الابتلاء في حياة سيدنا إبراهيم
لم تكن عقيدة التوحيد عند سيدنا إبراهيم مجرد دعوى قالها بلسانه عندما قال " إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) الأنعام. بل كانت يقينا يملأ حياته كلها هذا اليقين كان بحاجة الى واقع عبر مرحلة من الابتلاء أظهرت صدق سيدنا إبراهيم بعدها وصل إلى مقام الإمامة للناس والابتلاء سنة ثابتة تسبق مرحلة التمكين " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ 00000 (179) آل عمران .
يقول الله تعالى " وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) البقرة. ابتلي الله إبراهيم بكلمات فأتمهن ومن التشويه الذي تسرب إلينا من الإسرائيليات وقد شاع واشتهر في معنى هذه الكلمات أنها خصال الفطرة وهي : قص الشارب والمضمضة والاستنشاق ، والسواك ، وفرق الرأس ، وتقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والختان ، ونتف الإبط ، والاستحداد وشاع للأسف في الحديث عن سيدنا ابراهيم أن الابتلاء تمثل في أن الله أمره بالاختتان على الكبر ففعل فتخيل ماذا ستكون الصورة الذهنية لسيدنا إبراهيم عند استحضار هذا الفعل؟!!! وهذه من الجراءة الغريبة على القران وعلى الأنبياء يقول صاحب تفسير المنار نقلا عن الإمام محمد عبده ". إن هذا من الجراءة الغريبة على القرآن ، ولا شك عندي في أن هذا مما أدخله اليهود على المسلمين ليتخذوا دينهم هزوا ، وأي سخافة أشد من سخافة من يقول : إن الله - تعالى - ابتلى نبيا من أجل الأنبياء بمثل هذه الأمور ، وأثنى عليه بإتمامها ، وجعل ذلك كالتمهيد لجعله إماما للناس وأصلا لشجرة النبوة ، وإن هذه الخصال لو كلف بها صبي مميز لسهل عليه إتمامها ولم يعد ذلك منه أمرا عظيما " ا.ه
أقول وهذا نتيجة تناول حياة الأنبياء بعيدا عن القران فالقران عرض للابتلاء الذي تعرض له سيدنا إبراهيم بصريح اللفظ فكيف نتركه إلى مثل هذه الخرافات فبعد قصة الرؤيا بذبح ولده التي وردت في سورة الصافات يقول تعالى " إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) الصافات " وهذه عبارة صريحة في الابتلاء .
لقد عرض القرآن لثلاث مواقف ابتلي فيها سيدنا إبراهيم .
أما الأولى :- فهو عندما أمره الله أن يسكن من ذريته عند البيت الحرام وقد كان واديا غير ذي زرع خالي من أي مقومات للحياة فترك زوجه وولده الصغير هناك وانصرف امتثالا لأمر الله تعالى ورضيت الزوجة عندما علمت أن هذا أمر الله والأمر الثاني عندما رءا في المنام انه يذبح ولده وقد علم أن رؤيا الأنبياء حق فامتثل وقد رضي الولد بذلك
عندما علم أن هذا أمر الله " قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) الصافات . وقد اسلما أمرهما لله وتله للجبين شروعا في تنفيذ الأمر.
والأمر الثالث:- عندما عهد الله إليه بتطهير البيت الحرام للطائفين والعاكفين والقائمين والركع السجود فقام هو واسماعيل برفع القواعد من البيت وأتمه وظل المقام شاهدا على ذلك
تمثل هذه المواقف الثلاثة التي ذكرها القران ثلاث انواع عريضة في مسيرة الابتلاء عموما ووفاء تام وثبات عندها ثبات عند الشدائد وصبر على المحن مهما عظمت وعزيمة في بناء البيت لزواره . ولو تأملناها لوجدناها تصعب حتى على العظماء فمن يتحمل أن يترك أسرته وسط وادي ليس فيه ادني مقومات الحياة ؟ ومن يتحمل أن يقوم بذبح ولده الوحيد الذي وهبه الله إياه على الكبر ويقوم هو بنفسه بذلك؟ إنها أمور فعلا عظيمة يستحق إبراهيم عليها أن يكون إماما للناس وليس الختان وقص الشارب والسواك !!!!!
وهذه المواقف التي عرضها القران أظهرت اليقين في حياة سيدنا إبراهيم يقين بان الله لن يضيع أسرته عندما يتركهما في وادي غير ذي ذرع ويقين بان ما عند الله هو خير من ولده حتى ولو كان الولد الوحيد ويقين بان الله سيعمر هذا الوادي ويجعله حرما آمنا وسيأتي إليه الزوار من كل فج عميق وقد صدق إبراهيم الله فصدقه الله . فالوادي أصبح حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء والولد فداه الله بذبح عظيم ورزقه ولدا آخر عليه هو اسحق ومن وراء اسحق يعقوب والبيت أصبح مثابة للناس وأمنا يأتيه الناس رجالا وعلى كل ضامر من كل فج عميق .
لقد أصبح سيدنا إبراهيم إماما ومثالا لليقين والصبر على البلاء وتحقيق وعد الله لأهل الحق في كل الأجيال
وهناك أقوال أخرى مقبولة فمنهم من قال شرائع الإسلام ، وهي ثلاثون سهما ، عشرة منها في سورة براءة : التائبون العابدون إلى آخرها ، وعشرة في الأحزاب : إن المسلمين والمسلمات إلى آخرها ، وعشرة في المؤمنون " قد أفلح المؤمنون إلى قوله : على صلواتهم يحافظون وقوله في سأل سائل "إلا المصلين إلى قوله : والذين هم على صلاتهم يحافظون . قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما ابتلى الله أحدا بهن فقام بها كلها إلا إبراهيم ،