سألني أحد طٌلابي أن أكتب ملخصاً عن حكم القرض المعجَّل الذي ينتظره ملايين الناس الراغبين في بناء بيوتهم أو استكمال بناء مساكنهم .
يقول المثل : ضاع الجمل بكِراه ! ، أو ضاع الحبل والعصفور ! .


هذان المثلان يُضربان لفاقد الحِيلة والعاجز عن رؤية الطريق عند المصاعب والنكبات . وهو ما ينطبق تماماً على منتظري القرض المعجَّل .


فقد انتقد الكثيرون القرض المعجَّل الذي يدفعه صندوق التنمية العقاري وحذَّروا منه بعد استبشارهم له بفكِّ كربتهم ، وقالوا إنه سيحمِّلهم ديوناً لا قِبل لهم بها، وسيذهب العمر وهم يُسدِّدونها، كما أنه غير عملي ولا فاعلية له في درء الهموم عنهم ، وأن القرض بفوائد مُجحفة ، وإذا كان الأمر كذلك – عندهم – فما فائدة الصندوق ؟ فلنذهب مباشرة للمصرف . وهذه الفوائد تصل لأكثر من مائتي ألف ريال خلال عشر سنوات على مبلغ القرض، وهو خمسمائة ألف ريال. وقالو أيضاً : إن قيمة القرض لا يُمكن أن تؤمِّن قيمة الأرض ! .


للإمام ابن تيمية ( ت : 728هـ ) تعالى كلمات في مجموع الفتاوى قال في مجملها إن بناء المسكن من أهم المقاصد والضروريات الشرعية .أهـ .
القيام بحق المقاصد والضروريات الشرعية لا يكون بجلب الضرر على النفس والأهل والعيال .

والقاعدة عند الأصولييِّن أن هناك فرقاً بين ما لا يتم الواجب إلا به ، وبين ما لا يتم الوجوب إلا به . فالأول واجب ، والثاني غير واجب .

من الأخطاء التي أفرزتها المدنية الحديثة المبالغة في الحصول على أعلى الحاجيات والكماليات بأعلى الخسائر والضرر الذي يجلب الندم والحسرة وضياع الصحة والعافية .


مسألة الإستدانة والإقتراض للحصول على المسكن الطيِّب الهنيء لا حرج فيها شرعاً ولا عقلاً . لكن المبالغة في الحصول على الدُّيون والتضيِّيق على النفس والأهل والعيال محرم شرعاً ويأثم صاحبه بلا ريب ، فكيف لو كان ذلك بالربا المحرم وهو ما يسمى اليوم بالفوائد البنكية .

القروض من البنوك ومن غيرها تكون حلالاً إذا كانت على الوجه الشرعي ، وتكون حراماً إذا كانت على غير الوجه الشرعي .


والقرض المشروع هو الذي يعطيه المقرض للمقترض إرفاقاً به من غير أن يجر ذلك له منفعة دنيوية ، أو أن يشترط المقرض على المقترض زيادة على ما أقرضه ، فإن اشترط منفعة أو زيادة كان ذلك من الربا المحرم .
ويجب أن يكون المال المقترض معلوم القدر والوصف، بحيث لا يحصل خلاف بين المقرض والمقترض عند ردّه .


قد يقول بعض الناس هل يجوز الإقتراض بفائدة من هذه البنوك ؟ وهل يُعُّد ذلك ضرورة .

والجواب : أن الضرورة هي بلوغ المسلم حدّاً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب ؛ كالمضطر للأكل واللبس، بحيث لو بقي جائعاً أو عرياناً لمات ، أو تلف منه عضو، وهذا يبيح تناول المحرم .
والحاجة: كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكل لم يهلك، غير أنه يكون في جهد ومشقة، وهذا لا يبيح المحرَّم . فيجب التنبه لهذا .


• ولكن يجب التفطُّن إلى قيود هامة :
الأول : أن يكون الدافع للاقتراض هو الضرورة التي تم توضيحها، وليست الحاجة التي يمكنه التخلِّي عنها وعدم فعلها ، والضرورة تتعلَّق بضرر يقع على دينه أو بدنه أو عقله أو عرضه أو ماله – وهي ما يسمى بالضرورات الخمس ، وليست هي المشقة التي يمكن تحملها ، بل هي الضرورة التي قد تسبِّب له هلاكاً ، أو تلفاً لبعض أعضائه ، أو سجناً طويلاً ، أو مرضاً مزمناً.


الثاني: أن الضرورة في باب الربا متعلِّقة بالمقترض لا بالمقرِض . إذ ليس هناك ما يجعل المقرض مضطراً لأن يقرِض بالربا، بخلاف المحتاج للقرض فإنه قد تُغلق الأبواب في وجهه ، فلا يجد إلا باب القرض بفائدة ربوية .
وقد توسَّع الكثير في أمر القرض بالربا ، فجعلوا شراء بيتٍ ، أو سيارة ، أو تغيير أثاث البيت، من الضرورة، وهو ليس كذلك، فتعاملوا مع مؤسسات الربا بمثل هذا العذر، وقد وجدوا من يفتي لهم في بعض تلك المعاملات بالجواز ! .


الثالث: عدم وجود البدائل الشرعية التي لا شبهة فيها للحصول على المال؛ مثل: الاستدانة من شخص دون ربا، وبيع المرابحة الشرعية للآمر بالشراء ، أو الإجارة المنتهية بالتمليك، أو بيع التقسيط، الذي تستخدمه المصارف والمؤسسات الإسلامية . فيمكن مثلاً أن يشتري المضطر سيارة بالتقسيط من بنك إسلامي ثم يبيعها في السوق نقداً ويحصل على المال، ويُسِّدد به ديونه في البناء أو غيره .
السكن بالإيجار على مرارته وقسوته أخفُّ ضرراً على المسلم وعلى أهله من همِّ الديون والقروض التي روَّجت لها المصارف الإسلامية أو التي تزعم أنها إسلامية .
والقاعدة الفقهية المهمة في باب القرض المعجَّل هي :


إذا كان المصرف يشتري السلعة لنفسه ثم يبيعها بربح للعميل بعد تملكها وقبضها ، ثم يوكِّل العميل المصرف ببيعها ،فلا حرج في ذلك، وهذا هو التورق . وهو جائز وتركه أولى للشبهة فيه .
أما إذا كان المصرف يشتري السلعة لنفسه ثم يبيعها بربح للعميل بعد التملُّك والقبض، فلا حرج في ذلك وهذه هي المرابحة .


هذا ما تيسر تحريره ،والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
خلاصة حكم القرض المعجَّل | مدونة المتوقِّد