العبادة جوهرها وعلامتها وتعريفها وشرط صحتها وشرط قبولها


تعريف العبادة:
هي كل عمل أذن به الله.
هي كل عمل أذن به الله.
هي كل عمل أذن به الله.

ودليل ذلك قال الله تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ ... (الشورى : 21 ).
وقال : ((من عملَ عملا ليسَ عليهِ أمرُنا فهو ردٌّ))، رواه مسلم.
سواء كان هذا العمل عمل قلب أو قول لسان أو عمل جوارح.
وسواء كان فعل أو ترك فالترك من أعمال القلوب.

وقد ورد في تعريف العبادة عبارات أخرى للعلماء الربانين هذه الألفاظ غير متعارضة بل يوضح ويتمم ويكمل ويشرح بعضها بعضا ومن ذلك:
1- قولهم هي: الطاعة مع الخضوع.
2- وقيل: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
3- وقيل: التذلل لله محبة وتعظيما بفعل أوامره، واجتناب نواهيه على الوجه الذي جاءت به شرائعه.
وغير ذلك كثير، إلا أننا فضلنا وآثرنا النص القرآني وقدمناه على غيره، فهو نص معجز أما غيره فهو نص بشري لا نتعبد الله به بل نتعبد الله بمفهومه الصحيح، ويستثنى من ذلك القول النبوي فهو متعبد بنصه ومعناه وهو من جوامع الكلم التي اختص الله بها رسوله الكريم ، وهو وحي من الله، كما أن القرآن كلام الله وحي من الله.

وعلى هذا تكون الآية القرآنية العظيمة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (الفاتحة : 5 )، بعد قوله تعالى: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (الفاتحة : 4 )، هي أعمال مخصوصة بعد عام، فالدين كما مر معنا(1)
هو كل الأعمال الصالحة والطالحة التي دان بها العبد وعملها في الدنيا، وأجل الله ثوابها وحسابها إلى يوم الدين أي إلى يوم أن يدينهم الله بأعمالهم كما قال ابن عباس ، فيوفي الله سبحانه لهم جزاءهم، أما العبادة فهي الأعمال الصالحة فقط، وأما الأعمال التي لم يأذن فيها الله لا تسمى عبادة لله حتى ولو كانت خالصة له يريد بها العامل وجه الله وحده، فلا يُعْبد الله ولا يتقرب إليه إلا بما شرع على لسان أنبيائه ورسله.

وهذا الشرط اسمه
شرط المتابعة، وشرط صحة العبادة، فالشريعة بكل ما جاءت به من عام وخاص تحكم على العمل فإن كان موافقا لما جاءت به الشريعة يكون عملا صالحا، وأما إذا خالف الشريعة يكون عملا فاسدا، ولا يجوز التعبد لله به.
قال تعالى: ... فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة : 38 ).
وقال : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (آل عمران : 31 ).

وهناك شرط آخر للعبادة، وهو
شرط القبول، أن يكون العامل يريد بهذا العمل وجه الله وحده أو يرد غرضا أذن الله فيه.
فالعبادات الخالصة (الشعائر) مثل التشهد والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وغير ذلك يجب أن تكون لله وحده لا شريك له، إلا في الحج فإنه لو حج وأراد وجه الله ثم أراد التجارة فهذه النية قد أذن الله فيها، فلا تفسد النية الأولى بخلاف كثير من العبادات الخالصة (الشعائر) لا ينبغي أن يخالطها غرض آخر يفسدها، قال رسول الله : ((قال اللهُ تباركَ وتعالَى: أنا أغنَى الشركاءِ عن الشركِ. مَن عمِل عملًا أشرك فيه معِي غيرِي، تركتُه وشركَه))، رواه مسلم.

وأما العبادات الأخرى من الأعمال الفطرية والأخلاق والمعاملات مع الغير ونحو ذلك فإنه لا يلام على فعلها إذا ابتغي بها غرضا أذن الله فيه، بل قد يثاب عليها أحيانا.
قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الأنعام : 162 ).

فإن قال قائل لماذا عدلنا عن كلمة التذلل ولم ترد في التعريف، عند قولنا العبادة: كل عمل أذن فيه الله، مع أن التذلل ملحوظ في المعنى اللغوي.
قلنا أن التذلل والتواضع كما مر معنا(2)
جوهر العبادة في اللغة فالتذلل للخالق المنافي للكبر، وكذلك التواضع مع المخلوقات المنافي للكبر أيضا، ملحوظين في التعريف اللغوي.
ولكن نحن نحكم على العمل بما ظهر والبواطن يثقلها الله ويضاعفها ولو كانت مثقال ذرة، فالتذلل والتواضع هو المقصود الأعلى وإن تخلفا فلا يمنع من الحكم على العمل بأنه عبادة.

وهذا التذلل والتواضع – الملحوظين في المعنى اللغوي – له
علامات في الشعائر وفي المعاملات والعادات والأخلاق:
وعلامة ودليل صدق الشعيرة لله هي التقوى من الجليل والتقوى من أن يفسد الشيطان هذا العمل، والتقوى من العُجْب والرياء وجميع أمراض القلوب التي أمرنا الله من الحذر منها والتي تفسد الشعائر، وقد تزداد هذه التقوى فيكون خشية أو رهبة.
وعلامة ودليل صدق العبادات الفطرية أو المعاملات مع المخلوقات ونحو ذلك هو حسن الخلق وحب الناس لك، قال تعالى: وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (فصلت : 34 ).
وقد جمع الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين التقوى وحسن الخلق في حديث عظيم ففي الحديث: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ عن أَكْثرِ ما يُدخلُ النَّاسَ الجنَّةَ ؟ فقالَ)) : تَقوى اللَّهِ وحُسنُ الخلُقِ))، صححه الألباني عند الترمذي وفي الترغيب والأدب المفرد والموارد والسلسلة.

فإن قال قائل لماذا عدلنا عن كلمة الحب ولم ترد في التعريف، عند قولنا العبادة: كل عمل أذن فيه الله.
قلنا لأن العمل قد يحبه الله لكن لا يأذن في فعله في أحيان معينة، فالعبرة ليست في الحب وحده، ولكن الحب مع الأذن بهذا العمل، مثال ذلك رجل قام يصلى ركعتين لله غير مسببتين قبل العصر بقليل نقول له هذا العمل لا يجوز لك لأنه لم يرد الإذن بذلك، والله أعلى وأعلم.
وعلى هذا فيدل هذا التعريف على فساد قصر كثير من المسلمين العبادات على الشعائر فقط، بل هي تشمل كل عمل سواء كان عمل قلب أو قول أو عمل جوارح، وقوله : ((من عملَ عملا ليسَ عليهِ أمرُنا فهو ردٌّ))، شامل لكل عمل ولا يستثنى من ذلك شيء، وقدوتنا في ذلك هو الرسول الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

فكان ينوي في كل أفعاله وجه الله وحده، لذلك جعله الله إماما للمرسلين، فكان يراقب الله في كل فكر وتحرك قلب وقول وعمل للجوارح، في العمل الدقيق أو العمل العظيم.



==============
قال : ((صلُّوا عليَّ واجتهِدوا في الدعاءِ وقولوا : اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ))، صححه الألباني في صحيح النسائي.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.
...





من كتاباتي/ أبو مالك المعتز بالله محمد جمعة


1) سبق تعريف الدين في موضوع بعنوان: يوم الدين هل أنت دائن أم مدين.
2) سبق ذلك في موضوع بعنوان: شعب العبودية.