التكبير المقيد دبر الصلوات في يوم عرفةوأيّام الأضحى عند السلف من الصحابة والتابعين وصفة هذا التكبير.


ينقسم البحث إلى مباحث ثلاثة:


أ) المبحث الأول: ما جاء عن السلف (منالصحابة والتابعين) في التكبير المقيّد في دبر الصلوات.


ب) المبحث الثاني: فهم الأئمة لأقوال السلف في التكبير أنه التكبير المقيد دبر الصلوات.


ج) المبحث الثالث: في التكبير الجماعي بصوتواحد.



د) المبحث الرابع: في مقدار التكبير وعدمقصره على دبر الصلوات.





المبحث الأول: ما صحَّ عن السلف (من الصحابةوالتابعين) في التكبير المقيّد في دبر الصلوات:


أولا، ما جاء عن الصحابة:


1) عن عليٍّ بن أبيطالب:« أنّه كان يكبّر بعد صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيّامالتّشريق، ويكبّر بعد العصر».(مصنف 2/72 بإسناد صحيح من رواية شقيق بن سلمة)


2) وعن عبد اللّه بن مسعود: «أنّه كان يكبّر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النّحر».(مصنف ابن أبي شيبة 2/72 بإسناد صحيح منرواية أبي وائل شقيق بن سلمة عنه وفي المصنف غيلان بن جابر وصوابه غيلان بن جامعكما في الأم للشافعي 7/206)


3) وعن ابن عمر:« كان يكبّربمنًى تلك الأيّام خلف الصّلوات، وعلى فراشه، وفي فسطاطه، وفي ممشاه تلك الأيّامجميعًا».(الأوسط في السننوالإجماع 2199 بإسناد حسن من طريق نافع عنه وفيه محمد بن بكر البرساني صدوق قد يخطىء)


4) وعن ابن عبّاسٍ:« أنّه كانيكبّر من غداة يوم عرفة إلى آخر أيّام التّشريق، ولا يكبّر المغرب، اللّه أكبركبيرًا اللّه أكبر كبيرًا اللّه أكبر وأجلّ اللّه أكبر وللّه الحمد».(الأوسط في السنن والإجماع 2202 من طريق عكرمة عنابن عباس وفيه موسى بن هارون البني: صدوق ربما أخطأ)


وعن عمروبن دينارٍ، قال: سمعت ابن عبّاسٍ، في المسجد: « (واذكروا اللّه في أيّامٍ معدوداتٍ)يوم الصّدر، بعد ما صدر يكبّر في المسجد، ويذكر».(تفسير ابن أبي حاتم 1892بإسناد صحيح من طريق عمرو بن دينار عنه)


ثانيا، ما جاء عن أئمة التابعين:


5) وقالإبراهيم النخعي: « كانوا يكبّرون يوم عرفة، وأحدهم مستقبلٌ القبلة في دبر الصّلاة:اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلّا اللّه، واللّه أكبر، اللّه أكبر، وللّه الحمد».(مصنف ابن أبي شيبة5693 بإسناد صحيح من رواية منصور بن المعتمر عنه)





6) وقال طارق بن عبد الرحمنالبجلي: « أنّه حفظ من قيس بن أبي حازمٍ (من كبار التابعين) تكبيرأيّام التّشريق حتّى صلّى العصر يكبّر بعدها».(مصنف ابن أبي شيبة 5685بإسناد حسن من طريق طارق بن عبد الرحمن البجلي)


وهذه جملة من الآثار عن التابعين من السلف تقتضي تكبيرهمدبر الصلوات:


قالوا عن تكبير من فاتته ركعةٌ في أيامالتشريق التالي:


7) قال مكحول الشامي:« يكبر ، ثم يقوم فيقضي ، ثم يكبر».(مصنفابن أبي شيبة 5868 بإسناد حسن فيه برد (بن سنان الشامي: صدوق رمي بالقدر)


8) قال الحسن البصري: « يكبر معه ، ثم يقوم فيقضي».(مصنفابن أبي شيبة 5871 بإسناد صحيح من طريق يونس بن عبيد عنه)


9) وقال عامر الشعبي:« يقضي ، ثم يكبر».(مصنف ابن أبيشيبة 5869 بإسناد حسن من طريق عبدالله بن شبرمة عنه وفيه محمد بن فضيل الضبي وهوصدوق كما في التقريب)


10) وقال محمد بن فضيل الضبي:« رأيت ابن شبرمة غير مرة ،إذا فاته شيء من الصلاة أيام التشريق قام فقضى ، ثم كبر».(مصنف ابن أبي شيبة 5870بإسناد حسن فيه محمد بن فضيل الضبي وهو صدوق كما في التقريب)


11) وقال ابن سيرين:« يقضي ، ثم يكبر».(مصنف ابن أبيشيبة 5872 بإسناد صحيح من طريق هشام بن حسان عنه)


12) وقال همام (بن يحيى):« رأيت قتادة صلى وحده أيامالتشريق ، فكبر».(مصنف ابن أبي شيبة 5879 بإسناد صحيح)





المبحث الثاني: فهم الأئمة لأقوال السلف في التكبير أنه التكبير المقيد دبر الصلوات:


1) الإمام الزهري:


قال: « مضت السّنّة أن يكبّر الإمام فيالأمصار دبر صلاة الظّهر من يوم النّحر إلى العصر من آخر أيّام التّشريق».(الأوسطفي السنن والإجماع والإختلاف لابن المنذر)


2) الإمام أبو حنيفة:


قال النووي:« فرع في مذاهبهم في صفةالتكبير: قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يستحب أن يكبر ثلاثا نسقا : الله أكبر الله أكبرالله أكبر، وبه قال مالك. وحكى ابن المنذر عن عمر وابن مسعود أنه :الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد،قال : وبه قال الثوري وأبو حنيفة ومحمد وأحمد وإسحاق».(المجموع شرح المهذب)


3) الإمام مالك:


قال مالك بعد أن روى أثر عمر:« الأمر عندنا،أنّ التّكبير في أيّام التّشريق دبر الصّلوات، وأوّل ذلك تكبير الإمام والنّاس معهدبر صلاة الظّهر من يوم النّحر، وآخر ذلك تكبير الإمام والنّاس معه دبر صلاةالصّبح من آخر أيّام التّشريق، ثمّ يقطع التّكبير . قال مالك: والتّكبير في أيّامالتّشريق على الرّجال والنّساء من كان في جماعةٍ، أو وحده. بمنًى أو بالآفاق كلّهاواجبٌ، وإنّما يأتمّ النّاس في ذلك بإمام الحاجّ وبالنّاس بمنًى، لأنّهم إذارجعوا، وانقضى الإحرام، ائتمّوا بهم حتّى يكونوا مثلهم في الحلّ، فأمّا من لم يكنحاجًّا، فإنّه لا يأتمّ بهم إلّا في تكبير أيّام التّشريق . قال مالك: الأيّامالمعدودات أيّام التّشريق».(الموطأ رواية يحيى الليثي)


قال ابن رجب: « وقد قالَ مالك في هذاالتكبير : إنه واجب .قالَ ابن عبد البر : يعني وجوب سنة. وهو كما قال».(فتح الباريلابن رجب)


4) الإمام الشافعي:


قال: « ويكبر الحاجّ خلف صلاة الظّهر من يومالنّحر إلى أن يصلّوا الصّبح من آخر أيّام التّشريق، ثمّ يقطعون التّكبير إذاكبّروا خلف صلاة الصّبح من آخر أيّام التّشريق، ويكبر إمامهم خلف الصّلوات،فيكبرون معًا ومتفرّقين، ليلًا ونهارًا، وفي كلّ هذه الأحوال ؛ لأنّ في الحجّذكرين يجهر بهما التّلبية، وهي لا تقطع إلّا بعد الصّبح من يوم النّحر، والصّلاةمبتدأ التّكبير، ولا صلاة بعد رمي الجمرة يوم النّحر قبل الظّهر، ثمّ لا صلاة منًىبعد الصّبح من آخر أيّام منًى.قال: ويكبر النّاس في الآفاق، والحضر، والسّفر كذلك،ومن يحضر منهم الجماعة، ولم يحضرها، والحائض، والجنب، وغير المتوضّئ في السّاعاتمن اللّيل والنّهار، ويكبر الإمام ومن خلفه خلف الصّلوات ثلاث تكبيراتٍ وأكثر، وإنترك ذلك الإمام كبّر من خلفه، ويكبر أهل الآفاق كما يكبر أهل منًى، ولا يخالفونهمفي ذلك».(الأم للشافعي 1/205)


وقال: « ولا يدع من خلفه التّكبير بتكبيره،ولا يدعونه إن ترك التّكبير».(الأم للشافعي 1/205)


5) الإمام أحمد:


قال ابن رجب: « وقد حكى الإمام أحمد هذاالقول إجماعاً من الصحابة ، حكاه عن عمر وعليّ وابن مسعود وابن عباس».(فتح الباريلابن رجب)


وقال ابن قدامة: « وكذلك النساء يكبرن فيالجماعة وفي تكبيرهن في الانفراد روايتان كالرجال قال ابن منصور قلت لأحمد قالسفيان لا يكبر النساء أيام التشريق إلا في جماعة قال أحسن».(المغني لابن قدامة)


6) الإمام الطبري:


قال: « القول في تأويل قوله: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍمَعْدُودَاتٍ) يعني جل ثناؤه: اذكروا الله بالتوحيد والتعظيم في أيام محصيات، وهنأيام رمي الجمار، أمر عباده يومئذ بالتكبير أدبار الصلوات».(الطبري 3/549)ثم ساق أثار السلف في ذلك


7) الإمام البخاري:


قال ابن رجب:« وقد أشار البخاري إلى مسألتينمن مسائل هذا التكبير . إحداهما : أن التكبير يكون خلف الفرائض». (فتح الباري لابنرجب)


وقال ابن حجر:« وقد اشتملت هذه الآثار علىوجود التكبير في تلك الأيام عقب الصلوات وغير ذلك من الأحوال ...وظاهر اختيار البخاري شمول ذلك للجميعوالآثار التي ذكرها تساعده». (فتح الباري لابن حجر)


8)الإمام ابن المنذر:


وبوب ابن المنذر:« ذكر اختلاف أهل العلم فيالتّكبير في أدبار الصّلوات أيّام منًى" ثم ساق ما روي عن السلف ومن ذلكرواية علي وابن عباس وابن مسعود». (الأوسط في السنن والإجماع)


9) الإمام ابن العربي:


قال:« أجمع فقهاء الأمصار والمشاهير منالصحابة والتابعين على أن المراد به التكبير لكل أحد ، وخصوصا فيأوقات الصلوات ؛ فيكبر عند انقضاء كل صلاة ، كان المصلي في جماعة أو وحده يكبرتكبيرا ظاهرا في هذه الأيام». (أحكام القرآن 1/280)


10) الإمام القرطبي:


قالفالذي عليه فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين على أنالمراد بالتكبير كل أحد- وخصوصا في أوقات الصلوات- فيكبر عند انقضاء كل صلاة- كانالمصلى وحده أو في جماعة- تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام، اقتداء بالسلف رضى اللهعنهم».(تفسير القرطبي 3/3)


11) ابن رشد الحفيد:


قال: « واتفقوا أيضا على التكبير في أدبار الصلوات أيام الحج». (بداية المجتهد 1/221)


12) الإمام النووي:


قال:« وأما التكبير المقيد فيشرع في عيد الاضحى بلا خلاف لاجماع الامة ». (المجموع شرح المهذب 5/32)


13) شيخ الإسلام ابن تيمية:


قال:« أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والفقهاء منالصحابة والأئمة : أن يكبر من فجر يوم عرفة , إلى آخر أيام التشريق , عقب كل صلاة».(مجموع الفتاوى 24/220)


وقال:« وأما التكبير في النحر فهو أوكد من جهة أنه يشرع أدبارالصلوات وأنه متفق عليه». (مجموعالفتاوى 24/222)


14)الإمام ابن رجب الحنبلي:


قال في التكبيرالمقيد دبر الصلوات:« فاتفق العلماء على أنه يشرع التكبيرعقيب الصلوات في هذه الأيام في الجملة ، وليس فيهِ حديث مرفوع صحيح ، بل إنما فيهِآثار عن الصحابة ومن بعدهم ، وعمل المسلمين عليهِ .


وهذا مما يدل على أن بعض ما أجمعت الأمة عليهِ لم ينقل إلينا فيهِ نصصريح عن النَّبيّ ، بل يكتفى بالعمل به ... وقد حكى الإمام أحمد هذا القول إجماعاًمن الصحابة ، حكاه عن عمر وعليّ وابن مسعود وابن عباس». (فتح الباري لابن رجب)





المبحث الثالث: في التكبير الجماعي بصوتواحد:


قالت أمّ عطيّة:« كنّا نؤمر أن نخرج يومالعيد حتّى نخرج البكر من خدرها حتّى نخرج الحيّض فيكنّ خلف النّاس، فيكبّرنبتكبيرهم ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته »، وفي لفظ مسلم: قالت: «كنّا نؤمر بالخروج في العيدين والمخبّأة والبكر، قالت: الحيّض يخرجن فيكنّ خلفالنّاس يكبّرن مع النّاس».(متفق عليه، البخاري 1/183 ومسلم 891) وجه الشاهد منالحديث: فيكبّرن بتكبيرهم.


وعن عبيد بن عميرٍ، قال:« إنّ عمر بنالخطّاب رضي اللّه عنه كان يكبّر في قبّته بمنًى فيكبّر أهل السّوق بتكبيره حتّىترتجّ منًى تكبيرًا ».(أخبار مكة للفاكهي 2575 بإسناد صحيح، ورواه سعيد بن منصورفي السنن، عن سفيان، عن عمرو، عن عبيد بن عمير، به.(تغليق التعليق 2/379)


قال ابن حجر:« وقوله ترتج بتثقيل الجيم أيتضطرب وتتحرك وهي مبالغة في اجتماع رفع الأصوات ».(فتح الباري لابن حجر)


وقال بعض السلف من التابعين عن تكبير من فاتته ركعة أيامالتشريق التالي:


قال مكحول الشامي في من فاتته ركعة أيامالتشريق:« يكبر، ثم يقوم فيقضي ، ثم يكبر».(مصنف ابن أبي شيبة 5868 بإسناد حسن فيهبرد (بن سنان الشامي: صدوق رمي بالقدر)


وقال الحسن البصري:« يكبر معه ، ثم يقومفيقضي».(مصنف ابن أبي شيبة 5871 بإسناد صحيح من طريق يونس بن عبيد عنه)


قلت: وهذا يقتضي منهما أن المصلي يكبر معالإمام ثم يقضي ما فاته من صلاته.





وهذا ما جاء عن الأئمة في التكبير الجماعي:


وقال الزّهريّ:« كان النّاس يكبّرون من حينيخرجون من بيوتهم حتّى يأتوا المصلّى، حتّى يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام سكتوا،فإذا كبّر كبّروا».(أحكام العيدين للفريابي 51 بإسناد صحيح)


وقال مالك:« الأمر عندنا، أنّ التّكبير فيأيّام التّشريق دبر الصّلوات، وأوّل ذلك تكبير الإمام والنّاس معه دبر صلاة الظّهرمن يوم النّحر، وآخر ذلك تكبير الإمام والنّاس معه دبر صلاة الصّبح من آخر أيّامالتّشريق، ثمّ يقطع التّكبير».(الموطأ رواية يحيى الليثي)


وقال الشافعي:« ويكبر الحاجّ خلف صلاةالظّهر من يوم النّحر إلى أن يصلّوا الصّبح من آخر أيّام التّشريق، ثمّ يقطعونالتّكبير إذا كبّروا خلف صلاة الصّبح من آخر أيّام التّشريق، ويكبر إمامهم خلفالصّلوات، فيكبرون معًا ومتفرّقين، ليلًا ونهارًا، وفي كلّ هذه الأحوال».(الأم 1/205)


أحمد: قال ابن منصور:« قلت لأحمد قال سفيانلا يكبر النساء أيام التشريق إلا في جماعة قال أحسن».(المغني لابن قدامة)





المبحث الرابع: في مقدار التكبير وعدم قصره على دبر الصلوات.


اعلم أنّه لم يثبت في شيء من الآثار عددلهذا التكبير وأنّه لم يرد قصر لهذا التكبير في دبر الصلوات بل يكبر في عمومالأيام.