نافذة على "قصة الحضارة" لديورانت
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام والبركة على محمد خير خلقه، وبعد: فقد نوّع الله مواهب البشر وغاير اهتماماتهم وغاياتهم.. فترى الواحد منهم يفني شطر عمره في أمر يراه غاية خلقه أو أنه مستحق ذلك على الجهد، بينا نرى غيره لا يلتفت – مجرد التفاته لذلك الجهد والكدّ – بل قد يُزري به وينقم عليه إشغال نفسه فيما لا طائل من ورائه.. حقًّا: (إن سعيكم لشتى)
إن الإنسان مخلوق عجيب، قد أعطاه الله قدرات وإمكانات هائلة؛ فنسف الجبال ونبش باطن الأرض وطار في الهواء وكشف ستر البحر وأضاء ظلام الليل وفعل بأديم الأرض الأفاعيل يستعرض قوّته وبطشه وغروره.. ومع هذه العظمة الإنسانية فهو من أضعف مخلوقات الله طُرًّا، وأعجزها جسدًا، وأوهنها عزيمة!
إنها ثنائية غريبة حقًّا، فكيف اجتمع المتضادّان في مخلوق؟
أقول: لأن وراء ذلك سرّ كبير، وهو غاية الخليقة حقًّا. فالبشر قد خلقهم ربهم من جوهرٍ نفيس رائع جميل، فجمع لهم نفخة الروح العلويّة مع قبضة الطين الأرضية، فيطير سماءً بروحه ويحرث أرضًا بطينه، فامتزجت خفة الروح وصفاؤها وحدّتها وسرعتها مع ثقّلة الطين وكدرِه وسكونه وطمعه، فعاد المزيج كائنًا قابلًا لكل خير ولكلّ شر! فالروح القائد يطير به للعلو ويسمو به، والطين القالب يحنّ لعبق التراب والماء والهواء والنار!
فأيهما حكم زمام السير فصاحبه له تابع، وكم من قائد في الظاهر مقودٌ في الباطن. فالنفس وشهوتها وجهلها من قبضة الطين، والعقل ورغبته وعلمه من نفخة الروح، ولا انفكاك بينهما في الحقيقة إلا في البرزخ، ثم تعود الروح لمسكنها الخالد؛ الجسد.
جعل الله الطين قالبًا للروح، وركّب في مجموعهما (الإنسانَ) غرائزَ الطين ورغائب الروح.. ثم أهبطه للأرض اختبارًا لاستعداده للارتفاع بنفسه – بعد معونة ربه - للملكوت الجميل في عليين بجوار الكريم الرحيم، أو الاتّضاع بين حُفَرِ الأرض وظلام العصيان ودركات الجحيم.
والسعيد حقّا هو من كان من عمّار الروح بطاعة الرحمن ولم يغفل بالمباح أمر راحلتها.. الجسد.
إن لجردِ مطوّلات أسفار التاريخ متعة خاصّة يتذوّقها من كان ذا حسّ مرهف لأحاسيس البشر ورغبةٍ ملحّة في معرفة كوامن مشاعرهم ودوافع أعمالهم وطريقة تعاملهم مع الأحداث وتنوّع تفاعلهم معها.
يبقى الإنسان هو الإنسان، فللبشر مشتركات لا تتخلّف مهما اختلفت أديانهم وتصوّراتهم وأفكارهم وبيئاتهم هذا من جهة، ومن جهة أخرى فلكل إنسان بصمته الروحية العقلية النفسية الجسدية لا يشركها فيه أحد، فهو شكيلُ جنسه في العموم متميز عنهم بالخصوص، ولكل إنسان نظرته وإحساسه وأحكامه وأحاسيسه..
ووظيفة المؤرخ المبدع الصبور الصادق هي حبس اللحظات الإنسانية الفريدة داخل قالب مكتوب مسرود، وبثّها للناس عبر تلك القوالب الكتابيّة ليروا ويسمعوا ويشمّوا ويلمسوا بقلمه ما لم تره أعينهم ولم تسمعه آذانهم. ولئن كان المصوّر يحبس الصورة المكانية في إطاره فالمؤرخ يحبس الصورة الزمانية والمكانية بين دفّتي كتابه.
ومن أولئك المؤرخين النوادر الفيلسوف الشهير الأمريكي ول ديورانت (وليم جيمس ديورانت Will Durant 1885 – 1981) الذي جمع – بمساعدة زوجه أريل Ariel - بين التعمّق في فلسفة الإنسان فكرًا ومشاعرَ ونوازعَ وبين حفْرِه سراديب العلوم لاستخراج باقةٍ جميلة من أخبار عُمّار الكوكب بني الإنسان.
ولئن جعلوا هيرودوت أباً للتاريخ فديورانت يستحقّ أن يُلقّب بأبي التاريخ الفلسفي. (وفي ظنّي أن لو اطّلع هيردوت على تاريخ الطبري لأقرّ له بالسبق والجودة والاستيعاب).
يتميّز هذا الكتاب الموسوعة بدراسة التاريخ من جميع جوانبه المؤثرة في أحداثه بصورة مجملة عامة، لذلك فالكاتب لم يحفل كثيرًا بالأحداث التفصيلية التي أشبعتها واستوعبتها كتب التاريخ المتخصّصة.
فهذ الكتاب النفيس ذي السبعة وأربعين جزءًا ليس كتاب تاريخ بقدر ما هو كتاب ثقافة التاريخ، مع تحفّظنا على مادّيته الصّرفة، وهي نزعة يندرُ أن يسلم منها فيلسوف.
ويكفي هذا الكتاب أن يكون صرحًا شيّده قلم فيلسوف حاول جمع واستيعاب التاريخ المدوّن بعمق تأمّل وشمول تتبّع وصدق قلم ورهافة حسّ وصفاء قريحة وطلاوة عرض وروعة أسلوب.
ولن أبعد إن قلت: إن قصة الحضارة هي أعمق تدوينة متداولة عن تاريخ الإنسانية.
أما طريقته فينتظمها سلك دقيق من الترتيب الموضوعي المترابط، فيبدأ موضوعاته الكبرى بمقدّمة كاشفة مختصرة، ثم يذكر تاريخ ذلك الإقليم ونشأته ووقفات عند أهم أحداثه المفصلية، ثم دِينه، ثم أخلاقه وسلوكه، ثم اقتصاده، ثم نظام الحكم فيه، ثم الأدب والفنون المتنوعة من شعر ونثر ومسرح ونحت ورسم وغيرها، ثم العمارة، ثم العلوم والفلسفة، مع وقفات طويلة مع أبرز روّاد تلك الحقب الزمانية المكانيّة ونقد موضوعي لهم، مع تعليقات ساخرة لطيفة في تواضع أدبي جميل، وشجاعة فكريّة رائقة.. ويا ليته أسلم وجهه لله حنيفًا!
هذا، ولا يهتم هذا الكتاب بالتفاصيل بقدر ما يهتم بالنظرة الكليّة للأحداث المجملة، فالعبرة لديه إنما هي بتأطير الحضارة البشرية داخل لوحة متكاملة وإظهار ألوانها السعيدة والأخرى الأليمة، واستخلاص العبر والحِكم منهما.. والوفاء – بعض الوفاء – لمن يستحقون مدحًا أو شكرًا لإسهامهم في دفع عَربة الحكمة، وبالعكس – جَلدًا - لأضدادهم.
فهذه الموسوعة تنظر للإنسان من حيث هو إنسان، فتقرأ التاريخ بأطياف كينونته جميعًا لا بعضًا.
والمعتاد أن يكون كِتَاب التاريخ عبارة عن سرد للسياسة والحرب والممالك.. فلا تتجاوز مواضيع الملوك والنخب، أما موسوعتنا هذه فتنظر لسياق التاريخ على أنه سياق للإنسان نفسه بكل تجليّاته، فقرًا قبل غنى، وجهلًا قبل علم، وحاجةً قبل ترف، ولادة واتساعًا واضمحلالا وأفولًا.
فيقرأ ديورانت الأنسانَ بمراحله الزمنية عبر ألوف السنين من ناحية دينه وفكره وعاطفته وأدبه ورزقه وكفاحه وطيشه وحكمته .. إلخ
ولعل المحفز لانطلاقته ما سبق هذه الموسوعة إذ كتب "قصة الفلسفة" الذي نشره سنة 1926 فلاقى نجاحًا لم يكن يتوقعه، فتاقت نفسه للتوسّع الطويل – والطويل جدًّا - فخصص هو وزوجته أريل أكثر من عشر ساعات يوميّا على مدار سنين طويلة لتأليف موسوعة "قصة الحضارة".
ولم يكتف ول وزوجه بالمراجع والكتب، بل قاما بزيارة أوربا والتجول فيها سنة 1927 ثم قاما بجولة حول العالم سنة 1930 لدراسة مصر والشرق والهند والصين واليابان، ثم تجوّلا سنة 1932في اليابان ومنشوريا وسيبيريا وروسيا وبولندا، وفي سنة 1939 تجولا في أوروبا، وفي سنة 1948 قضيا ستة أشهر في تركيا والعراق وإيران ومصر وأوربا في جولات علميّة حثيثة ينقبّان ملامح الزمان المكتوب على محيّا الأرض الفسيح.
كان "ول ديورانت" ذا حدسٍ وفراسة لقراءته المتعمّقة وذهنيّته الحادة المتوقّدة، ومن ذلك نبوءته بسرعة الصعود الصناعي لليابان مع مصاحبة حب التوسع والسيطرة والدمويّة لذلك، فقال قبل الحرب العامة الثانية في كلامه عن اليابان: "وإن سوابق التاريخ كلها لتدل على أن الفصل التالي من المسرحية سيكون قتالاً"
وله تعليقات حكيمة وأسلوب جزل وتدفّق سلس. وكان يحترم القارئ ويقدّر له صبره ويقول في ختام الأجزاء الطويلة: شكرًا أيها القارئ الصبور.
ولا يكاد يفوّت أي قضية ذات بعد فلسفي دون أن يعلّق عليها، ذلك أن المحور الذي تدور عليه موسوعة (قصة الحضارة) هو الفلسفة. حتى فتنة القول بخلق القرآن خاض فيها وأرجع منشأ قول المعتزلة فيه لتصّور فلسفي نادى به فيلون السكندري: أن الكلمة هي حكمة الله الأبدية، وأكّده كاتب إنجيل يوحنا: ( في البدء كانت الكلمة.. ) وكذلك أتباع الأفلاطونية الحديثة من أن الكلمة هي أداة الخلق الفعّالة.. إلخ.
وبما أن مدار الكتاب على تاريخ الفلسفة الإنسانية بعامّة فلن نعجب إن رأينا ما لا يسرّنا في ثنايا طروسه، ذلك أن الخصم التقليدي لأساطين الفلسفة هو الدين - إيًّا كان –. هذا مع توسّع المؤلف في إطلاق لقب الفلاسفة على المفكرين عمومًا.
أما سبب نقمة الفلاسفة على الإسلام بذاته ونفرتهم منه فهو راجع لأمرين:
1- قيامه على الإيمان بالغيب، وهذا ما يُخالف أصولهم المادّية القائمة على العقلانيّة المادّية المحسوسة الجامدة الضيّقة لا العقلانية الشاملة الواعية بالماورائيات، فعَقَلَت الشهادة وسلّمت بالغيب المستمدّ من المعصوم صلى الله عليه وسلّم، فسكنت واطمأنت بالإيمان وانطلقت وسبحت بالعقل والتأمل والفكر، فوصلت بهاذين الجناحين للغاية الإنسانية والكمال البشري المتصوّر المقدور. فلم تَتُه وتحتار في غيابات الخرافة ولم تتجمّد وتتبلّد في صقيع التفكير المادّي الضيّق. (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون).
2- عدم احتفائه بما يُسمى بالفنون الإنسانيّة كالنّحت والرسم والتصوير والموسيقى والمسرح.. إلخ.
لذا فعلى المُحاور المسلم إحسان تصوّر هاتين الخلفيتين حتى يعرف مغزى هجومهم الذي لا يكاد يخرج عن هاذين، أما الباقي فمجرد فروع عنها وهوامش ملصقة بها. والحمد لله على نعمة الإسلام والإيمان.
ومن الملاحظات الجديرة بالتأمّل والاعتبار أن غالب الفلاسفة الزنادقة المنتسبين للإسلام كانوا في دول شيعية، وقد احتفى بهم المؤلف لخلفيتهم الفلسفية، فبينهم رحم ورضاع.
وبما أن الفلسفة لا تُروي الروح فقد احتاج الفلاسفة لشيء ما يبلُ شيئا من جفاف نفوسهم ويكون عزاء وسلوى عند احتدام كروبهم، ولكن أكثرهم قد طرد السراب! (ومن يضلل اللهُ فما له من هاد) ومن ذلك "اليوجا" المنتشر في هذا الزمان في أوروبا.
واحتواء البوذية على اليوجا هو الذي حدا بفلاسفة أوروبا أن يُعجبوا بها وبطقوسها، فاليوجا هي المادّة المُشكّلة للبوذيّة.
واليوجا هي حالة إراديّة تأمّليّة قاسية شديدة، تُغيّب صاحبها عن واقعه وتطير به عبر جناحي التأمل والصفاء الذهني في عالم موازٍ أثيري – خيالي لا حقيقي - فيجدُ فيها الفيلسوف بعض غايته وبُغيته وسلوانه، وهذا التأمل الحُرّ تفتقر إليه النصرانيّة إذ لا يجتمع التأمّل مع الخرافة، ومع هذا فلم يوصل البوذيين للهدى لافتقاره لأهمّ عوامل الهداية وهي العلم الصحيح بالله، فيتأمل مجتهدُهم السنين الطوال ويرتاض حتى يتوهّم الوصول لما يزعمونه من النرفانا والاتحاد بالإله اللأزلي – حامدًا ربي على فضله بالإسلام والقرآن عائذًا به من الزيغ والخذلان -.
أما الإسلام فقد أغنى الله به عن هذه اليوجا وَفَاقها، إذ أمر بالتأمّل وأرشد إليه وسهّل أدواته ونفخ في العقل طاقة يطير بها – بلا حدود – في مجاهل النفس والآفاق، فيحرث الأرض ويعمرها.. ويعبرها لساحل النجاة يوم المعاد.
لقد كان ديورانت فيلسوفًا أديبًا، ولعل هذا يكشف سرّ وقفاته الطويلة على الأطلال الأدبيّة بمختلف فنونها، كالشعر والقصة والرسم والنحت وغيره. وقد كان "ول" مغرمًا بالحب الأفلاطوني (العُذري) وهو الحب الخالي من الجنس ودواعيه.
وقد أحسن ول إذ وقف مليًّا على أطلال مدينة الأدب (جوته) ونقل عنه قدرًا جميلًا من تراثه الرقيق. فتأمل – عزيزي - بلطف قول جوته لما طلب منه نابليون أن يؤلف أغنية حماسية للقتال: "أنّى لي أن أؤلف أغاني الحقد وأنا لم أشعر بشيء من الكُره" ولجوته كلام جميل جدًّا وثناء عاطر وشغف صادق بنبي الرحمة والهدى رسول الله ، كما خصّه بقطع أدبيّة كاملة حتى ليتراءى لك أنك تستمع لنشيدٍ ألّفه مسلم تقيّ لا مجرد أديب فيلسوف.
ولقد سكب جوته نفسه في شخصيته الخيالية فاوست في دراماه الشعرية (فاوست) بجزءيها، وفيها محاورات مثيرة بإسقاطات غير صريحة مع حبيبته مارجريت (جريتشن) وكذلك مع فيلسوف إبليس مفستوفيليس – وليس إبليس ذاته –.
والعجب أن بين تصوّر جوته لقصة فاوست وبين فراغه منها تسعة وخمسون عامًا! وكان قد كتب يقول "أسعد الناس من استطاع وصل نهاية حياته ببدايتها" وقال في آخرها محتفيًا بإنجازه: "أياً كان مقدار ما بقي لي من الحياة ففي وسعي أن أعدّه منذ الآن منحة، ولست في الحق أبالي إن كنت سأنجز فوق ما أنجزت أم لا"
ولأدب جوته (الألماني) مكانة سامقة في نفسي، فله حروف يجثو القلب والعقل أمامها طويلًا متأملين روعتها ورونقها وحكمتها – ويا ليته قد أسلم فسلم - ويليه هيجو (الفرنسي) صاحب رواية البؤساء.
وقد عاد بنا الكلام لديورانت فقد كان ذا ذوق عالٍ في تقييمه لفنون البشر عامّة، فله تحليقات رائعة مع بعض مقطوعات الشعراء التي يوردها. ولقد فتنه جمال الخط العربي وقال فيه: "ليس في العالم ما يضاهي النسخ العربي في جماله".
وقد ذكر في كتابه صفحات جميلة ناصعة تحكي أحوال العرب والمسلمين وتاريخهم، مع جهل جميل تذوقُ حلاوته لرؤيتك - أحيانًا - سذاجةَ من يراك من خارج الصندوق.
وفي وصف رائق جميل للآذان يقول: "ألا ما أقوى هذه الدعوة، وما أشرفها من دعوة للقيام من النوم قبل مطلع الشمس، وما أحسن أن يقف الإنسان عن العمل وقت الظهيرة، وما أعظم وأجلّ أن يتوجه الإنسان بروحه إلى الله في سكون الليل، وما أحلى وقع صوت المؤذن على الآذان، آذان المسلمين وغير المسلمين، وهم يدعون النفوس الحبيسة في الأجسام الأرضية من فوق آلاف المساجد أن تتوجه إلى واهب الحياة والعقل، وتتصل به ذلك الاتصال الروحي الجليل".
وكان يعقد أحيانًا مقارنات بين النصرانية والإسلام مع حُكمٍ – أغلبي - للإسلام بالتميز والسبق والقوة والحجة والرفق والعدل والمجد.
والمؤلف معجبٌ بسماحة الإسلام ولطف أهله وإنصافهم – مع تحفظات أبداها – وقد نقل عن أحد كتّاب النصارى شكايته من نتيجة هذا التسامح قائلًا: "إن إخواني المسيحيين يعجبون بقصائد العرب وقصصهم، وهم لا يدرسون مؤلفات فقهاء المسلمين وفلاسفتهم ليردوا عليها ويكذبوها، بل ليتعلموا الأساليب العربية الصحيحة الأنيقة.. واحسرتاه!
إن الشبان المسيحيين الذين اشتهروا بمواهبهم العقلية لا يعرفون علماً ولا أدباً ولا لغة غير علوم العرب آدابهم ولغتهم؛ فهم يقبلون في نهم على دراسة كتب العرب، ويملئون بها مكتباتهم، وينفقون في سبيل جمعها أموالاً طائلة، وهم أينما كانوا يتغنون بمديح علوم العرب".
وقال: "وفي وسعنا أن نحكم على ما كان للدين الإسلامي من جاذبية للمسيحيين من رسالة كتبت في عام 1311م تقدر عدد سكان غرناطة المسلمين في ذلك الوقت بمئتي ألف، كلهم ما عدا 500 منهم من أبناء المسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام. وكثيراً ما كان المسيحيون يفضلون حكم المسلمين على حكم المسيحيين".
هذا، ولم تسلم موسوعة قصة الحضارة من عدم دقّة في نقل تاريخ الإسلام، وقد يلقي هذا ببعض ظِلال الشك والريبة على بقية صفحات كامل الكتاب، ولا يُلام المؤلف في الحقيقة – ولقد اعتذر عن ذلك القصور مرارًا - فالدقة العامة لتاريخ البشر لا يطيقها بشر.
وعليه فيؤخذ من الكتاب مجملاته لا على سبيل التسليم إنما على سبيل الاعتبار بما ذكر والعلم بما كتب وبما نقل.
ويظل أثر المَراجع التي استاق منها المؤلف مادة موسوعته واضحًا في الحروب الصليبية بما فيها من إظهار مزايا الصليبيين وأن هزائمهم إنما كانت بسبب خارج عنهم، إلى إظهار عيوب المسلمين التي يرويها أعداؤهم، وأنهم لولا بعض الصدف لم يكن لهم عظيم شأن!
والمصنّف – على علوّ كعبه في الإنصاف - يتحامل أحيانًا على الشرق بعامّة فيغمزه بغمزات كان خليقًا أن يرفع عنها أَسَلَة قلم إنصافه المائلة أحيانًا عن عمود عدله.
وقد اعتذر عن أمثال ذلك بكلام غاية في الروعة إذ قال: "بعد أن ذكرنا الحقائق بإنصاف لا يشوبه إلا تحاملٌ يصدر عن اللاوعي، فإنه يسمح للمؤرخ بإضافة تعليق افتراضي يعترف به". وقال في تعليقة على عدم إطاقة عدم التحيز: "العقل كالجسم، سجين في جلده لا يستطيع الفكاك منه".
وقال في سياق كلامه عن مشاهير الأدباء وغيرهم في كلام ينبض بصدق العاطفة ويسيل في الأذن كأرَقِّ معزوفة: "في هذه الصفحات العجلى يدخل الضمير دائماً في سباق مع الزمن، وينبّه القلم المستعجل إلى أنه كالمسافر المسرع، إنما يمس السطح فقط. فكم من ناشرين ومعلمين وعلماء وأدباء ورعاة للعلم وشعراء وروائيين وثوار متهورين جاهدوا نصف قرن لينتجوا هذا الأدب الذي ضغطناه في هذه الصفحات.
كم من روائع أغفلنا اسمها، وأمم ضربنا صفحاً عن ذكرها، وأشخاص كانوا يوماً في عداد العباقرة الخالدين أهملناهم إلا من كلمات معدودات! ولكن لا حيلة لنا في هذا. فالمداد ينضب، ويجب قبل نضوبه أن نقنع بما يسفر عنه رشاشه وخطوطه من صورة غائمة لرجال ونساء يتخففون برهة من عناء اللاهوت والحرب، ويحبون أشكال الجمال كما يحبون سراب الحقيقة والقوة، يبنون الألفاظ وينحتونها ويصورونها إلى أن يجد الفكر فناً يكسوه، وتمتزج الحكمة بالموسيقى، وينهض الأدب ليتيح لأمة أن تتكلم، ولعصر أن يصبّ روحه في قالب شكل في شغف كبير ليصونه الزمن نفسه وينقله خلال مئات الكوارث تراثاً للبشرية".
وقال في لحظة إنصاف مشرقة بهيجة: "إن قصتنا تبدأ بالشرق، لا لأن آسيا كانت مسرحاً لأقدم مدنيّة معروفة لنا فحسب، بل كذلك لأن تلك المدنيات كونت البطانة والأساس للثقافة اليونانية والرومانية التي ظن سير هنري مين خطأ أنها المصدر الوحيد الذي استقى منه العقل الحديث.
فسيدهشنا أن نعلم كم مخترَعاً من ألزم مخترعاتنا لحياتنا، وكم من نظامنا الاقتصادي والسياسي ومما لدينا من علوم وآداب، وما لنا من فلسفة ودين، يرتدُّ إلى مصر والشرق، وفي هذه اللحظة نرى أن التعصب الإقليمي الذي ساد كتابتنا التقليدية للتاريخ، التي تبدأ رواية التاريخ من اليونان وتلخص آسيا كلها في سطر واحد، لم يعد مجرد غلطة علمية، بل ربما كان إخفاقاً ذريعاً في تصوير الواقع ونقصاً فاضحاً في ذكائنا".
هذا ولديورانت كلام كثير ممتع في بيان سبق العرب والمسلمين لكثير من العلوم التجريبية، ويؤكد سبقهم في التجربة والقياس وقواعد العلم التجريبي وتأسيسهم له قبل فرانسيس بيكون بخمسمئة سنة، ومما قاله:
"لقد ظل الإسلام خمسة قرون من عام 700 إلى عام 1200 يتزعم العالم كله في القوة، والنظام، وبسطة الملك، وجميع الطباع والأخلاق، وفي ارتفاع مستوى الحياة، وفي التشريع الإنساني الرحيم، والتسامح الديني، والآداب، والبحث العلمي، والعلوم، والطب، والفلسفة.. ولم تتفق أوروبا البلاد الإسلامية في تلك الفترة إلا في تأليف الآداب الجنسية!".
كما تكلم بإسهاب عن الخمسة المشاهير: ابن سينا في الطب والقانون، والرازي في الطب وهو صاحب أشهر كتاب طبي (الحاوي) وابن الهيثم في البصريات، والبيروني في الجغرافيا، وجابر بن حيان في الكيمياء. وذكر سبق المسلمين لكثير من النظريات العلمية ومنها سبقهم لاكتشاف قانون الجاذبية قبل نيوتن.
وفي جمعهم للكتب النافعة يعطي مثالًا مقارنا فيقول: "إن مكتبة الصاحب بن عبّاد الأندلسي تفوق عدد كتب الدور الأوروبية مجتمعة". وله كلام جميل حيال هذا الموضوع، وقد تكلم بلهفة عن تأثير المسلمين الإيجابي في نهضة أوروبا العلمية (التجريبية) بل وفي بعض الجوانب الإنسانية والأخلاقية.
كما ذكر أمورًا وأحداثًا متفرّقة غفل عنها بعض كبار مؤرخي المسلمين – على أهميتها – ومن ذلك ذكره لوقوفهم على أسوار روما، وغنيمتهم (سمّاها نهبًا) كنوز أشهر كنائس العالم وأقواها رمزيّة صليبية وهما كنيستي بطرس وبولس، وأن البابا كان يؤدي الجزية للمسلمين عن يدٍ وهو صاغر، وأن المسلمين ظلوا في إيطاليا مئة سنة.. وغيرها من نفائس الأخبار.
وإني أناشد وأنادي مؤرخي قومي – وفيهم كفاية - أن ينتدب منهم طائفة ذات خبرة وعلم وصبر وسعة أفق فيكتبون تاريخ أوروبا من جديد وينخلونه بمنخل المنهج الإسلامي المنصف الواعي اللبق الحرّ.
نعم فنحن في حاجة لكتابة التاريخ الأوربي من وجهة نظر إسلامية كما كتبوا تاريخنا بوجهتهم وانطباعاتهم وخلفيتهم حتى صدّق كثير من أبنائنا بذلك، ولقائل أن يقول: ثم كان ماذا؟!
والجواب: أن نصحّح كثيرًا من تراتيب الأحداث ونزيل الإشكالات ونبني أسس الحضارة التاريخية المعرفية الصحيحة لديهم حتى نراهم من زاوية وجهتنا ونزنهم بميزاننا ونقيمهم بمبادئنا فنترفّع عما رفعنا الله عنه، ونتواضع للحق الذي شهدناه، ونعترف بالسبق الذي لديهم أيّا كان، وهذا مفيد لنا ولهم.
فللحق إنهم هم المنافس الأكبر والخصم الحضاري التقليدي والجار الألد الخصم لحضارتنا كمسلمين. وأنّا بلوغ تلك الأمنية المعرفيّة إلا ببناء موسوعة شاملة لتاريخ أوروبا في كل أنحاء القارّة العجوز مع شقيها: الشرقي (الروسي) والغربي البعيد (الأمريكي). ولعل أقسام التاريخ والحضارة في جامعاتنا يسدون هذه الثلمة الملوّثة.
والمقصود إعادة كتابة تاريخهم بعد فلترتها ونخلها بعقول إسلامية خبيرة ناصحة هادئة، أما المادة العلمية فهي متكدّسة بمجلدات كبيرة كثيرة كالموسوعة الألمانية والبريطانية وقبلهما الفرنسية وغيرها، فلن تعوز خبرتهم، فمن لها؟ والله من وراء القصد.
ونعود لديورانت فنقول: إنه كان فيلسوفًا بتسعة أعشاره كاثوليكيّا بعُشره، وعلى اعترافه بالانتماء للكنيسة العامّة الكاثوليكية إلا أنه كان سريع السخرية منها عند أدنى مناسبة، ولعل السبب هو ميلُه الواضح لمذهب الفلاسفة الشكوكيين، فلم يستطع الانفكاك عن عقيدة غيبيّة لأجل السلوان الروحي – مهما يكن ضلالها – فهو القائل: "أفضل عقار مُسكّن في الطبيعة جرعة مما هو فوق الطبيعة" كما لم يرغب عن الفلسفة التي أُشرب حبّها واعتنق دينها. ولقد قال بشكوكية – ولو عمّم لاتّهم بالجنون -: "كثير من الأحكام القطعية لا ثبات لها، لأن الحقيقة حتى في العلم تذبل كالزهرة".
هذا، ويكاد هذا كتاب قصة الحضارة أن يكون تأريخا نقديًّا للكنيسة.
....
لمتابعة المقال اتبع الرابط:
مدونة إبراهيم الدميجي: نافذة على "قصة الحضارة" لديورانت

إبراهيم الدميجي
17/ 2/ 1437
aldumaiji@gmail.com