من هو القرطبي مؤلف كتاب الإعلام في الرد على النصارى؟

بقلم: سمير القدوري


وقع لجماعة من المعنيين بالتراث العربي لبس بشأن هوية " الإمام القرطبي" المبهم اسمه صاحب كتاب الإعلام, بما في دين النصارى من الفساد و الأوهام. فلما وقفت على هوية المؤلف الحقيقي وجب إحقاق الحق و إرجاع الفضل إلى أصحابه ورفع ذلك اللبس الذي لايزال مستمرا إلى اليوم في ما يكتب و ما ينشر من بحوث حول تاريخ الجدل الإسلامي المسيحي.
لنبدأ بعرض ومناقشة أولائك الذين غلطوا في أمر القرطبي, وأقدمهم وفاة هو إسماعيل باشا البغدادي الذي نسب الكتاب المذكور إلى أبي عبد الله محمد بن أحمد بن فَرْح الأنصاري القرطبي(ت.671هـ) مفسر القرآن الكريم. ثم تابع البغداديَّ على هذا القول المستشرقُ الألماني كارل بروكلمان في الملحق الأول على كتابه تاريخ الأدب العربي .
ثم أخذ بقوليهما بعد ذلك, الدكتور القصبي محمود زلط فقال عند تعداده لكتب القرطبي المفسر ما نصه:" ومنها: الإعلام بما في دين النصارى من المفاسد و الأوهام و إظهار محاسن دين الإسلام, ولقد أشار البغدادي إلى هذا الكتاب في هدية العارفين, وحدد بروكلمان مكان هذا الكتاب فذكر في كتابه تاريخ الأدب العربي أنه يوجد منه نسختان خطيتان بمكتبة كوبريلي بتركيا تحت رقم 794- 814" . وعن هؤلاء الثلاثة انتشرت نسبة كتاب الإعلام إلى القرطبي المفسر في الدراسات العربية, فرغم أن الكتاب حقق كاملا مرتين, الأولى من طرف أحمد حجازي السقا سنة 1980م , الذي تردد بعض الشيء في نسبة الكتاب إلى القرطبي المفسر, و الثانية من طرف الباحثة فايزة سعيد صالح عزام, في نطاق رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى للعام الجامعي 1405هـ و الباحثة بدورها تنسب الكتاب للقرطبي المفسر تقليدا لأسلافها في هذه القضية.
وحقق الكتاب جزئيا ثلاث مرات على الأقل, من طرف كل من:
- عبد الله الخلائفي محقق القسم الثاني من الكتاب .
- علي بو عمامة من جامعة ستراسبورغ بفرنسا عام 1978م .
كل هؤلاء لم يفلحوا في تجاوز ما قاله البغدادي و كارل بروكلمان, ونحن نفند إن شاء الله ما ذهبوا إليه من ثلاثة وجوه.
الوجه الأول: يلاحظ القارئ لكتاب الإعلام اختلاف أسلوب صاحبه و أسلوب القرطبي المفسر.
الوجه الثاني: يلاحظ اختلاف جوهري بين مؤلف الإعلام و بين القرطبي المفسر فيما يتعلق بمسألة إعجاز القرآن, فحينما يقول صاحب الإعلام بالصَّرْفة أي" أن البشر قد صرفوا عن الإتيان بمثل القرآن, بل عن الإتيان بآية طويلة من آياته" . في حين كان القرطبي المفسر يرفض تماما هذا المذهب ويقول في شأنه:" وهذا فاسد لأن لإجماع الأمة قبل حدوث المخالف, أن القرآن هو المعجز, فلو قلنا إن المنع و الصَّرْفَة هو المعجز لخرج القرآن عن أن يكون معجزا, وذلك خلاف القرآن" . فنحن نرى أن مذهب القرطبي المفسر على النقيض تماما من مذهب مؤلف الإعلام في قضية من أمهات المسائل العقيدة الإسلامية وهذا ليس دليلا هينا على استبعاد كون المفسر مؤلفا لكتاب الإعلام.
الوجه الثالث: أننا لم نجد أحدا, قبل البغدادي, ممن ترجم للقرطبي المفسر ذكر أن له كتابا في الرد على النصارى يسمى الإعلام.
ثم جاء الباحث بول دوفيلار(Paul Devillard) ليطلع علينا في رسالته للدكتوراه برأي طريف, حيث صرح بأن مؤلف الإعلام هو الفقيه أبو جعفر أحمد بن نصر الروادي (كذا) مؤلف كتاب الأموال( كان لايزال مخطوطا بالأسكوريال في نسخة (عدد 1165) كتبت عام 677هـ), فلما اعتقد أن كتاب الأموال ألف سنة 677هـ,و ادعى أن كتاب الإعلام ألف سنة 684هـ استنادا على غلط ورد في فهرست خزانة كوبريلي, تجرأ فقال بما أن كتاب الأموال به بعض النصوص بشأن أحكام أهل الذمة, فلن نجد في القرن السابع عالما يمكن أن يؤلف الإعلام خيرا منه.
وهذا ليس بشيء يعتمد عليه أو يستحق أن يلتفت إليه ونحن نستخرج إن شاء الله ما في قول دوفيلار من أوهام بعضها فوق بعض.
أولا نحن لا نسلم كلام دوفيلار بشأن كتاب الأموال و مؤلفه لأنها معلومات غير صحيحة نقلها الباحث حرفيا من كتاب الأدب الدفاعي و الجدلي لشتاينشنيدر (M. Steinscneider) الذي تصحفت عنده نسبة صاحب كتاب الأموال فجعلها الروادي, بينما صوابها الداودي.
و الداودي صاحب كتاب الأموال عالم مالكي معروف( أدرك القرن الخامس الهجري) مترجم له في كتاب ترتيب المدارك للقاضي عياض بما نصه:" أبو جعفر أحمد بن نصر الداودي الأسدي من أئمة المالكية بالمغرب(...) أصله من المسيلة و قيل بسكرة. عاش في طرابلس ثم انتقل إلى تلمسان و كان له حظ من اللسان و الحديث و النظر. و ألف (...) كتاب الأموال(...) توفي بتلمسان سنة ثنتين و أربعمائة" .
فلا يخفى بعد هذا ما في كلام شتاينشنايدر من غلط و خلط. وقد وقفنا بالخزانة العامة بالرباط على نسخة ثانية من كتاب الأموال للداودي (عدد 98 أوقاف) كتبت حوالي540هـ, فلا مجال بعد هذا للقول بأن كتاب الأموال ألف سنة 677هـ التي لا تعدو أن تكون تاريخ نسخ مخطوطة الأسكوريال(1165).
وكذلك لا نسلم قول دوفيلار بأن كتاب الإعلام قد فرغ من تأليفه سنة 684هـ لسبب واحد كاف في الدلالة على أن دوفيلار لم يمعن النظر أثناء قراءته لمقدمة الإعلام, إذ يقول المؤلف فيها ما نصه:" فقد وقفت وفقك الله على كتاب كتب به بعض المنتحلين لدين الملة النصرانية سماه تثليث الوحدانية بعث به من طليطلة - أعادها الله- إلى مدينة قرطبة حرسها الله" .
فهذا النص يشهد بأن المؤلف قد كتب الإعلام قبل سنة 633هـ تاريخ سقوط قرطبة في يد النصارى, فلو كان يكتب بعد هذا التاريخ (في سنة 684هـ كما ظن دوفيلار) لوجب أن يقول:" مدينة قرطبة أعادها الله". ونحن سنقيم فيما بعد الدليل على ما يؤيد كلامنا هذا.
ورغم أخطاء دوفيلار الذي نسب كتابا ألف في القرن السابع الهجري إلى عالم مالكي توفي مع مطلع القرن الخامس الهجري , فقد لقيت رواجا لدى ميكل دي إبالثا(M. de Epalza) , و لويس كاردياك(Louis Cardillac) .
يرجع الفضل للدكتور بيتر شورد فان كونينكسفلد(P.S.Van Koningsveld) في لفت انتباهي إلى وجود مخطوطة ثالثة من كتاب الإعلام بالخزانة الحسنية بالرباط. وهي مخطوطة نسخت بجزيرة جربة التونسية عام 1142هـ. ومن خاتمة الناسخ استنبط فان كونينكسفلد أن القرطبي مؤلف الإعلام كان حيا سنة 628هـ, وأنه ألفه قبل سنة 617هـ .
بعد هذا التمهيد نأتي الآن إلى مسألة تحديد هوية المؤلف الحقيقي للكتاب وسنبدأ من حيث انتهى الدكتور فان كونينكسفلد, أعني ما جاء بآخر النسخة المخطوطة من كتاب الإعلام بالخزانة الحسنية(رقم 83) حيث قال الناسخ:" وكان الفراغ منه أواخر يوم الخميس, أواخر شهر جمادى الأولى سنة 1142هـ بجزيرة جربة. وأما الفراغ من نسخ أصله(فكان) ضحوة سادس يوم من شعبان سنة 726هـ بدمشق المحروسة. ووجدت على الأصل المنتسخ منه ما صورته: قرأته على الإمام العالم الزاهد مصنفه , بتاريخ مفتتح عام 628هـ, وكتب الحقير العبد الفقير إلى الله أحمد بن يوسف السلاسي.
ووجدت على الأصل أيضا:بلغت المقابلة بالمبيضة و الحمد لله وحده وذلك على يد الفقير إلى مولاه, الغني به, أحمد بن عمر في العشر الأُوَل لمحرم سنة 617." انتهى كلام الناسخ.
أول شيء خطر ببالي بعدما و قفت على هذا النص أن أحمد بن عمر ربما كان هو المؤلف اعتبارا لعدة أمور. أولها أن المؤلف يرد على كتاب " تثليث الوحدانية" الذي بعث به إلى قرطبة أحد النصارى من مدينة طليطلة. فكان على المؤلف الإعلام قبل قيامه بإرسال الجواب إلى طليطلة أن يحتفظ لنفسه بنسخة من الإعلام مصححة و مقابلة على المبيضة, و يسجل اسمه(أحمد بن عمر) وتاريخ فراغه من مقابلتها على المبيضة(10محرم سنة 617هـ).
وهذا الفرع هو الذي قرأه أحمد بن يوسف السلاسي على المؤلف سنة 628 هـ , و ينتشر عنه الكتاب.
فهل هناك عالم قرطبي اسمه أحمد بن عمر عاش في القرن السابع و قام الدليل على أنه ألف كتابا في الرد على النصارى يسمى الإعلام بما في دين النصارى من الفساد و الأوهام؟
ولما شرعت في البحث لفت انتباهي و أنا بمنزل صديقي مصطفى ناجي , كتاب تلخيص صحيح مسلم لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري القرطبي(ت.656هـ). فظهر لي أولا تطابق اسمه و عصره وبلده الأصلي مع ما أبحث عنه, لذلك قمت أول الأمر بمقارنة أسلوب خطبة كتاب تلخيص صحيح مسلم بأسلوب مقدمة كتاب الإعلام, و وجدت بين الأسلوبين تشابها غريبا, فرجعت إلى كتب التراجم للبحث فيها عن ذكر لكتاب الإعلام في مصنفات أبي العباس القرطبي صاحب تلخيص كتاب مسلم, فلم أجد فيه على كثرتها شيئا مما أملته.
بعد هدا قررت البحث عن ذكر لكتاب الإعلام في مصنفات أبي العباس القرطبي ووجدت الأمر كما حدست إذ أحال على كتابه في الرد على النصارى في عدة مواضع من كتابه المفهم كما يجده القراء مفصلا في مقال لي بالأسبانية نشر بمجلة القنطرة:
Identificacion de "Al-Qurtubî" autor de al-I'lâm
bimâ fî dîn al-Nasârâ min al-Fasâd wa-l-awhâm.
Al-Qantara. XXI, 1 (2000) 215-19.
و للمزيد من التفاصيل عن القرطبي وحياته العلمية يرجع لمقال جديد سيظهر قريبا إن شاء الله بمجلة مكتبة الملك فهد الوطنية.
----.


Geschichte der arabischen Litteratur, Leiden, 1937, SI, 737 Brocklmann, C.,

كتاب شتاينشنيدر: Polemishe und apologetische Literatur; Leipzig, 1877,p 27 .

ترتيب المدارك تحقيق أحمد بكير محمود, بيروت, المجلد 4, ص 623- 624. والديباج المذهب لابن فرحون, رقم 31.

الإعلام ص 43.

De Epalza. M.,"Note pour une histoire des polémiques anti-Chrétiennes dans l'Occident musulman",Arabica, XVIII,1 (1971),p99- 106 .cf.,p104.

Morisques et Chrétiens, Paris 1977, p 216.

Van KONINGSVELD,P.S.," la Apologia de al-Kindî en la Espana del siglo XII", Actas del II Congreso sobre los mozarabes; Toledo 1989, 110- 111.