انتهت المرحلة الأولى من حياة سيدنا إبراهيم كباقي الأنبياء أراد به قومه كيدا فجعلهم الأسفلين ونجاه الله منهم لكن لم تنته قصة سيدنا إبراهيم عند هذا الحد بل بدأت مرحلة جديدة من حياته هي مرحلة بناء الأمة المسلمة .
معالم هذه المرحلة من حياة سيدنا إبراهيم في القران
الأمر الأول:- اختار إبراهيم لنفسه الهجرة واختار الله له الوجهة
لم يدعوا إبراهيم على قومه ولم يطلب نجاته بنفسه منهم كما فعل باقي الأنبياء بل اعتزلهم ليبحث عن مكان آخر ينشر فيه دعوته فقال إني مهاجر إلى ربي" فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) العنكبوت . إن قرار سينا إبراهيم اعتزال قومه والهجرة إلى الله لم يكن تململا من الدعوة بل كان تطلعا إلى الانتقال إلى موقع آخر ينشر فيه عقيدة التوحيد لكنه لم يحدد الوجهة وتركها لله فاختار الله له وجهة الهجرة وهي الهجرة إلى الأرض المباركة"وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) الأنبياء
وينقل الإمام الطبري قولين في المقصود بالأرض المباركة فينقل عن عبد الله ابن عباس أنها مكة مستدلا بقوله تعالى " إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) ," آل عمران ونقل قولا آخر وهو الذي عليه جمهور المفسرين أنها ارض الشام ويرجح أنها الشام يقول وإنما اخترنا ما اخترنا من القول في ذلك لأنه لا خلاف بين جميع أهل العلم أن هجرة إبراهيم من العراق كانت إلى الشام ، وبها كان مقامه أيام حياته ، وإن كان قد كان قدم مكة وبني بها البيت وأسكنها إسماعيل ابنه مع أمه هاجر ، غير أنه لم يقم بها ، ولم يتخذها وطنا لنفسه ، ولا لوط ، والله إنما أخبر عن إبراهيم ولوط أنهما أنجاهما إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين ) ا.ه تفسير الطبري ). غير أني اشعر أني لست بحاجة إلى ترجيح احد القولين على الآخر وأميل إلى القول بأنهما الاثنين معا فالله يقول ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين " وسمى القران ما حول بيت المقدس بأنها مباركة "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)"الاسراء وسمى القران ايضا البيت الحرام بأنه مبارك "إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) "آل عمران والثابت أن إبراهيم انتقل بأسرته إليها " رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ " وبهذا فالله قد وجه إبراهيم إلى البقعتين المقدستين في العالم تشريفا وتكريما له وليقوم -بعد أن اختاره الله خليلا وجعله إماما للناس- ببناء امة التوحيد فيهما.
ومعنى المباركة أن الله خلقها أرض خصب ورخاء عيش وأرض أمن . وورد في التوراة : أن الله قال لإبراهيم : إنها تفيض لبنا وعسلا يقول الفخر الرازي في تفسيره والسبب في بركتها ، أما في الدين فلأن أكثر الأنبياء بعثوا منها ، وانتشرت شرائعهم وآثارهم الدينية فيها ، وأما في الدنيا فلأن الله تعالى بارك فيها بكثرة الماء والشجر والثمر والخصب وطيب العيش ، وقيل : ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس
أما البقعة المقدسة الأخرى فكانت وادي غير ذي زرع ليس فيها شجر ولا بشر ولا عمران فدعا إبراهيم لها بالبركة والنماء " رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من امن منهم بالله واليوم الآخر فاستجاب الله لدعائه وأصبح الوادي حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء. وبركته في الدين فلقد بعث من هذه البقعة خاتم الأنبياء صلي الله عليه وسلم وانطلقت منه شريعة الإسلام التي هي رحمة للعالمين .
وبعد أن اسكنه الله الأرض المقدسة بالشام وعرفه مكان البيت الحرام في مكة جعله الله إماما للناس بعد أن ابتلاه بكلمات فأتمها وعهد إليه لتطهير البيت للزوار من الطائفين والقائمين والعاكفين وهذا هو الأمر الثاني في هذه المرحلة نتناوله في الحلقة الثالثة .