عن وجهه» (النص، السلطة، الحقيقة ص48).
وضع القرآن في قلب المعطى الثقافي المادي!
أما معطيات تلك الهوامش التي صنع منها «شبكة العنكبوت» الواهنة.. استمدها من المفاهيم الهرمنيوطيقية التالية:
- التجربة الوجودية: تجربة الوجود المعاش عند المبدع، من خلال تجربتنا وتجربة النص نفسه فالأساس المشترك بينهما هو «المعاش» (تبعًا لـ ديلثي) (انظر ص28 من إشكاليات القراءة لنصر أبو زيد).
فالتجربة الذاتية لا تنفيها تجربة الحياة المشتركة بين البشر (تجارب متراكمة)، يقول: «إن مهمة الناقد هي تحليل النص بتشكيلاته اللغوية وبيان عناصرها... مقارنة النص بنصوص أخرى تنتمي لنفس النوع الأدبي بهدف الكشف عن دور هذا النص في دائرة التقاليد الأدبية، ماذا أخذ منها وماذا أضاف» (إشكاليات القراءة ص19).
ويرجح شليرماخر، الذي نقل مفهوم النظرية من علم اللاهوت إلى نقد اللاهوت، القيام بالعملية من البدء بالمستوى اللغوي» - التحليل النحوي - هو البداية الطبيعية» (ص22).
هذه العملية تستدعي معرفة كاملة باللغة وهو ما ادعاه نصر حامد حينما راح يحلل النصوص القرآنية من خلال لغتها وأرجع الأمر - بزعمه - إلى لغات كامنة في النص، شكلت الاجتماعي والفردي عند المؤلف! (النوع الواحد)، وهي لغات المعرفي التاريخي الأسطوري للمجتمع العربي بالإضافة إلى نفسية المؤلف بحسب الباحث العلماني.
فتجربة المؤلف عند شليرماخر هي في النص أو من خلال النص، وهي الأصل عنده، باعتبار «النص تعبيرًا عن المؤلف» (ص23).
ويأخذنا نصر أبو زيد على حين غرة حينما يتكلم - في سياق أرضنة الوحي - عن نظريتين الأولى هي المحاكاة التي يقوم بها المؤلف في صلته بالعالم الخارجي الذي لا دور له فيه: «العلاقة بين الإبداع والعالم الواقعي الذي نعيش فيه» (إشكاليات ص17)، ومن ثم «محاولة البحث عن الدلالات الخارجية التي يشير إليها العمل» (إشكاليات القراءة ص17) والرومانسية التي تؤكد دور المبدع على حساب الواقع الخارجي» وأخلت السبيل لمشاعر الفنان وانفعالاته الداخلية» (إشكاليات القراءة ص17،18).
وهذا الكلام استغفال حقيقي للقارئ، ذلك أن الوحي القرآني ليس من فعل مؤلف أو مبدع بشري ولا هو من فعل العالم الواقعي الذي يعيش فيه لا من خلال تجربة ولا معاش فردي أو مشترك.
- المستويات المتراكمة في التاريخ المادي للنص: «اكتشاف الدلالة من خلال تحليل مستويات السياق» (النص، السلطة، الحقيقة ص91) و«ليست النصوص الدينية نصوصًا مفارقة لبنية الثقافة التي تشكلت في إطارها بأي حال من الأحوال» و«المكان التاريخي والاجتماعي» (ص92) «الثقافي يستدعي الاجتماعي بما هو مؤسس عليه» (ص97) فمستويات المعنى في النص، ترجع إلى تاريخ مادي من صنع المؤلف كما ومن صنع التاريخ المحدد، التاريخ الذي حمله نص المؤلف في أحشائه وباطنه واحتفظ بمستوياته لاشعوريًا أي بدون أن يدري المبدع كثيرًا مما شكل فكره وعناصر تجربته المادية ومستوياتها الاقتصادية والثقافية، فهي مستويات كامنة خلف النص أو في باطنه التاريخي كما يقول ريكور.
ونقلًا عن كتابي (أقطاب العلمانية) الصادر عام 2000م، عن دار الدعوة، أُضيف هنا: «فهو عندما يتكلم عن الجن مثلًا - لا يجرؤ أن يقترب بصورة ظاهرة مماثلة من (الله) بنفس الدرجة![1] - فإنه يدعي بأن الجن - أو الملائكة - مفردات ذهنية ليس لها حقيقة أو وجود خارج الذهن! (وإذا كنا ننطلق هنا من حقيقة أن النصوص الدينية نصوص إنسانية بشرية لغة وثقافة(!)، فإن إنسانية النبي بكل نتائجها من الانتماء إلى عصر وإلى ثقافة وإلى واقع لا يحتاج لإثبات (!)... يرى علم اللغة الحديث أن المفردات اللغوية لا تشير إلى الموجودات الخارجية ولا تستحضرها ولكنها تشير إلى المفاهيم الذهنية» (نقد الخطاب الديني ص213). ويدعي أنه كشف ذلك بتحليل مستويات السياق اللغوي! الذي يمتد - بزعمه - إلى ما وراء ذلك - لاحظ فلسفة ريكور وبولتمان المذكورة منذ قليل وكذلك فلسفة ماركس وفرويد ونيتشه -!: «يمتد وراء ذلك لاكتشاف الدلالة (المسكوت عنها) في بنية الخطاب» (النص، السلطة، الحقيقة ص109،110)، ويعطي على ذلك مثالًا: «نكتفي هنا بالإحالة مثلًا إلى السياق اللغوي لسورة (الجن) في القرآن، حيث يبدو من ظاهرة السياق أن النص يتحدث عن ظاهرة (الجن) بوصفها ظاهرة لا يحتاج وجودها لإثبات، لكن وجودها في النص يمثل المعرفي الثقافي الذي تحدثنا عنه في الفقرة الأولى من هذا القسم[2]. من هذه الزاوية يبدو النص متجاوبًا مع المعرفي الثقافي بدلالة المنطوق (!) - أو الملفوظ - لكن على مستوى المسكوت عنه (!) - الذي يبدأ من أنسنة الجن (!) بتقسيمهم إلى مؤمنين وكافرين نتيجة استماعهم للقرآن (لاحظ كيف يحيل النص إلى ذاته في أحداث التقسيم)[3] يؤسس مغايرته - أو اختلافه - مع هذا المعرفي
الثقافي(!)، وتحليل السياق اللغوي إلى مستوى آخر من مستويات المسكوت عنه(!)... إذا أضفنا إلى ذلك قرار مصادرة الجن، أمكننا القول بأن النص يلغي وجود الجن بدلالة المسكوت عنه المستخرجة من تحليل السياق اللغوي(!).. ولا شك أن تحليل مستويات السياق اللغوي في بنية النصوص الدينية بإدخال مستوى المسكوت عنه - ناهيك بمستويات هذا المسكوت عنه المتعددة بتعدد مستويات القراءة يمكن أن تساعد إلى حد كبير في فهم أعمق - وأكثر علمية للنصوص والأهم من ذلك أن هذا العمق في الفهم يقربنا من حدود إنتاج وعي علمي(!) بدلالة النصوص الدينية (المرجع نفسه، ص110).
ومع أنه يعمل حساب للمؤلف في قراءته إلا أنه كما هنا يرجع الأمر لمستويات داخل الثقافة يزعم أنه قدر على كشفها بأفقه المادي، وهكذا وضع القرآن في التجربة البشرية وفي مستويات مزعومة اخترقت النصوص القرآنية كما وضعه في تطبيقات معطيات الوجودية.
- المستتر والغامض في النص الوجودي: إن اللغة عند هيدجر هي التجلي الوجودي للعالم، فالإنسان يكتشف العالم من خلال الفهم والتفسير، إنه «يفهم من خلال اللغة» (ص32) والفهم تاريخي يتغير «ليس فهمًا ثابتًا» (ص32).
العالم لا يدرك عند هيدجر من خلال الإدراك الإنساني ولكن العالم يكشف له عن نفسه، وظهور العالم وانكشافه إنما هو من خلال «اللغة» (انظر ص33) عالم النصوص كمثال كما راح نصر أبو زيد يضيف كالحاوي معنى مستترًا للنص ويدعي أنه اكتشفه من داخله!
وعلى ذلك - تبعًا لهايدجر - فالنص الأدبي ليس تعبيرًا عن «حقيقة داخلية» كمشاعر الشاعر وأحاسيسه ولكنه تجربة وجود ومشاركة في الحياة (انظر ص33) مازال نصر أبو زيد يأخذ المشترك في الفكرة المادية أو الهرمنيوطيقية عن التجربة الوجودية (كما عند هايدجر، انظر ص33) وعلينا بزعمه أن نفهم النص وتفسيره من معرفة أولية عن النص ونوعه تبعًا لهايدجر، فليس النص خارج الزمان والمكان، «بل نلتقي به في ظروف محددة» (ص33) لكن نصر أبو زيد يختار الذاتية وما تضيفه على النصوص التراثية مع الظروف الجماعية والاجتماعية في تشكل النصوص، فليس شيء عنده فوق الواقع وكما قال مرة فالواقع أولًا وثانيًا وأخيرًا!
فهم الوجود فيما يخص النص تبدأ عند هيدجر «من معرفة أولية عن النص ونوعه» (ص33).
فالنص له علاقة بالعالم و«العالم ماثل فيه» (ص34) فالعالم هو الظهور والانكشاف والأرض في مفهوم هيدجر تعني الاستتار والاختفاء والتوتر قائم بينهما في العمل الفني، ويرى هيدجر أن العمل الفني يتشكل من خلال اللغة أو الأحجار أو الألوان أو الأنغام أنها تمثل عمق الوجود وليس مجرد وجودها الطبيعي والمتلقي ينفتح وجوديًّا على العمل وعندما تلتقي اللحظتان يبدأ الحوار: «يبدأ السؤال والجواب الذي تنكشف به حقيقة الوجود، وتتطور - من ثم - تجربتنا الوجودية في العالم. فإذا انتقلنا للنص الأدبي الذي يتجلى فيه العالم من خلال اللغة، وجدنا أنه - مثل العمل الفني - يقوم على التوتر بين الانكشاف والوضوح من جهة، والاستتار والغموض من جهة أخرى. ومهمة الفهم هي السعي لكشف الغامض والمستتر من خلال الواضح والمكشوف، اكتشاف ما لم يقله النص من خلال ما يقوله بالفعل، وهذا الفهم للغامض والمستتر يتم من خلال الحوار الذي يقيمه المتلقي مع النص» (ص36).
ونقلًا عن كتابي (أقطاب العلمانية) الصادر عام 2000م، عن دار الدعوة، أُضيف هنا: «ويدعي أنه كشف ذلك بتحليل مستويات السياق اللغوي! الذي يمتد - بزعمه - إلى ما وراء ذلك - لاحظ فلسفة ريكور وبولتمان المذكورة منذ قليل وكذلك فلسفة ماركس وفرويد ونيتشه! -: «يمتد وراء ذلك لاكتشاف الدلالة (المسكوت عنها) في بنية الخطاب» (النص، السلطة، الحقيقة ص109،110)، ويعطي على ذلك مثالًا: (نكتفي هنا بالإحالة مثلًا إلى السياق اللغوي لسورة (الجن) في القرآن، حيث يبدو من ظاهرة السياق أن النص يتحدث عن ظاهرة (الجن) بوصفها ظاهرة لا يحتاج وجودها لإثبات، لكن وجودها في النص يمثل المعرفي الثقافي الذي تحدثنا عنه في الفقرة الأولى من هذا القسم[4]. من هذه الزاوية يبدو النص متجاوبًا مع المعرفي الثقافي بدلالة المنطوق(!) - أو الملفوظ - لكن على مستوى المسكوت عنه(!) - الذي يبدأ من أنسنة الجن(!) بتقسيمهم إلى مؤمنين وكافرين نتيجة استماعهم للقرآن (لاحظ كيف يحيل النص إلى ذاته في أحداث التقسيم)[5] يؤسس مغايرته - أو اختلافه - مع هذا المعرفي
الثقافي(!)، وتحليل السياق اللغوي إلى مستوى آخر من مستويات المسكوت عنه(!)... إذا أضفنا إلى ذلك قرار مصادرة الجن، أمكننا القول بأن النص يلغي وجود الجن بدلالة المسكوت عنه المستخرجة من تحليل السياق اللغوي(!).. ولا شك أن تحليل مستويات السياق اللغوي في بنية النصوص الدينية بإدخال مستوى المسكوت عنه - ناهيك بمستويات هذا المسكوت عنه المتعددة بتعدد مستويات القراءة يمكن أن تساعد إلى حد كبير في فهم أعمق - وأكثر علمية للنصوص والأهم من ذلك أن هذا العمق في الفهم يقربنا من حدود إنتاج وعي علمي(!) بدلالة النصوص الدينية (المرجع نفسه، نفس ص110).
- امتيازية النص لكنها في بشرية صرفة: فتاريخية النص محددة في المكان والزمان والنص يعبر عن تاريخية محددة لا يتجاوزها والمبدع إنما هو صائغ ومطور في الصور والمعاني الزمكانية لا أكثر ولا أقل.
- اللغة رموز وعلامات: فالنص إما وسيط شفاف ينم عما وراءه أو حقيقة زائفة لا يجب الوثوق بها كما قال نيتشه وفرويد وماركس ومهمة التفسير إزالة المعنى السطحي إلى المعنى المستخفي كتراث شكل النص (وأما نصر أبو زيد فتعامل مع النصوص القرآنية كما ورد هنا فهو من ناحية شفاف وفي باطنه يحوي التاريخي والأسطوري (بولتمان-ريكور)» وعلى هذا فهدف التفسير هو تحطيم الرمز، بل البدء به» (إشكاليات القراءة ص45، يقول أيضًا: «ومعنى ذلك أنه يتابع بولتمان في اعتباره الرمز شفافًا عن معناه الباطن» (ص45)، ويقول: «وهذه الطريقة يمثلها بولتمان..في تحطيمه للأسطورة الدينية في العهد القديم والكشف عن المعاني العقلية التي تكشف عنها الأساطير» (إشكاليات ص44).
- النص ظاهرة لا تفسر نفسها: أُفق القارئ هي الأصل، أي قارئ، وهذا الأصل غير ثابت على الدوام (انظر ص29 من إشكاليات القراءة)» فالنص الأدبي يتسع للعديد من التفسيرات التي تتنوع بتنوع اتجاهات النقاد ومذاهبهم» (إشكاليات ص16) ورؤية النص إنما هي كائنة من خلال أفق القارئ المعاصر! (جادامر)، فإن ذهبت تلك الرؤية المعاصرة إلى أن النص مزيف ظاهريًا - هذا من ناحية أخرى - أو يستر المعنى المعاكس له داخله، أو أن مغزاه في باطن صوره المتراكبة في صخور التاريخ المادي المنعكس في مستويات النص كما يقولون عن النصوص الكتابية والبشرية، فإن أفق القارئ المعاصر في ذلك هي الاكتشاف الحقيقي لما وراء ذلك النص أو نفسية المؤلف أو المبدع أو وجوده وتجربته، أو الوجود المعاش الذي صنع النص ومؤلفه!
- المغزى: مغزى النص مطمور في ماديته أي نفي ما يتجاوز المادة (أخذ مفهوم المغزى من هيرش، ص48).
- المؤلف يطور في الثقافة ويستخدم عناصرها وقد يكون واقعًا تحت تأثير نفسي طفولي كما قد يكون واقعًا تحت تأثير البيئة والمجتمع، فظاهرة الوحي - بحسب وصفه للوحي وزعمه عنه - لم تكن غريبة عن الرسول فهو: «كان يعاني دون شك إحساسًا طاغيًا بالإهمال والضياع» (مفهوم النص ص67) الذي يبدأ بـاقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق: ١] الفعل «خَلَقَ» ليعوض عن إحساسه بالإهمال الذي لقيه من المجتمع وليختلق له ربًّا!
يقول: «ولا شك أن إحساس محمد الذي تتوجه إليه هذه الرسالة - بأن ربه هو الذي خلق، يتصاعد بذاته وبقيمته وأهميته، ويداوي إحساس اليتم والفقر في أعماقه، ولأن محمدًا لا يعزل نفسه عن الواقع وعن إنسان مجتمعه فإن النص يكرر الفعل «خَلَقَ» كاشفًا لمحمد عن تساؤلاته عن الإنسان»، «إن المتحدث إلى محمد بالوحي ليس غريبًا عنه» (مفهوم النص ص69)، وكأن الأساطير البيزنطية تمر عبر شبكة الاستشراق من خلال الهرمنيوطيقا إلى نصر حامد أبو زيد، (انظر كتابه النص،السلطة الحقيقة، ص100)؛ مثلًا فهو يمرر عبر أدواته في اللغة والوعي والشفرة نفس الاتهامات الاستشراقية عن الحنيفية ونصوص الصعاليك العرب وغير ذلك مما زعم أنه شكل بنية الثقافة عند المؤلف!
- مؤلف النص قارئ كأي قارئ: وضع معنى في النص لكن المغزى للنص هي مهمة قارئ آخر (ريكور انظر إشكاليات ص48)، وعلى ذلك - على قول هيرش - ونحت نصر أبو زيد: «ولا يهمنا - في النص الأدبي - ما يعنيه المؤلف، أو ما كان يقصده، أو ما أراد أن يعبر عنه» (إشكاليات ص48) وفهم علاقة اللغة بالنفس الجماعية أو نفس المؤلف هو اختراق لزمن المؤلف وفهمه أفضل منه كما قال شليرماخر (1843م) «إن مهمة الهرمنيوطيقا هي فهم النص كما فهمه مؤلفه، بل حتى أحسن مما فهمه مبدعه» (إشكاليات القراءة ص22) «أو كما يريد أن يُفهم» (ص17) مع أنهم لم يكتشفوا في علوم الطبيعة والكون وعلوم الأجنة إلا بعد أكثر من عشرة قرون مما ورد حقيقة في النصوص القرآنية المهيمنة علميًّا وقيميًّا.
- وعي الإنسان ليس مفارقًا لموقع الإنسان في طبقة محددة في مجتمع معين (جولدمان، انظر ص47)، قال نصر أبو زيد: «العقائد مرتهنة بمستوى الوعي(!) وبتطور مستوى المعرفة في كل عصر(!) ولا شك أن النصوص الدينية اعتمدت، شأنها شأن غيرها من النصوص على جدلية المعرفي والأيديولوچي في صياغة عقائدها، المعرفي التاريخي يحيل بالضرورة إلى كثير من التصورات الأسطورية في وعي الجماعة التي توجهت لها النصوص بالخطاب» (النص، السلطة، الحقيقة لنصر أبو زيد ص134،135).
- الحقيقة داخل إطار التاريخ المادي لا خارجه: الإطار هو إطار لغوي وتاريخي لا يتعداه «إن جادامر يرفض – مثل هيدجر - الوظيفة الدلالية للغة، ويؤكد على العكس، أن اللغة لا تشير إلى الأشياء، بل الأشياء تفصح عن نفسها من خلال اللغة. وفهمنا لنص أدبي لا يعني فهم تجربة المؤلف، بل يعني فهم تجربة الوجود التي تفصح عن نفسها من خلال النص» (إشكاليات القراءة وآليات التأويل ص42).
وكان ذلك أكبر منحى توجه من خلاله نصر حامد أبو زيد، وذلك حتى يتمكن من تمرير أفكاره المادية وتأويل نصوص القرآن بما يصرفها عن حقيقتها إلى ما ادعى أنه حقيقة ما وراء النص مما اكتشفه من مستويات مزعومة لتاريخ النص، وتاريخ اللغة الأسطورية لما قبل النص في النص. فعملية التفسير عنده كما يقول تقوم على تلبيس النص القرآني ما حملته اللغة المعرفية الخرافية عند العرب، فيزعم أن عمليته التأويلية تقوم على تحليل المعطيات اللغوية للنص» (إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص45).
:: مجلة البيان العدد 338 شوال 1436هـ، يوليو - أغسطس 2015م.
مجلة البيان