الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
أضع بين أيديكم ردا على بعض المعطلة ممن ينسب تعطيل صفة العلو للإمام الطبري ببتره لقوله من سياقه وإهماله نصوصه الأخرى المبثوثة في كتبه، وقد رردت عليه -بحمد الله- من اثني عشر وجها لا قِبل له بردها بإذن الله تعالى.
أولا، هذا إيراد كلام الطبري دون بتره من سياقه:
قال الطبري : وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه : ثم استوى إلى السماء فسواهن علا عليهن وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات.
ثم ذكر معاني الإستواء فقال:
ومنها العلو والارتفاع ، كقول القائل : استوى فلان على سريره ، يعني به علوه عليه.
والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله : ثم استوى إلى السماء الذي هو بمعنى العلو والارتفاع هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه إذا تأوله بمعناه المفهم كذلك أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها، إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر ، ثم لم ينج مما هرب منه . فيقال له : زعمت أن تأويل قوله : استوى أقبل ، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها ؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل ولكنه إقبال تدبير ، قيل له : فكذلك فقل : علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال . ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله ، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا لقول أهل الحق فيه مخالفا ، وفيما بينا منه ما يشرف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إن شاء الله تعالى. (الطبري 1/457)
ثم قال: وإن قال لنا قائل : أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلى السماء ، كان قبل خلق السماء أم بعده ؟ قيل : بعده ، وقبل أن يسويهن سبع سموات ، كما قال جل ثناؤه : ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها والاستواء كان بعد أن خلقها دخانا ، وقبل أن يسويها سبع سموات.(الطبري 1/457)
أما الحجج البينات في بيان مذهب الطبري من العلو فهي:
1) أن الطبري يرى أن الإستواء مفهوم المعنى وهو الذي رجح قول من قال: الاستواء : "هو العلو ، والعلو : هو الارتفاع". ثم روى عن الربيع بن أنس : ثم استوى إلى السماء يقول : ارتفع إلى السماء. واستدل بقول القائل: " استوى فلان على سريره ، يعني به علوه عليه".
وفي قول الطبري رد على بعض الأشاعرة الذين يؤولون قول مالك: الإستواء غير مجهول : بأنه غير معلوم المعنى و ينسبون له تفويض التجهيل جهلا.
2) وأما قوله : "علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال" وهو ما احتج به هذا المعطل فهذا مبتور من سياق إلزام الخصم ، وإليك البيان:
الطبري كان يبين لخصمه الذين فسر الإستواء بالإقبال هربا من أن يكون تعالى: "علا وارتفع بعد أن كان تحتها" ، فبيّن له فساد ما هرب منه بقوله قل : "علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال" ، يريد الإمام الطبري: أنه لا يلزم من فسر الإستواء بالعلو أن يكون قد قال: بأنه تعالى كان تحت العرش ثم صار فوقه ، فألزمه بقول آخر غير قوله أقرب إلى أصل الكلمة ليفسد عليه قوله ...
ومعلوم عند أصغر طالب علم أن الأقوال لا تؤخذ من سياق إلزام الخصوم ، وقانا الله شر الهوى.
3) لو كان تفسير الطبري للإستواء "علا عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال" للزم من ذلك كفر مقولته و العياذ بالله بالإجماع.
فالطبري يقول أنه تعالى استوى إلى السماء "بعد" أن كانت دخانا و"قبل" أن يسويها سبع سماوات.
يلزم على تفسير العلو بما ذكره المعطل أنه تعالى لم يكن قد ملك ولا تسلّط على السماء وهي في مرحلة الدخان ، وهذا معناه أنها كانت خارج ملكه وسلطانه وهذا كفرلا محالة.
ويؤيد هذا قوله: ثم استوى على العرش الرحمن وعلا عليه، وذلك يوم السبت فيما قيل.
4) قال الطبري في قوله تعالى: وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين
قال الطبري: وقوله : لعلي أطلع إلى إله موسى يقول : انظر إلى معبود موسى ، الذي يعبده ، ويدعو إلى عبادته وإني لأظنه فيما يقول من أن له معبودا يعبده في السماء ، وأنه هو الذي يؤيده وينصره ، وهو الذي أرسله إلينا من الكاذبين.
وقال في قوله على لسان فرعون :( وَإِنِّي لأظُنُّهُ كَاذِبًا ) يقول: وإني لأظنّ موسى كاذبا فيما يقول ويدّعي من أن له في السماء ربا أرسله إلينا.
قلت: الطبري فهم أن موسى أعلم فرعون أن لموسى معبودا [في السماء] وأنه الذي يؤيده وينصره وأنه أرسله.
ولذلك الطبري عند الرازي من المشبهة.
قال الرازي: " احتج الجمع الكثير من المشبهة بهذه الآية في إثبات أن الله في السماوات وقرروا ذلك من وجوه ; الأول : أن فرعون كان من المنكرين لوجود الله ، وكل ما يذكره في صفات الله تعالى فذلك إنما يذكره لأجل أنه سمع أن موسى يصف الله بذلك ، فهو أيضا يذكره كما سمعه ، فلولا أنه سمع موسى يصف الله بأنه موجود في السماء وإلا لما طلبه في السماء . الوجه الثاني : أنه قال : وإني لأظنه كاذبا ، ولم يبين أنه كاذب في ماذا ، والمذكور السابق متعين لصرف الكلام إليه ، فكأن التقدير : فأطلع إلى الإله الذي يزعم موسى أنه موجود في السماء ، ثم قال : ( وإني لأظنه كاذبا ) أي وإني لأظن موسى كاذبا في ادعائه أن الإله موجود في السماء ، وذلك يدل على أن دين موسى هو أن الإله موجود في السماء".
5) قال الطبري في قوله تعالى ( أم أمنتم من في السماء ) "وهو الله " ، والمعنى: أم أمنتم الله الذي في السماء ،
قلت: لو كان المراد علو الملك والسلطان لما احتاج أن يحمل (في) على معنى (على) وذلك لأن معنى قولنا فلان في علو ملك وسلطان جائز ، والمعنى على قول بعضهم: أم أمنتم من على علوِّ الملك والسلطان ، وهذا كلام يُضحك الغلمان.
وأيضا فإن الأسماء أعلام على الذوات ولا تطلق على الصفات إلا بقرينة.
6) قال الطبري: ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ ) يقول: "وهو شاهد لكم أيها الناس أينما كنتم يعلمكم، ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سمواته السبع"
قلت: ختم الطبري بقوله: "وهو على عرشه فوق سمواته السبع" حتى ينزه الله عن الحلو ل في شيء من خلقه بما قد يوهمه قوله تعالى: "وهو معكم أينما كنتم" فهذه يستدل بها الضلال على أنه تعالى في كل مكان.
7) قال محمد بن الحسن المرادي القيرواني المالكي الأشعري (489 هـ) صاحب رسالة "الإيماء إلى مسألة الاستواء": (والسادس: قول الطبري وابن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب وجماعة من شيوخ الحديث والفقه وهو ظاهر بعض كتب القاضي أبي بكر وأبي الحسن، وحكاه عنه أعني عن القاضي أبي بكر القاضي عبد الوهاب نصا وهو أنه سبحانه مستوٍ على العرش بذاته – وأطلقوا في بعض الأماكن فوق عرشه (الأسنى للقرطبي)
قلت: لو كان مراده "علو الملك والسلطان" لكان معني كلام المراد "علا علو ملك وسلطان على عرشه بذاته" وهذا لغة ركيك لا معنى له، فمن المجنون الذي يقول علا بغيره !
8) قال الطبري: وحسب إمرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر. وقال: ليس في فرق الإسلام من ينكر هذا لا من يقر أن الله فوق العرش ولا من ينكره من الجهمية وغيرهم.
وقال: وقال: "فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه"
قلت: والجهمية لا تنكر "علو ملك الله وسلطانه" بالإجماع فلم يبق لنا بالسبر والتقسم إلا علو الذات وجوبا.
وأيضا انظر كيف أنه يثبت الإستواء بما يعقل من حقيقة الإثبات !
9) قال الطبري: في قوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ )
وعني بقوله:( هُوَ رَابِعُهُمْ )، بمعنى: أنه مشاهدهم بعلمه، وهو على عرشه. ثمّ روى عن الضحاك: في قوله:( مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ ) ... إلى قوله:( هُوَ مَعَهُمْ ) قال: هو فوق العرش وعلمه معهم.
قلت: ذكر ذلك حتى لا يقال أنه تعالى يحل في شيء من خلقه
10) الإجماع على أنه تعالى في السماء (وهو ما يسمى بالجهة) خلافا لمتأخري الأشعرية، ولا شك أن الطبري قوله متضمن في هذا الإجماع إذ لو ثبتت مخالفته لذكره من نقل الإجماع، كيف لا وهو إمام المفسرين!
أ) قال ابن رشد في " مناهج الأدلة " : لم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتون لله جهة الفوق حتى نفتها المعتزلة ، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشاعرة كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله - إلى أن قال : والشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء ، وأن منه تتنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين ، وأن من السموات نزلت الكتب ، وإليها كان الإسراء بالنبي . وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء ، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك بالمعقول . وبين بطلان الشبهة التي لأجلها نفتها الجهمية ومن وافقهم - إلى أن قال : فقد ظهر لك من هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل . وأن أبطاله إبطال الشرائع .
ب) قال القاضي عياض : لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى : أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ونحوه ليست على ظاهرها ، بل متأولة عند جميعهم ، فمن قال بإثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول : في السماء ، أي : على السماء ، ومن قال من دهماء النظار والمتكلمين وأصحاب التنزيه بنفي الحد واستحالة الجهة في حقه تأولوها تأويلات بحسب مقتضاها (شرح النووي على مسلم 2/298)
قلت: والطبري: محدث فقيه
ج) قال القرطبي : في تفسير قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى :"وقد كان السلف الأول لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته.
قلت: وقد كان تفسير الطبري من مراجع القرطبي في تفسيره قطعا
11) روى ابن جرير: عن عبد الله بن مسعود ، قال : خلق الله سبع سموات غلظ كل واحدة مسيرة خمس مائة عام ، وبين كل واحدة منهن خمس مائة عام ، وفوق السبع السموات الماء ، والله جل ثناؤه فوق الماء ، لا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم . والأرض سبع ، بين كل أرض خمسمائة عام ، وغلظ كل أرض خمسمائة عام.
قلت: لما أوردت هذا الأثر لبعضهم تمخض فأخرج فأرا بتضعيفه الأثر مع تصحيح الأئمة له
12) روى ابن ابن عباس قوله: إن الله كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا