موجبات الغسل

من كتاب الروضة الندية (ومعها: التعليقاتُ الرَّضية على «الرَّوضة النّديَّة» )
المؤلف: أبو الطيب محمد صديق خان بن حسن بن علي ابن لطف الله الحسيني البخاري القِنَّوجي (المتوفى: 1307هـ)
التعليقات بقلم: العلامة المحدِّث الشيخ محمَّد نَاصِر الدّين الألبَاني
*
صديق حسن خان (1248 - 1307 هـ = 1832 - 1890 م)
من رجال النهضة الإسلامية المجددين. ولد ونشأ في قنوج (بالهند) وتعلم في دهلي.
وسافر إلى بهوپال طلبا للمعيشة، ففاز بثروة وافرة، قال في ترجمة نفسه: (ألقى عصا الترحال في محروسة بهوپال، فأقام بها وتوطن وتمول، واستوزر وناب، وألف وصنف) وتزوج بملكة بهويال، ولقب بنواب عالي الجاه أمير الملك بهادر.
له نيف وستون مصنفا بالعربية والفارسية والهندسية.
منها بالعربية (حسن الأسوة في ما ثبت عن الله ورسوله في النسوة - ط) و (أبجد العلوم - ط) و (فتح البيان في مقاصد القرآن - ط) عشرة أجزاء، في التفسير، و (لف القماط - ط) في اللغة، و (حصول المأمول من علم الأصول - ط) و (عون الباري - ط) في الحديث، و (العلم الخفاق من علم الاشتقاق - ط) و (العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة - ط) و (الطريقة المثلى - ط) في ترك التقليد، و (نيل المرام من تفسير آيات الأحكام - ط) و (خلاصة الكشاف - ط) في إعراب القرآن، و (البلغة إلى أصول اللغة - ط) و (غصن البان المورق - ط) رسالة في الأدب، ومثلها (نشوة السكران - ط) و (الروضة الندية - ط) في شرح الدرر للشوكاني، و (التاج المكلل - ط) في التراجم، اشتمل على 543 ترجمة
نقلا عن: «الأعلام» للزركلي
----------------------------------------------
موجبات الغسل
1 -خروج المني
2 -التقاء الختانين :
3 -انقطاع الحيض،
4 والنفاس:
5 -الاحتلام مع وجود بلل:
6 -الموت:
7 -إسلام الكافر:
** **
1 -خروج المني
(يجب بخروج المني بشهوة ولو بتفكر)
وقد دلت على ذلك الأدلة الصحيحة كأحاديث: " الماء من الماء "، وأحاديث: " في المني الغسل "، وصدق اسم الجنابة على من كان كذلك؛ وقد قال الله - تعالى -: وإن كنتم جنبا فاطهروا ، والاطهار استيعاب جميع البدن، بالغسل . كذا في " المسوى ".
ولا أعلم في ذلك خلافاً، وإنما وقع الخلاف المشهور بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وكذلك بين من بعدهم: هل يجب الغسل بالتقاء الختانين من دون خروج مني أم لا يجب إلا بخروج المني؟
والحق: الأول(يجب الغسل بالتقاء الختانين من دون خروج مني) لحديث: " إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب عليه الغسل "؛ أخرجه البخاري، ومسلم وغيرهما - - من حديث أبي هريرة - -.وأخرج نحوه مسلم، وأحمد، والترمذي - تعالى، وصححه - من حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها -.فهذان الحديثان - وما ورد في معناهما - ناسخان لما كان في أول الإسلام من أن الغسل إنما يجب بخروج المني.
ويدل على ذلك حديث أبي بن كعب - رضي الله تعالى عنه -، قال: إن الفتيا التي كانوا يقولون: " الماء من الماء " رخصة كان رسول الله [] رخص بها في أول الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعدها.
وأخرج مسلم ([1]) - تعالى - من حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها -: أن رجلا سأل رسول الله [] عن الرجل يجامع أهله ثم يكسل - وعائشة - رضي الله تعالى عنها - جالسة -؟ فقال رسول الله [] : " إني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل ".
وقال في " الحجة البالغة([2]) ": " اختلف أهل الرواية هل يُحمل الإكسال - أي: الجماع من غير إنزال - على الجماع الكامل في معنى قضاء الشهوة - أعني ما يكون معه الإنزال -؟ والذي صح رواية، وعليه جمهور الفقهاء: هو أن من جهد فقد وجب عليهما الغسل، وإن لم ينزل.
واختلفوا في كيفية الجمع بين هذا الحديث، وحديث: " إنما الماء من الماء ":
فقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: للاحتلام.وفيه ما فيه لأنه يأباه سبب ورود الحديث كما أخرجه مسلم.
وقال أبي - رضي الله تعالى عنه -: كانت رخصة في أول الإسلام، ثم نهي عنها.
وقد روي ([3]) عن عثمان وعلي وطلحة والزبير وأبي بن كعب وأبي أيوب - رضي الله تعالى عنهم - فيمن جامع امرأته ولم يُمْن، قالوا: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره "، ورفع ذلك إلى النبي [] .
ولا يبعد عندي أن يُحمل ذلك على المباشرة الفاحشة؛ فإنه قد يطلق الجماع عليها.
قلت: على هذا أكثر أهل العلم: أن غسل الجنابة يجب بأحد الأمرين: إما بإدخال الحشفة في الفرج، أو بخروج الماء الدافق من الرجل أو المرأة.

2 -التقاء الختانين :
(بالتقاء الختانين) وعلى هذا أكثر أهل العلم: أن من جامع امرأته فغيّب الحشفة؛ وجب الغسل عليهما وإن لم ينزل.
والختان: موضع القطع من ذكر الغلام، ونواة ([4]) الجارية.

3 -انقطاع الحيض، 4 –والنفاس:
(وبانقطاع الحيض والنفاس) ولا خلاف في ذلك.
وقد دل عليه نص القرآن ومتواتر السنة، وكذلك وقع الإجماع على وجوبه بانقطاع النفاس.

5 -الاحتلام مع وجود بلل:
(و) كذلك وقع الإجماع على وجوبه (بالاحتلام) ؛ إلا ما يُحكى عن النخعي - تعالى -، ولكنه إنما يجب إذا وجد المحتلم بللاً.
(مع وجود بلل) : كما في حديث عائشة -
قالت: سئل رسول الله [] عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً؟ فقال: " يغتسل "، وعن الرجل يرى أن قد احتلم ولا يجد البلل؟ فقال: " لا غسل عليه "؛ أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه - رحمهم الله - ورجاله رجال الصحيح؛ إلا عبد الله بن عمر العمري؛ وفيه مقال خفيف ([5]) .
وأخرج نحوه أحمد والنسائي - رحمهما الله - من حديث خولة بنت حكيم - رضي الله تعالى عنها -.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما - تعالى - من حديث أم سلمة - رضي الله تعالى عنها -: أن أم سليم - رضي الله تعالى عنها
قالت:يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق؛ فهل على المرأة الغسل إذا احتلمت؟ قال: " نعم؛ إذا رأت الماء ".
وهذه الأحاديث ترد على من اعتبر أن يحصل للمحتلم شهوة ويتيقن ذلك.
والمراد من البلل المني، فإن رأى بللاً ولم يتيقن أنه مني؛ لم يجب الغسل عند أكثر أهل العلم.
قال في " الحجة ": " أراد الحكم على البلل دون الرؤيا([6])؛ لأن الرؤيا تكون تارة حديث نفس، ولا تأثير له، وتارة تكون قضاء شهوة، ولا تكون بغير بلل، فلا يصلح لإدارة الحكم إلا البلل.
وأيضا؛ فإن البلل شيء ظاهر يصلح للانضباط، وأما الرؤيا فإنها كثيراً ما تُنسى ". انتهى.

6 -الموت:
(وبالموت) : المراد وجوب ذلك على الأحياء؛ إذ لا وجوب بعد الموت من الواجبات المتعلقة بالبدن؛ أي: يجب على الأحياء أن يغسلوا من مات.
وقد حكى المهدي في " البحر " والنووي - -، الإجماع على وجوب غسل الميت، وناقش في ذلك بعض المتأخرين مناقشة واهية.
وفي " الحجة ": وأما غسل الميت: فلأن الرشاش ينتشر في البدن.

7 -إسلام الكافر:
(وبالإسلام) : وجهه ما أخرجه أحمد، والترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن حبان، وابن خزيمة - - عن قيس بن عاصم - -: أنه أسلم، فأمره النبي [] أن يغتسل بماء وسدر.وصححه ابن السكن - رحمه الله
وأخرج أحمد وعبد الرزاق، والبيهقي، وابن خزيمة، وابن حبان - - من حديث أبي هريرة - - أن ثمامة - رضي الله تعالى عنه - أسلم، فقال النبي [] : " اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل " ([7]) .
وأصله في " الصحيحين "، وليس فيهما الأمر بالاغتسال، بل فيهما أنه اغتسل.
قال في " الحجة ": قال ([8]) لآخر: " ألق عنك شعر الكفر "؛ وسره أن يتمثل عنده الخروج من شيء، أصرح ما يكون، والله تعالى أعلم. انتهى.
وقد ذهب إلى الوجوب أحمد بن حنبل وأتباعه - -.
وذهب الشافعي - - إلى عدم الوجوب.
والحق الأول.
ويؤيده ما وقع منه [] من الأمر بالغسل عند الإسلام لواثلة بن الأسقع، وقتادة الرهاوي - - كما أخرجه الطبراني - -، وأمره أيضا لعقيل بن أبي طالب - -، كما أخرجه الحاكم - - في " تاريخ نيسابور "؛ وفي أسانيدها مقال ([9]) .
-------------------------------------------------------------
[[1]](برقم 350) . وانظر " سنن الدارقطني " (1 / 112) ، و " السلسلة الضعيفة " (976) ، وكتابي " دراسات علمية في صحيح مسلم " (123 - 125) .
[[2]]الكتاب: حجة الله البالغة
المؤلف: أحمد بن عبد الرحيم بن الشهيد وجيه الدين بن معظم بن منصور المعروف بـ «الشاه ولي الله الدهلوي» (المتوفى: 1176هـ)
المحقق: السيد سابق
[[3]]رواه البخاري (179) ، ومسلم (347) عن زيد بن خالد الجهني.
[[4]]كذا والصواب: النوى؛ وهو ما يبقى من المخفض بعد ختان الجارية.
انظر " لسان العرب المحيط " (3 / 752) .
[[5]]هو حديث حسن، فانظر " صحيح سنن ابن ماجه " (612) .
[[6]]الاحتلام
[[7]]انظر " التلخيص الحبير " (2 / 68) .

[[8]]أي: النبي .
والحديث صحيح؛ فانظر " الإرواء " (79) .

[[9]]قال نحوه الحافظ في " التلخيص " (2 / 68) .


.................................................. ...........
الدكتور هشام محمد طاهر
الكتاب الاسلامي الالكتروني
http://180170.com/17v