حق إفشاء القرآن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد؛
فإفشاء القرآن حقٌّ من حقوق القرآن أمر به النبي صلى الله عليه وسلّم، وفيما يأتي نبين المقصود بهذا الحقّ، وكيفية القيام به. والله المستعان.
الإفشاء لغة:
فشا الشَّيءُ يَفْشو فُشُوًّا إذا ظَهَرَ، وهو عامٌّ في كلِّ شيءٍ ومنه : إفشاءُ السِّرِّ. وفشا وتَفَشَّى: تَوَسَّع وكَثُر وظَهَر.
الإفشاء اصطلاحًا:
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للإفشاء عن معناه اللغوي. فإفشاء القرآن بمعنى إظهاره ونشر علومه، وتكثير القيام بحقوقه كمًّا وكيفًا.
حقّية إفشاء القرآن:
عن عقبة بن عامر قال: كنا جلوسًا في المسجد نقرأ القرآن، فدخل علينا رسول الله ؛ فقال: «تعلَّموا كتاب الله، وأفشوه، وتغنُّوا به؛ فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من العِشار من العُقُل»[1].
كيف يؤدى حقُّ إفشاء القرآن؟
قال الطيبي: قوله: «(وأفشوه) أي سمِّعوا الناس قراءته، وعلِّموهم، وأكثروا من كتابته، وتفسيره، وتدريسه»[2]. وقال القاري:«(وأفشوه): أي بالجهر، والتعليم، وبالعمل، والكتابة، والتعظيم»[3].
فإفشاء القرآن يكون بإظهاره، روايةً ودرايةً ورعاية؛ بحيث ينتشر بين عوامِّ المسلمين الأخذُ بروايته بإتقانٍ، فيكثر المستظهرون له والمجوّدون، والآخذون برواياته وقراءاته، العالمون برسمه وضبطه، حتى لا تخلو منهم محلة، ولا يشغر منهم زمان، ولا تستغرب مصطلحات القراء والمجوّدة، وبحيث إذا أخذ الإمام القارئ في قراءةٍ من العشرِ كان من المأمومين مستحضرون لما يقرؤه، عالمون بحروف الخلاف فيه.
ومن صور إفشاء القرآن إفشاء ترتيله والقيام به، ومنه ما رواه أبو موسى الأشعري ، عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «إني لأعرف أصوات رُفْقَة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل، وإن كنتُ لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار»[4].
وكان ابن مسعود إذا هدأت العيون سُمع له دويٌّ كدويِّ النحل حتى يصبح[5].
وعن أبي الأحوص قال: «إن الرجل ليطرق الفسطاط فيسمع فيه كدويِّ النَّحل، فما بال هؤلاء يأمنون ما كان أولئك يخافون؟!»[6]
وعن أبي بكر بن محمد: أتتنا عمرة فباتت عندنا فقمت من الليل أصلي فجعلت أخافت بقراءتي، فقالت: يا ابن أختي لم لا تجهر بالقرآن، فوالله؛ ما كان يوقظنا بالليل إلا قراءة معاذ القارئ، أو قراءة أفلح مولى أبي أيوب . وفي رواية: وتميم الداري [7].
هل يدخل الجهر بالقرآن على رؤوس المنائر في إفشاء القرآن؟
من الأمور التي تفشَّت في العصور المتأخرة الجهرُ بالقرآن على رؤوس المنائر وفي مكبّرات الصوت بالمساجد؛ فضلًا عن سرادقات المآتم والمحافل وما شابه ذلك. ولا شكَّ أنَّ هذا الأمر من البِدع التي لم تكن في القرون الخيريّة، ولا يدخل في إفشاء القرآن؛ وإنما هو مما يجب النهي عنه. وتفصيل هذا بأدلته بسطناه في غير هذا الموضع. والله أعلم.
إفشاء الدراية:
ويكون بنشر معانيه وأحكامه ومدارسته وتدبُّره في كلّ بيت حجر ووبرٍ، فيعلم عوام المسلمين منه ما يفهمون به مراد الله إجمالًا، ويقرّب العلم بتفسيره، فتصبح معاهد تعليم التفسير معالم الحِواء، وتنشر كتب التفسير؛ حتى يكون عوامّ المسلمين أشدَّ استظهارًا لمصنّفاته ومصنّفيها من استظهارهم لأسماء المطربين، والممثلين، ولاعبي الكرة. والله المستعان.
إفشاء الرعاية:
إفشاء الرعاية يكون بإفشاء العمل به وإحصاء حقوقه، والتواصي بها، والجهاد به، والدعوة إليه، والتحاكم إليه، والتداوي به، وتعظيم حملته... إلى غير ذلك من حقوقه؛ حتَّى يكون فاشيًا بين السواد الأعظمِ.
فمن فعل ذلك فقد أدَّى حقَّ إفشاء القرآن. ومن اقتصر على حقٍّ دون حقٍّ، أو طبقة من الناس دون طبقةٍ، أو مكان دون مكانٍ، أو زمان دون زمانٍ؛ فقد قصَّر في حقِّ الإفشاء بقدر ما قصَّر من ذلك. نسأل الله التوفيق.
ومن قصَّر في شيء من ذلك بغير عُذرٍ مقبول، فقد يكون داخلًا تحت الذمِّ في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) [آل عمران: 187].
ومن صور إفشائه: نشرُه والصدع به بين ظهراني غير المؤمنين به؛ دعوةً لهم، وتبليغًا به، وهو ما فعله عبد الله بن مسعود حين جهر به بين ظهراني كفّار قريش في مطلع الدعوة، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: «كان أول من أفشى القرآن بمكة مِن في رسول الله عبدُ الله بنُ مسعود»[8].
وعن عروة بن الزبير، عن أبيه قال: كان أول من جهر بالقرآن بعد رسول الله بمكة عبد الله بن مسعود ؛ قال: اجتمع يومًا أصحاب رسول الله ، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآنَ يُجهَرُ لها به قطّ، فمَن رجلٌ يُسمعُهموه؟ قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: «أنا»، قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلًا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه. قال: «دعوني فإن الله سيمنعني». قال: فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها فقام عند المقام، ثم قال: "بسم الله الرحمن الرحيم" رافعًا صوتَه: (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ) [الرحمن: 1-2] قال: ثم استقبلها يقرأ فيها. قال: وتأملوا، فجعلوا يقولون: ما يقول ابن أم عبد؟ قال: ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه، وجعل يقرأ؛ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك قال: «ما كان أعداء الله أهون عليَّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينَّهم بمثلها»، قالوا: حسبك؛ فقد أسمعتَهم ما يكرهون[9].
قواعد في إفشاء القرآن:
وهي أصول عامة في القيام بحقوق القرآن:
1. التوازن بين مجالات إفشاء القرآن مطلوب، فالاقتصار على بعضها دون بعضٍ ليس من هدي السلف. وهناك حدٌّ أدنى في كل مجال منها يجب القيام به، ويبقى أنَّ كلًّا ميسرٌ لما خلِق له.
2. ثَمَّة مجالاتٌ لإفشاء القرآن لا تتحقق لأفراد الناس؛ بل هي مما يجب أن تتعاضد عليه الجهود، وتتضافر المؤسسات.
3. الأولوية النسبية لمجالات الإفشاء قد يختلف تقديرها من مكانٍ لمكانٍ، ومن زمانٍ لزمانٍ.


[1] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (6/ 123 برقم 29991)، وأبو يعلى الموصلي في مسنده (3/ 280 برقم 1740)، والطبراني في الكبير (17/ 290 برقم 800)، والبيهقي في الشعب (3/ 254 برقم 1815)، وإسناده صحيح.

[2] شرح المشكاة (5/ 1692-1693).

[3] مرقاة المفاتيح (4/ 1507).

[4] أخرجه البخاري (ح4232)، ومسلم (ح2499).

[5] الزهد والرقائق لابن المبارك (97)، ومصنف ابن أبي شيبة (2/ 73 برقم 6617)، ومختصر قيام الليل (ص134).

[6] الزهد والرقائق (98)، ومصنف ابن أبي شيبة (7/ 155 برقم 34930)، ومختصر قيام الليل (ص134).

[7] مختصر قيام الليل (ص134).

[8] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (35783، 36603)، والطبراني في الكبير (8961).

[9] أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (1535)، ورجاله ثقات. وانظر أخبار مكة للفاكهي (1914، 1945). ويؤخذ من هذا الحديث أنَّ سورة الرحمن مكية، خلافًا لمن قال إنها مدنية، ولم يذكر السيوطي هذا الحديث في جملة ما استدلَّ به على أنَّها مكيَّة، وسنده أقوى من مُعظمِها. والله أعلم.