وقفاتي في حج 1436

كان لحجتي هذه لون مختلف.
فقد التحقت بالحملة منذ اليوم الخامس من ذي الحجة، وكانت الحملة تتميز بالرفاهية في كل شيء، إلا أن الحج هو جهاد مهما ابتغى بعضهم الترفه فيه، ورغم كل ما تم إعداده وتيسيره، إلا أن المشقة لا بد منها.

_ اليوم الخامس: دون مبالغة تجاوز انتقالي من مبنى الصفوة إلى بوابة الحرم الساعة من شدة الزحام .

_ اليوم الثامن (يوم التروية): كنت فيه في الحرم كان الحرم مختلفا جدا، أين أولئك الحجيج؟!فقبل ذلك بيوم فقط كان مزدحم جدا وأما في ذلك اليوم فلا. فقد توجهوا إلى منى اتباعا للسنة.
بعد أيام من الازدحام الشديد بدا لي يوم التروية في الحرم، وكأنه حزين لفراق الحجيج.

_ اليوم التاسع (يوم عرفة): آلمني جدا عدم استشعار بعض الحجاج عِظَمَ هذا الموقف المهيب.
فإن لم تخشع القلوب في ذلك اليوم، و لم تحج الأفئدة في تلك السويعات، و لم تبكي أو تتباكى حينها ، فمتى سيكون خشوعها وبكاؤها وتضرعها ؟!

وقد نرى مرارا عدم الخشوع وتضييع الأوقات والانشغال بالتوافه وعمل بعض المنكرات في كثير من مواطن الحج وأيامه، إلا أن صورة الخشوع في عشية يوم عرفة لا تغيب غالبا، أما أن يأتي زمان تغيب فيه صورته فكان هذا مؤثرا..

_ ثم بعد غروب شمس عرفة، وفي الطريق إلى مزدلفة، كان لا بد من الوصول إلى القطار، وقد كان الأمر شاقا وصعبا على الحجيج، وكما أنه على مراحل، فبعد المشي عدة خطوات يقف الحجاج زمنا ثم يعاودون السير، وهكذا.

_ وبعد ركوب القطار ولله الحمد انتقلنا إلى مزدلفة، وكان كذلك الوصول إليها شاقا، ولكن كان المكان هناك مريحا ومهيأ بشكل طيب.

_ وبعد أكثر من منتصف الليل، وبعد أن تأكد صاحب الحملة بنفسه من الطريق الموصل إلى القطار ليضمن سلامة وصول الحجاج إليه وعدم تعرضهم ما أمكن للزحام والتدافع، ثم دفعنا من مزدلفة وتوجهنا إلى القطار، وبعد أن وصلنا إلى القطار بعد زمن، أغمي على بعض من كان فيه ممن في نفس الحملة، وانخفض السكر على إحداهن حتى ظننا أنها دخلت في غيبوبة وستموت وقد تغيرت عيناها... وقام من حولها بإعطائها الحلوى و هناك من قدم العصير وآخر قدم الموز وآخر التمر.. وبينما هي كذلك، إذ بدأ رجل آخر في جهة أخرى بالرجفة، فالتفت الناس إليه وقاموا بتقديم ما يلزم، وبينما كانت زوجته متفاعلة معنا في قضية تلك المرأة إذ تفاجأت بأن زوجها الذي كان في الطرف الآخر قد أصابته تلك الرجفة، ففزعت من مكانها الذي كان بجوار هذه المرأة، وهي تبكي فزعا عليه، وهرعت نحوه وقد كان القطار مزدحما جدا وصعب أن تصل إليه رغم قرب المسافة، كم كانت دموعها صادقة ومؤثرة وحبها وخوفها عليه ظاهرا، فقد تحدثت عيناها بذاك الحب، قبل أن تتحرك هي من مكانها، ومضت مسرعة نحوه، لا تدري ماذا عساها أن تقدم له! وكأن لسان حالها يقول: هاك روحي أفديك بها يا قرة عيني.

واختنق بعضهم فحاول أحد الناس فتح مخارج الطوارئ، لكن عموما ولله الحمد تجاوزنا ذلك الموقف، ووصلنا إلى الجمرات بعد أن مشينا مسافة طويلة لنصل وكان حال الكثير في جهد بالغ، ثم رمينا ثم انطلقنا الى الحرم ووصلنا مع الفجر ،وهناك منا من ذهب إلى الفندق للراحة، ومنا من ذهب إلى الحرم لطواف الإفاضة .

_ اليوم العاشر(يوم النحر) :وعندما وصلنا صلينا الفجر ثم صلينا صلاة العيد وكان قليل من الناس من جاء لصلاة عيد الأضحى، فلم يكن كعيد الفطر، صلينا العيد ..وبعد أن عدنا سمعنا بما قد حصل في الجمرات سبحان الله قد كنا لو شاء الله مع أولئك ممن مات محرما.. لكن تلك أقدار الله تمضي فينا.

_مرت ليالي منى الأخرى يسيرة.
كانت الحملة تقضي طوال النهار إلى العشاء في الفندق، ثم نذهب إلى منى وبعد الفجر نرجع مما يسر لي الصلاة في الحرم في الأوقات الأخرى.
وقد صليت مع هذه الحملة صلاة عيد الأضحى، وفي أيام التشريق صلاة الجمعة، وقد كان ذلك غير متيسر لي في أيام الحج غالبا، مما آنسني جدا، ولله الحمد والمنة.

_كان لي وقفات مع من قابلت فكم من النساء تجلى لطف الله في حياتهن فقد أبدل الله حالهن من حال إلى حال.
فلا يأس ولا جزع فالله لطيف وحكيم ، فكما نرى ضيقا وعسرا فكذا يكون فرجا ويسرا، بل فرجه أكثر وأعظم.

_ كم من النساء من جاءت بألم كالجبال لفقد ولد أو عزيز، وأخرى قبل الحج بأيام فقدت البصر في إحدى عينيها وهي طبيبة، لكنها مَدرسة في الرضى والشكر، إذ تقول فقدتها قبل الحج، وليس في أيام الحج مما يسر لي مراجعة المستشفى ومعالجة الوضع نسبيا، ولو فقدت بصري نفس يوم مجيئي قد يكون حائلا بيني وبين الحج، وكما أن مجيئي للحج ادعى للسؤال والتضرع والإجابة.

_ رأيت أخوات تعلقت قلوبهن بهذا البيت أيما تعلق فأصبحت بحق مهوى أفئدتهن.
فللحرم هوى، وكم يشتاق القلب إليه، وكم تحن النفس للصلاة والطواف فيه..، والنظر إليه والمجيء إليه، ولو كنت ترتاده كل عام، بل ولو كنت تحيا في مكة المكرمة !

_ رأيت من بعض العاملين في الحملة العناية البالغة بالحجيج والحرص إلى حد عجيب على رعايتهم، وهذا مما يُحمد لهم.
وما أجمل أن يجتمع العمل والإتقان بالإخلاص لله.

_ مما وقفت عليه أننا نحمل هما، ونرجو نصرا، وإن كان ذلك الهم يتجلى أمامنا في كل حين إلا أنه في الحج، قد كان جُلَّ الدعاء للأمة، وأشد التضرع لنصرتها و لعزتها ولأسراها و للضعفاء فيها.
فتلك شعيرة تتعدد في جنباتها وأزمنتها و فيمن صدق من أصحابها ما هو مظنة الإجابة.

_ قد كان الموت يسري حولنا، وقد كنا في ذلك المكان قَبلُ أو بعدُ بقليل، أو كان الأصل أن نكون هناك ولكن حال دون ذلك حائل، سواء أكان ذلك مكانا أو زمانا منذ حادثة الرافعة أو الجمرات أو ما بعدها.
لكن الموت يأتي متى شاء الله وكيفما شاء وأينما شاء كما هي كل أقداره.

_ مهما كنت غنيا مترفا فالحج حج ،والحج جهد، وبعض المترفين لا يفقه ذلك فيغضب متى نقص شيء من رفاهيته متناسيا أنه حاج.
_ قد كانت لي وقفة كذلك مع الجمرات : حصيات نجمعها من بين ذرات التراب ،لنرميها ثانية في التراب، كما هو العبد خلق من تراب ومآله إلى التراب (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)
هل ستحتفظ بهذه الحصيات زمانا طويلا ؟! علاقتك بها أياما معدودات ثم ترميها.
هل أدركت؟! حياتنا أيام معدودة على هذه الأرض، فالخلود ليس هنا.
وذاك الذي ترميه بتلك الحصيات تذكر به عداوة الشيطان لك ،فارم الجمرات استجابة واتباعا بتلك الحصيات ، واعزم على ردك لكيد الشيطان مدى حياتك ما استطعت .

_ قد تجد من بعضهم بُعدًا عن الله في صورته وهيأته، لكنك متى أشفقت عليه ووجَّهته ينتصح بإذن الله.
فلا تظنن به ظن سوء ولا تسيء في نصحك إياه، وهذه الأيام والشعائر تجعل للقلب إقبالا، حاول أن تنتفع به في دعوتك.

_ قد يحتج بعضهم في خطئه بأخطاء الآخرين، وليس ذلك مبررا صحيحا يبيح لهم الخطيئة، ولا يُعدُّ جوابا مناسبا لسؤال الله له عند مقامه بين يديه.
وعلى العبد أن يُعِد لكل سؤال جوبا صحيحا، وأن يقدر لذلك المقام قدره، قال تعالى( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى).
فهل سيكون اعتذارك صحيحا لو احتججت بفعل كل الناس للخطيئة، أو بكونك خيرا من كثير ممن هم أشد منك شرا، أو بأن ذلك الأمر كان معتادا بين الناس، بماذا ستجيب حيال تقصيرك أو خطئك؟!.

_ كن قدوة في نفسك قبل أن تكون داعية بقولك فما يرى منك أكثر تأثيرا من كلماتك.
ولكي تبقى بصماتك مدى العمر فيمن نصحت أو وجّهت، لا بد أن تَخُطَّ تلك البصمات بصدق السريرة والعلانية، فتتجلى آثارُك بين الأنام قوية ثابتة.

_ للحجيج صورة حبيبة إلى النفوس، فهم ضيوف كرام نحبهم ونتعبد الله بالإحسان إليهم، وبهذا الشعور نحوهم سيكون إيثارك لهم بالدعاء وبتقديم العون لهم.

_ لو كان هناك تعظيم للحرمات وللشعائر لما وقعت كثير من الأخطاء والمخالفات، ولكان التوقير والتعظيم وفعل الخير هو ديدنهم ، فإن لم يكن ذلك فلا أقل من أن تكون إماطة الأذى سواء أكان ماديا أو معنويا على أقل تقدير هي شعار الحجيج وغيرهم.
فإن لم يُحسن العبد فلا أقل من أن لا يُفسد.
اللهم تقبل من الحجيج وتب عليهم وردهم سالمين.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أ.د. إبتسام بدر الجابري