أما بعد فهذه أوراق من كتاب الرد على أصناف النصارى لعلي بن ربن الطبري المهتدي للإسلام مؤلف كتاب فردوس الحكمة في الطب وكتاب الدين والدولة في إثبات نبوة خير البشر .
وكان الكتاب قد اكتشف سنة 1934 بخزانة شهيد علي بتركيا على يد الراهب بويج وكتب عنه مقالا في مجلة der islam الألمانية. ثم قام كل من كوتشه وخليفة بنشر تلك النسخة المبثورة منه في مجلةmelanges de l'université de st JOSEPH ببيروت سنة 1959م.
وما أنشره هنا من نص قد صححت أغلاط الناسخ الكثيرة التي شابته. ولم يتيسر لي نقل النص المنشور برمته.

وسيرى القارئ النقد الخطير الذي وجهه المؤلف لنص الأمانة التي دون فيه النصارى عقيدة التثليث. وقد ّّّّأثر الكتاب بشكل كبير على الحسن بن أيوب وعلى يحيى وعلى غيره من الكتاب المسلمين.
وإليكم نص الكتاب:

---------.

الرد على أصناف النصارى
لعلي بن ربن الطبري




بسم الله الرحمن الرحيم و ما توفيقي إلا بالله.

قال الفقير إلى الله الراجي عفوه و مغفرته (علي بن ربن المهتدي)
الحمد لله رب العالمين, وصلواته على أنبيائه أجمعين, و آلهم الطيبين الطاهرين, و ذريتهم تترا إلى يوم الدين, وهو حسبي (ونعم الوكيل) أما بعد فإن من شأن كل ذي دين أن يفضل دينه[و لا] يحب دينا غيره. ولا سبيل إلى معرفة الأفضل من الأرذل إلا باختبار, ولا يكون الاختبار إلا بالعقل, و لولا العقل لما عرف أن لنا صانع , وأنه إله واحد فرد صمد قديم أزلي, وأنه غلوب وهوب. و من لم يستعمل العقل جهل, ومن جهل فقد ضل, ومن ضل فقد كفر. ولقد دعاني القديم من ذلك إلى أن ألفت كتابي هذا للتنصل من دين النصرانية, و الإعذار و النصيحة للنصارى كافة, ولئلا يقول قائل منهم أو من غيرهم أني إنما تركت دين النصرانية, الذي كنت عليه من أول عمري إلى أن بلغت من العمر سبعين سنة, ورغبت في دين الإسلام الحنيفي, كي أبيع دنيا بدين أو سرورا بغرور. بل ما توخيت فيما ألفت من كتابي هذا إلا القربى إلى الله , و الإعذار و الإنذار إلى كافة النصارى, و رجوت أن يكون ذلك على طريق النصيحة لهم, وإن كنت لا أشك أنهم يردون وجوههم عنه و آذانهم, وينقلبون ولا يقبلون, وأفوز بأجر الناصح (7) المأجور, ويبوء من تأبى وذمني, بإثم المعاتب الموزور, وما ذلك بمانع أهل الشفقة و المحبة من تأدية الحق وإبداء العذر, وأن الرجل ربما دعته الشفقة والرأفة على ولده أن يسقه الأدوية المرة الكريهة المنتنة بل ربما اعتراه في جسده داء فقطع عضوا من أعضائه مخافة أن يسري في جسده كله فيهلكه, وما أيسر هلاك البدن, وهو الغم العاجل, وأما هلاك النفس فهو خسران الأجل كما قال المسيح لتلامذته( لا تخافوا قلة الأبدان بل اتقوا قلة الأنفس المكذبة المضلة)
و ليس قصدي, فيما أتيت به وأثبته في كتابي هذا, رد على المسيح ولا على أهل حقه بل على من خالف المسيح و الأناجيل و حرف الكلمات من صنوف النصارى. و لن يتصفح كتابي هذا مسلم إلا ازداد سرورا بالإسلام, ولن يقرأه نصراني إلا وقع بين أمرين عظيمين. إما مفارقة دينه, ومعاتبة سره, وإما الإعتاب على ما هو عليه, و الشك فيه ما تبقى من عمره لما يتضح عنده من حجة العقل و صحة النقل إن شاء الله تعالى. وأنا ذاكر أولا دين الإسلام, ثم أسأل النصارى عن سبع مسائل سميتها المسكتات العواذل لأنها تسكت المسؤول المنصف و تبكته, و لأن النصارى إن وافقوني عليها خرجوا من دينهم الذي يدينون به, وإن خالفوني خالفوا التوراة والإنجيل. ثم أتبع هذه المسائل مسائل أخر تقوية للسبع الأول, وأذكر بعد ذلك سبعة أوجه من التناقض التي وجدتها في شريعة إيمانهم. ثم أذكر أصناف النصارى وما يلزم كل صنف من الحجة في مذهبه, وأشرح ما معنى الأبوة والبنوة و الحلول, بوجه من البراهين لا مخرج لهم منها ولا محيد عنها, وأفسر بعون الله تعالى الكلمات التي تأولوها بخلاف معانيها(في الإنجيل) , وأذكر التحريف و الفساد الموجود فيها . فأنا أثبت جميع ما احتجوا به من كتبهم بالسريانية بعينها لئلا يشعر شاعر أو يحتج معاند إن شاء الله تعالى.
و الإسلام هو الإيمان بالله الحي الذي لا يموت الواحد الفرد الملك القدوس الجواد العدل, إله إبراهيم و إسماعيل و يعقوب و عيسى’ وسائر النبيين, و إله الخلق أجمعين, الذي لا ابتداء له ولا أنداد ولا أولاد ولا أتراب ولا أنساب , وأنه خالق الأشياء كلها, لا من شيء ولا على حد, ولا مثال بل كيف شاء, وبأنه قال لها كوني فكانت على قدر واحد, وهو القدير الرؤوف الوهوب الذي لا يظلم مثقال ذرة, ولا يشبهه شيء في الأرض ولا في السماء, وهو الغالب الذي لا يغلب, والجواد الذي لا يبخل, و العالم الذي لا يجهل. لا يفوته ظلم ظالم, ولا تخفى عليه خافية, يعلم ما يلج في الأرض, وما يخرج (8) منها وما ينزل من السماء, وما يعرج فيها وكل له قانتون, وأن محمدا نبيه ورسوله, وكذلك موسى, وعيسى صلوات الله عليهم أجمعين, و سائر الأنبياء لا نفرق بين أحد من رسله, و أن الساعة آتية لا ريب فيها و أن الله يبعث من في القبور. وأن الأبرار لفي نعيم و أن الفجار لفي جحيم. فهذه شريعة أهل الإسلام و دينهم.
[ المسائل السبع المسكتات]:
و أول المسائل المسكتات: أنا نسأل النصارى عن هذا التوحيد الذي شرحته, والإيمان الذي وصفته هل هو حق أم باطل؟ فإن قالوا حق, فالذي هم عليه باطل لأنهم يؤمنون بثلاثة آلهة, بل أربعة, وهم الاب والابن و الروح القدس, و إنسان أزلي وهو يسوع المسيح. و حقيقة ذلك في شريعة إيمانهم التي أنا مفضح لها و مبدي سرها, و أنها تنطق بأن يسوع المسيح مخلوق وليس بخالق كما يقولون, فإن قالوا أن ما شرحت في التوحيد باطل, كفروا بما جاء به موسى و عيسى و سائر الأنبياء , وكلهم موحد مخلص.قال الله تعالى لموسى في التوراة- وكل النصارى يشهدون بها- (إنني أنا الله" أهيا أسر أهيا" إله إبراهيم و إله إسحاق و إله يعقوب هذا اسمي إلى الأبد, وهذا ذكري إلى دهر الداهرين) و قال في السفر الثاني ( أنا الرب إلاهك فلا تعبد إلاها غيري, ولا تسجد له, ولا تشبه بي شيئا مما في السماء ولا مما في الأرض ول مما تحت الماء ) .
وقد كان يسوع المسيح – صلوات الله عليه- في الأرض, فمن قال إنه الله, فقد عصى الله. و قال لموسى – في تسبيح- له (أنا الله-- واعلموا أني أنا وحدي وأني أنا أميت وأحيي وأنا أسقم وأنا أشفي ولا ينجو مني ناج ) . وافتتح متى الإنجيل الأول فقال ( كتاب مولود يسوع المسيح ابن إبراهيم ) وهذا إقرار بأن الله قديم لا يتولد, فإن المتولد محدث, وليس الله محدثا بل هو محدث كل حادث. و قال متى تلميذ المسيح في الفصل الرابع من إنجيله أن ( رجلا قال للمسيح أيها الحبر. فقال المسيح مجيبا له لم سميتني حبرا ليس الحبر إلا اله وحده) وقال يوحنا في الفصل السادس(9) عشر من إنجيله( أن المسيح رفع بصره إلى السماء وتضرع إلى الله وقال إن الحياة الدائمة, يجب للناس أن يعلموا أنك أنت الله الواحد الحق وأنك أنت أرسلت يسوع المسيح ) . فهذا هو التوحيد المحض المصرح, و الاعتراف بأنه مبعوث, وهذا إيمان المسيح وجميع الأنبياء ( لا ما افتراه ضلال النصارى ) اغترارا شديدا و جرأة على الله المجيد. فإن قال قائل منهم "إن المسيح وإن كان وحد واعترف أنه مبعوث كما في الإنجيل فقد اعترف في غير موضع أنه الأزلي الخالق", فقد شنع على المسيح أقبح التشنيع ونسبه إلى التناقض باعترافه مرة بأن الله واحد وأنه مبعوث, وادعاؤه بعد ذلك أنه خالق أزلي. والمسيح برئ من ذلك, ومن نسبه إلى ما يليق بالعقل. لأن الإنجيل نطق أنه قال( إني لم أجئ أعمل لمشيئتي بل لمشيئة من أرسلني) وقال متى تلميذ المسيح في إنجيله(أن الشيطان دعا المسيح أن يسجد له وأراه ممالك الدنيا و زبررجدها وزخرفها ثم قال اسجد لي لأجعل هذا كله لك فقال المسيح إنه مكتوب ألا تعبد إلا الرب إلاهك ولا تسجد لشيء سواه) .
المسألة الثانية من المسكتات: أنا نسألهم عن ما وصف به المسيح نفسه هل يكون محقا في بعض و مبطلا في بعض؟ فإن قالوا "إنه محق في بعض ذلك, ومبطلا في بعضه" كفروا به و كذبوا بأخباره, وإن قالوا إنه محق في جميع ذلك, فقد أقروا بأنه مبعوث, وأنه مربوب, وأن الله واحد فرد كما قدمت وبينت من قوله, وهذا خلاف لما في شريعة إيمانهم التي تقول " إنه إله حق من إله حق" فمن قال في المسيح بمثل ما قال في نفسه فهو المؤمن به, ومن قال فيه بخلاف ما وصف به نفسه فهو المخالف المغرور, لأن المسيح قال عن نفسه[في] ما حكاه عنه يوحنا في آخر إنجيله(ها أنا ذاهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم) , وقال[متى] في الفصل الرابع من إنجيله أن المسيح قال لتلامذته(من قبلكم وآواكم فقد قبلني , ومن قبلني فإنما يقبل من أرسلني, ومن يقبل نبيا باسم نبي فإنما يفوز بأجر من قبل النبي) وقال يوحنا التلميذ في الفصل الخامس من إنجيله (إنني لم أجئ أعمل لمشيئة نفسي بل لمشيئة(10) من أرسلني, ومشيئته أن لا أضيع شيئا مما وهبه لي) فهذا الإقرار بأنه موهوب مبعوث و ليس بجحود.
الثالثة من المسكتات: أنا نسألهم عن الأزلي الخالق هل يتغير عن حال قدمه و جوهريته و تحاف عليه الأمراض والموت أم لا؟
فإن قالوا إنه يتغير أو يموت, فقد مات إيمانهم, وكان قائل هذا القول كمن شبه الله تعالى بالأنعام, وكمن شبه المسيح بالكلاب والخنازير, وكمن شبه إشعياء النبي بالحمر والبقر في قوله في كتابه( عرف الثور من اقتناه, والحمار مربط ربه, ولم يعرف بنوا إسرائيل قدر ذلك) .
وإن قالوا" إن الأزلي الخالق لا يتغير ولا يموت" خالفوا شريعة إيمانهم, ومن خالفها كان عندهم كافرا بها, فإنها تقول"إن يسوع المسيح خالق غير مخلوق, وأنه إله حق من إله حق من جوهر أبيه, وأنه قتل وصلب و أولم" فإلههم إذا قد تغير ومات, وأنا موضح فساد هذه الشريعة و تناقضها, وأنها [لا] تثبت للحق بل تنتثر انتثارا , وإذا صح فسادها فسد الإيمان, ومن أقام على إيمان فاسد أقام على غرر عظيم.
الرابعة من المسائل المسكتات:
أنا نسألهم عن هذه الشريعة - التي لا اختلاف بين جماهيرهم فيها, ولا يتم لهم قربان إلا بها- هل هي حق من أولها إلى آخرها, أو باطل كلها أو بعضها حق وبعضها باطل؟ فإن قالوا" بعضها حق و بعضها باطل", أبطلوا بعض الإيمان وكفروا به, وفي بطلان بعضه فساد كله, وإن قالوا هي حق من أولها إلى آخرها, فمفتتح[تلك الشريعة] يقول " إنما نؤمن بالله الواحد الاب مالك كل شيء, وصانع كل ما يرى, وما لا يرى", فإن كان ذلك صحيحا فالمسيح إذا مخلوق مبعوث, لأنه لا يخلو أن يكون من الأشياء التي ترى أو من الأشياء التي لا ترى, فمن أيها كان فهو مخلوق, والله خالقه لقول شريعة الإيمان" إن الله خالق من يرى ومن لا يرى", وإن احتج محتج و قال"إن في آخر الشريعة بعينها ما يشهد لهم بأن المسيح هو أيضا إله حق من إله حق, وأنه خالق كل شيء" كان الجواب فيه, إن كان آخر شريعتهم موافقا لأولها فالأمر كما قلناه, وإن كان آخرها مخالفا لأولها فالشريعة إذا فاسدة متناقضة, وإذا فسدت الشريعة فسد الإيمان بها, وضل المؤمنون بها, ولا أعلم من الهثهاث و الهث شيئا أشنع من أمة تقوم بين يدي إلهها فترفع أصواتها فتقول" نؤمن بأنك أنت الله الواحد وأنك خالق كل ما نرى وما لا نرى" ثم يقولون" نعم يا رب و نؤمن بإله آخر هو خالق الأشياء كلها مثلك" ولو خاطب رجل بمثل هذا الخطاب سيدا أو سلطانا لكان ذلك سخفا منه(11) واستخفافا بقدرته فكيف بمن يخاطب بمثـل هذا القول الخلاق العليم تعالى الله عن مثل هذا القول.
الخامسة من المسائل المسكتات:
أنا نسألهم عن المسيح هل هو الخالق الأزلي كما في شريعة إيمانهم أم هو إنسان مصطفى كما في شريعة إيماننا أم هو إله و إنسان كما قالت طوائف منهم؟ فإن قالوا هو إنسان مخلوق مبعوث, وافقوا المسلمين في شريعة إيمانهم, وإن قالوا بل هو إله خالق أزلي, خالفوا الإنجيلات و غيرها من الكتب, وكفروا بها. فقد قال متى في الفصل الثامن من إنجيله- يستشهد بنبوءة إشعياء-(بشأن) المسيح –- حين قال عن الله (هذا عبدي الذي اصطفيته و حبيبي الذي ارتاحت له نفسي ها أنا ذا واضع روحي عليه و يدعو الأمم إلى الحق) وهذا تصريح بحجة و إشعياء نبي وليس بمتهم, والمحتج بنبوته الإنجيل. فالعبد لا يكون إلاها والإله لا يكون عبدا كما وسمتموه, فتدبروا ذلك أيها النصارى. وقد قال مارقس التلميذ في إنجيله إن المسيح قال وهو على الخشبة(يا إلهي (لم) خذلتني) وذلك آجر كلام تكلم به في الدنيا, وقال متى في الفصل العشرين من إنجيله أن المسيح تناول خبزة فكسرها وناول الحواريين كسرة وقال(هذا لحمي وناولهم كأسا فيها مشروبا وقال هذا دمي) . ومن كان له لحم ودم فهو جسم, وكل جسم له طول وعرض وعمق, وما كان كذلك فهو مذروع موزون, والله لا يذرع ولا يوزن لأن كل مذروع متناه محدود, وكل متناه صائر إلى البلا والفساد, وقال لوقا في الفصل الثالث من إ نجيله يصف المسيح إذ كان صبيا فيقول(إن الصبي كان يتربا في قامته وحكمته ويتزيد عند الله وعند الناس) , وقال في هذا الفصل(إن الصبي كان يتربا ويقوى بروح القدس, ويمتلئ حكمة, وكانت نعمة الله ظاهرة عليه) , ومحال أن يقول الأزلي الخالق إن له إلاها, ويقال فيه إنه إذ كان صبيا كانت نعمة إله أزلي آخر ظاهرة عليه. وقال يوحنا في الفصل الخامس عشر من إنجيله أن المسيح قال لتلامذته(12) (إن كلامي الذي سمعتموه هو كلام من أرسلني)
وقال في هذا الفصل(إن أبي أجل وأعظم مني) , وقال يوحنا في إنجيله عن المسيح(كما أمرني ربي فكذلك أفعل فقوموا نمضي(من هذا المكان) فإني أن الكرم الحق و أبي هو الفلاح) وقال في الفصل الرابع عن المسيح أنه قال(أسأل أبي أن يعطيكم فارقليط آخر) (النور المضيء الذي لا يزل عن الطريق, كيف يقال له كذا يقول وهو يشهد عي وأنتم تشهدون وأنا أنبئكم بالأمثال وهو يأتيكم بالبيان) وقال لوقا في آخر إنجيله أن المسيح دخل على تلامذته بعد أن قام من بين الموتى وهم مجتمعون في غرفة قد أغلقوا بابها فارتابوا به وارتاعوا منه وظنوا أنه روح من الأرواح قد ولج بابهم( وعلم المسيح وجلهم من ذلك من ذلك فقال لهم جسوني يا هؤلاء واعلموا أن الأرواح لا يكون لها لحم و عظم مثل ما تجدون لي من اللحم والعظم) وقد علمنا أن اللحم والعظم مصنوعان و أن صانعهما ليس بجسم بل هو مبتدع الأجسام, فمن قال إن المسيح مربوب و أنه كان صبيا يذهب طولا وعرضا وأن من كان كذلك فليس بأزلي خالق بل مخلوق فقد وافق المسيح و تلامذته, ومن قال بخلاف ذلك فهو مخالف لهم أجمعين, ونحن الموافقون لله و لمسيحه, وقد يخرج عليهم من هذا القول كبيرة أخرى أزرى وأشنع من الأولى, وهي أن المسيح إن كان أزليا خالقا كما في شريعة إيمانهم لزمهم أن يجعلوا بعض الرب خالقا أزليا وعضا ميتا مخلوقا لأن المسيح مقر بأنه لحم ودم, فاللحم والدم إذا خالقان أزليان, وقد علمنا أنهما يتولدان على الأغذية والأشربة, وتلك الأغذية و الأشربة أجزاء من أجزاء الدنيا فخالق الدنيا كلها جزء من أجزاء الدنيا, وذلك الجزء بعينه هو خالق نفسه أيضا لأنه جزء من الدنيا التي هو خالق كلها, فهذا أشنع ما يكون من البهتان وأبعد ما يكون من المعقول, ومن قبل ذلك ودان به جعل المخلوق خالفا والخالق مخلوقا كما بينا آنفا وذلك أنهم صيروا اللحم و الدم خالقا أزليا والأزلي الخالق لحما ودما, وبهذا تنطق شريعة إيمانهم لقولها إن المسيح خالق غير مخلوق, ويلزمهم أشنع من هذه, وذلك: إن كان بعض الدنيا هو خالق جميع الدنيا, وبعض الشيء لا يكون موجودا إلا بعد(13) وجود كله وما ليس بموجود, ولا معقول فهو لاشيء, فخالق الدنيا عندهم معدوم غير موجود, ومجهول غير معقول, وإذا كان خالقها غير موجود فهي إذا غير مخلوقة, وأظن أصحاب هذه الشريعة قصدوا إلى هذا المعنى بعينه لا إلى غيره, والمثل في ذلك قول من قال: إن جزءا من أجزاء الإنسان هو خالق الإنسان كله, وقد علمنا أن ذلك اللحم لم يكن قبل الإنسان, وما لم يكن قبل الإنسان فهو لاشيء.
السادسة من المسائل المسكتات:
[أنا] نسألهم عن المسيح هل كان في بلد من البلدان, وفي زمان من الأزمنة أم لا؟. فإن قالوا: إنه لم يكن في بلد ولا [في] زمان, فقد خالفوا الإنجيل, فإن متى التلميذ يقول في أول إنجيله: أن المسيح ولد في بيت لحم المنسوب إلى يهوذا, وأنه ولد في أيام هيرودس الملك , ويقول لوقا في إنجيله أنه وجد في المعلف مقموطا , وقتل في أيام فيلاطوس الملك , ومن كان في زمان من الأزمنة وفي مكان من الأمكنة فالزمان أبدا قبله والأمكنة كانت محيطة به, وما كان كذلك فهو مخلوق, ومتى ثبت أن المسيح مخلوق بطلت شريعة إيمانهم التي تقول: إنه إله حق من إله حق, وأنه خالق كل شيء. لأن الزمان شيء من الأشياء المخلوقة, والزمان قبل يسوع المسيح الذي خلق الأشياء كلها فكيف يجوز أن يكون الزمان قبل خالق الزمان والمكان محيط بمبتدع المكان؟ وهذا من أشنع ما يكون من العائط والبهتان, والمولود الذي ولد في زمان وحصره مكان فهو إنسان ابن إنسان, وعبد ابن أمة, وفي هذا نقض الشريعة, وإبطال الدين(...) وقطعت حججهم ومعاذيرهم فيما اختلقوا.
السابعة من المسائل المسكتات: أني وجدت يوحنا التلميذ يقول في الفصل الخامس من إنجيله( كما كان الاب حياة في جوهره فكذلك أعطى الابن حياة في قوته) . وقال يوحنا التلميذ أيضا في الفصل الخامس من إنجيله:(أن المسيح قال: ( إني لو كنت أنا الشاهد لنفسي على صحة دعواي لكانت باطلا ولكن غيري يشهد لي وأنا أشهد لنفسي و يشهد(14) لي أبي الذي أرسلني)





[ولنص الكتاب بقية ...]