من أقوال أهل العلم في حديث ( اِختِلافُ أمَّتي رَحمة )
إعداد : عـميـر الجـنباز

هَذا الخَبرُ لا أصلَ لَهُ ، ولم يُوقَف لَهُ على إسنادٍ ، قال السُّيوطيُّ في الجامع الصَّغير : (خرَّجه نَصرُ المقدسي في المحجَّة ، والبيهقيُّ في الرِّسالة الأشعريَّة بغَيرِ سَندٍ ، وأورده الحليمي ، والقاضي حُسين ، وإمام الحرمين وغيرهم، ولعله خُرِّج في كُتبِ الحفَّاظ التي لم تصل إلينا )، ثم قال الشَّارح المناوي : (والأمرُ كذلك ، فقد أسنده البيهقيُّ في المدخل ، وكذا الدَّيلميُّ في الفردوس من حديث ابن عباس ، لكن بلفظ "اختِلافُ أَصْحَابي رَحمة" ) ([1])، وللفَقيهِ محمَّد بن عَبد الرَّحمنِ الدِّمَشقِي الشَّافعي([2]) ، كتابٌ اسمه : “ رَحمةُ الأمَّةِ في اختلافِ الأئمَّةِ ” ، مَبنيٌ على هذا الخَبر .
وهو مُعارَضٌ بقول الله تعالى : وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ.. ، فعن مجاهد-- قال:“وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَقال: أهل الباطل ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ قال: أهلُ الحقِّ، ليس بينهم اختلاف”([3]) .
ورُوي عَنْ مُطرِّف بن الشِّخير –- أنَّه قال:“ لَوْ كَانت الأهواءُ كُلَّها وَاحداً لقال القائل: لعلَّ الحقَّ فيه، فلما تشعَّبت وَتَفرَّقت عَرفَ كلُّ ذي عَقلٍ أنَّ الحقَّ لا يتفرَّق” ([4]).
وَقَالَ أبو محمد ابنُ حَزم –-: “وهذا مِنْ أَفسَدِ قَولٍ يكون؛ لأنَّه لو كانَ الاختلافُ رَحمة لكان الاتفاق سُخطاً ، هذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنَّه ليس إلا اتفاق أو اختلاف ، وليسَ إلا رحمة أو سخط”([5]).
وقَالَ أَبو إسحاق الشَّاطبي –- :“ فإنَّ قَولَ مَنْ قَالَ: "إنَّ اِختِلاَفَهُمْ رَحْمَةٌ " يُوَافِقُ مَا تَقَدَّم ، وَذَلكَ لأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الشَّريعةَ لاَ اِختِلاَفَ فِيهَا، وَإِنِّمَا جَاءَتْ حَاكِمَةٌ بَينَ المُخْتَلفينَ ، وَقَدْ ذَمَّت المُختَلفِينَ فِيهَا وَفِي غَيرِهَا مِنْ مُتَعلَّقَاتِ الدِّينِ ، فَكَانَ ذَلكَ عِندَهُمْ عَامَّاً فِي الأُصُولِ وَالفُرُوعِ، حَسبَمَا اِقتَضْتُهُ الظَّواهِرُ المُتَضَافِرةُ وَالأَدِلَّةُ القَاطِعَةُ، فَمَا جَاءَتْهُمْ مَواضِعُ الِاشتِبَاهِ وَكَلُوا مَا لَمْ يَتعَلَّقْ بِهِ عَمَلٌ إِلى عَالِمِهِ عَلى مُقْتَضَى قَوله تعالى: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِه [آل عمران: 7]، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدُّ مِنَ النَّظَرِ فِي مُتَعلَّقَاتِ الأَعْمَالِ؛ لأنَّ الشَّريعةَ قَدْ كَمُلَتْ ، فَلا يُمكِنُ خُلو الوَقَائِعِ عَنْ أَحْكَامِ الشَّريعةِ ، فَتّحرّوا أَقربَ الوُجُوهِ عِنْدَهُمْ إِلى أَنَّه المقصُودُ الشَّرعيُّ ، وَالفِطَرُ وَالأَنظَارُ تَخَتلِفُ؛ فَوَقَعَ الاِختِلاَفُ مِنْ هُنَا لا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مِنْ مَقصُودِ الشَّارِعِ! ، فَلَو فُرِضَ أنَّ الصَّحَابةَ لَمْ يَنظُرُوا فِي هَذهِ المُشتبهَاتِ الْفَرعيَّةِ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا فِيهَا -وَهُمُ الْقُدْوَةُ فِي فَهْمِ الشَّريعَةِ وَالْجَريِ عَلى مَقَاصِدِهَا-لَمْ يَكُنْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَنْ يَفتَحَ ذلكَ البَابَ لِلأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلى ذَمِّ الاِختِلافِ ، وَأّنَّ الشَّريعةَ لاَ اِختِلاَفَ فِيهَا ، وَمَوَاضِعُ الاِشتِبَاهِ مَظَانُّ الاِختِلاَفِ فِي إِصَابَةِ الحَقِّ فِيهَا ؛ فَكَانَ المَجَالُ يَضِيقُ عَلى مِنْ بَعدِ الصَّحَابةِ ، فَلمَّا اِجتَهَدُوا وَنَشَأَ مِنْ اِجتهَادِهِمْ فِي تَحرِّي الصَّوابِ الاِختِلافَ؛ سَهُلَ عَلى مَنْ بَعدَهَمْ سُلُوك الطَّريقِ ” ([6]) .
قالَ الشَّيخ محمد بن إبراهيم آل الشَّيخ –-: “قَولُهُم: اِختلافُ الأمَّةِ رَحمة ، عندَ النَّقدِ والتَّحقيقِ غَلطٌ ، ورُبَّما تُحمَلُ على مَا إذا كانَ بينَ عالِميْنِ مسأَلة فروعية لم يَدلُّ عليها بنصٍّ ولا ظاهر فيكونُ العملُ بالأَسهلِ من قولهِمَا رَحمةً، إِحسانًا للظنِّ بهم، وإلا في الحَقيقةِ الاختلافُ بينهم عَذابٌ! ، مَعَ مَا يَنتجُ مِنَ البَغضَاءِ وَالعَداوةِ والتَّفرُّقِ وغيرِ ذلك، وأَيضًا هُوَ لمَ يَجئ في النُّصُوصِ إِلا مَذمُومًا، والثَّوابُ على الاجتهادِ لا على الاختلافِ، فالتَّحقيقُ أَنَّ الاجتماعَ رَحمةٌ، والافتراقَ عَذابٌ ” ([7])
فَدَلَّ على أنَّ الاختلافَ ليسَ برَحمةٍ ، إلا بعضَ الاختلاف المبنيِّ على الاجتهادِ الذي ليسَ فيه مُعارَضة لنصٍّ شرعيٍّ صَريحٍ صَحيحٍ ، فهذا قد يكونُ فيه سَعة ورَحمة لبعض النَّاس .
والمُسلمُ لا يَسُوغُ له أن ينتقي مِنَ مَسائل الخِلافِ والمذَاهبِ بما يُوافِقُ هَواهُ وَتَشتَهيهِ نَفسُه ، بل إذا قلَّد إماماً مُعتبَراً مِنْ أَهلِ العلمِ رَأى أنَّ ذمَّته تبرأ بتقليدِه فيلزم قولَه في كلِّ مسألة ، امتثالاً لقول الله تعالى : فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ سورة النحل(43) ، سورة الأنبياء(7) ، إلا إنْ وجدَ حُجَّةً قويةً ، وهي الدَّليلُ الصَّحيحُ الصَّريحُ في المسألةِ ، فَينتَقِلُ من تَقليدِ هذا الإمام المعتبَرِ إلى اعتمادِ هذا الدَّليل فتبرأ ذِمَّتُه .
قَالَ ابنُ القَيِّم--:“وبالجُملةِ، فلا يجُوزُ العَملُ والإفتاءُ في دينِ اللهِ بالتَّشهِّي والتَّخَيُّرِ وَمُوافقةِ الغَرضِ فَيطلبُ القولَ الذي يُوافِقُ غَرضه وغَرض من يُحابيهِ فيَعْمَلُ بهِ ويُفتي بِهِ ويَحْكُمُ به وَيَحْكُمُ على عدوِّه ويُفتيه بضدِّه،وَهَذا مِنْ أَفسقِ الفُسُوق وأكبرِ الكَبائر!،وَالله المستعان ”([8]).




([1]) التيسير شرح الجامع الصغير(1/97) .

[2])) هو صدر الدين محمد بن عبد الرحمن بن الحسين الدمشقي الشافعي العثماني الصَّفدي ، من فقهاء الشافعية ، كان قاضياً للمملكة الصفدية في زمانه ، له كتب منها : (رحمة الأمة في اختلاف الأئمة) وهو المشار إليه ، و(كفاية المفتين والحكام في الفتاوى والأحكام) ، توفي بعد 780هـ . كشف الظنون لحاجي خليفة (1/836) ، هدية العارفين للبغدادي (2/36) ، الأعلام للزركلي (6/193) .

([3]) أخرجه الطبري في تفسيره (18712) ،وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/179) .

([4]) ذكره ابن عبد البر في الجامع (1/178) .

([5]) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (5/61) .

[6])) الموافقات للشاطبي(5/75) .

[7])) مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم: (2/7) .

([8]) إعلام الموقعين (4/211) .