حكم التوظيف الوهمي
القاعدة الُأصولية التي تظهر في باب التعامل مع العقود في هذا الزمان وغيره هي أنه لا يقوم التكليف مع الجهل وعدم العلم . فيجب إقامة الحجة على الناس في باب المعاملات وغيرها من أحكام النوازل .


وعقود البيع الوهمية أو غِطاء السعودة الوهمية أو التوطين الوهمي أو عروض العمل الوهمية ، حِيلة من الحِيل المعاصرة للحصول على المال أو الرواتب بدون الحضور للمؤسسة أو الشركة الوسيطة .


وهذه المسألة رجَّح الإمام ابن تيمية( ت: 728هـ ) تعالى التحريم فيها وسكت عن بعضها قبل سبعة قرون ،كما سيتضح في آخر المقال .


وصورة التوظيف الوهمي : أن تقوم الحكومة بإلزام بعض الشركات والمؤسسات بتوظيف المواطنين, وتتكفَّل الحكومة مقابل ذلك بدفع جزء من الراتب, فتقوم بعض هذه الشركات والمؤسسات بجمع السِّجلات المدنية ممن تختارهم وتدرجهم ضمن قائمة موظفيها, وتمنحهم الراتب المقدَّم من الحكومة فقط, دون أن تمنحهم هي شيئاً, وذلك مُقابل إعفائهم من الحضور للمؤسسة أو الشركة .
بالإستقراء يتبين أن هذه المسألة الفقهية المهمة تتنازعها ثلاث جِهات يُناط بها الحكم :

الأولى : المحتاجون إلى المال
الثانية : أهل العقود
الثالثة : الآخذون للمال بنية التحلُّل منه .


فالحاجة إلى المال في هذا العصر قد تكون مُلحَّة مع صعوبة الإقتراض والحصول على التمويل أو جزءٍ، منه لسدِّ متطلبات الحياة التي لا حَصر لها .
وأهل العقود هم أهل الشركات والمؤسسات التي تمنحهم الحكومة تراخيص لتشغيل الموظفين مقابل مساعدتهم في توظيفهم .


وأخذ المال بنية التحلُّل منه بسبب الإضطرار وسوء الحال مسألة مُشكلة وفيها نِزاع بين الفقهاء، لإن إشغال الذمَّة بمال محرَّم لا يجوز شرعاً ، فليس لعرقٍ ظالمٍ حق كما جاء في الأثر ، ولأن النفس أمَّارة بالسوء وتتنازعها رغبات الشر في كثيرٍ من الأوقات ، وضمان التحلُّل من المال غير مقطوع به ، فيبقى التحريم على الأصل سدًَّا للذريعة.


وتحرير محل النِّزاع في هذه المسألة الفقهية من جهاتها الثلاث ما جاء في المرفوع : “والله لا يأخذ أحٌد منكم شيئاً بغير حقَّه، إلا لقي الله تعالى يوم القيامة يحمله ” متفق عليه . وهو خطاب وعيد لمقتحم الكبائر ويستفاد منه التحريم .
وما جاء في المرفوع : ” المسلمون على شروطهم ، إلا شرطاً أحلَّ حراماً أو حرَّم حلالًا ” أخرجه البخاري تعليقاً .


*وحتى تتضح حقيقة المال الحرام من المشتبه به أُقيِّد هنا بعض القواعد المبيِّنة لحقيقة المال الحرام وكيفية التخلُّص منه :


1-المال الحرام هو كل مال حرَّم الشارع على المسلم حيازته وتملكه، وهو إما أن يكون محرماً لذاته وإما أن يكون محرماً لغيره .


2-المال الحرام لا يدخل في مُلك المسلم عموماً يسيراً كان أم كثيراً. فلا يعد من الأملاك الشرعية إلا ما تحصل عليه المسلم من الوجه المشروع الخالي من الشبهة .


3-المال الحرام لا يورث عن آخذه ،لعدم خروجه عن ملك صاحبه .


4-المال المكتسب بالعقد الباطل أو العقد الفاسد لا يحل لقابضه ويجب التحلُّل منه .والفتاوى التى قالت بحلِّه هي من جهة شبهة المال ، لكن ليست سبباً مبيحاً للجواز .


5-المال المقبوض بعقدٍ مختلف فيه بين العلماء لا يُحكم بحرمته إذا كان الخلاف فيه قوياً، فليس كل ما اعتقده عالمٌ حراماً كان حراماً.


6-المال الحرام المكتسب بعذر الجهل حلال لمكتسبه إذا وقع حال قيام عذر الجهل .وهذا الجهل يختلف حسب الزمان والمكان .


7-معاملة حائز المال الحرام في عين المال الحرام لا تجوز .


8-معاملة حائز المال الحرام إذا اختلط بالمال الحلال تجوز مع الكراهة .


9-معاملة المسلم المستور إذا وقع الشك في وجود الحرام في ماله تجوز بغير كراهة .


10- التحلُّل من المال الحرام بدفعه إلى مصرفه الشرعي من الفقراء والمساكين أو مصالح المسلمين لا يكون صدقةً يُثاب عليها، بل هو تخلص من الإثم الثابت في ذمة الآخذ ، وتطهير لماله مما لحقه من خُبث .


11- ردُّ المال إلى مالكه إن كان معلوماً أو إلى الفقراء والمساكين إن كان مجهولاً شرط لقبول توبة من يتحلَّل من المال الحرام . ومثله ردُّ مال الحكومة إلى بيت المال إذا كان أخذه بغير وجه حق .


12- يجوز للمسلم أن ينفق على نفسه وأهله من المال الحرام إن تعيَّن الإنفاق منه ، بأن لم يجد غيره من المال الحلال وهذه المسألة لا إجماع فيها بين الفقهاء .


13- إذا تعامل المسلم بالحِيل المتفق على تحريمها فكسبه حرام قولاً واحداً ، أما إن عامل بالحِيل المختلفة في حِلِّها والتي يُفتي بها بعض الأئمة جاز ذلك ، وتركه أولى . وهذا اختيار الإمام ابن تيمية تعالى .


والخلاصة أنه يجب على الحكومة فتح باب التوظيف من القنوات التي لا يمُكن التلاعب بالمال العام منها ، وأن كل عقدٍ يدور حُكمه بين الإباحة والشبهة فالواجب تركه وعدم التعامل به ، وإن أجازه بعضُ أهل العلم للإختلاف في حُكمه . وقد تقرر عند الأصوليين أن الحظر والتحريم لا مدخل للعقل ولا للعادات فيه ، بل هو على الدليل .


هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
حكم التوظيف الوهمي | مدونة المتوقِّد