ظهرت في السنوات الفائتة ظاهرة إيجابية مُلفتة وهي ظاهرة الإقبال على كتاب الله تعالى حفظاً وإقراءاً وتدريساً واستنباطاً.


وقد أفرزت هذه الظاهرة الماتعة ما يُسمَّى بأُسلوب ” التغريد القرآني ” أو تقييد الخواطر القرآنية في مفكِّرات أو عبر مواقع التواصل الإجتماعي المتعدِّدة .


ظهرت خواطر قرآنية مُلفتة في القنوات الفضائية وفي مواقع التواصل الإجتماعي ، وفي العديد من المنشورات لبعض الدُّعاة مثل ” محمد متولي الشعراوي ” و” صالح المغامسي ” و” عمرو خالد ” و” نبيل العوضي ” و “زغلول النجار ” و” عائض القرني ” وغيرهم من الدُّعاة ، أحياءاً وأمواتاً .


وعلى بعضها ملاحظات ومؤاخذات ، وفى البعض الآخر فوائد جمَّةٌ لا تُنكر .
ويُلاحظ على هذه الخواطر خُلوِّ بعضها من فقه الأثر أو صحيح الخبر ، كما يلاحظ عليها تعلُّق بعضها بفقه اللغة فحسب ،أو الجانب الإيماني دون الجانب التطبيقى من حياة الرسول .


وكثير من الخواطر القرآنية تُفرد آيةً واحدةً من كل سورة أو من مواضع مختلفة ، وهذا يُلبِّس على المتأمِّل أو المتدبِّر سياق النص وسِّباقه ، مما يُفقد روح المعنى الصحيح الذي أراده الله ووضَّحه الأثر .


ويلٌاحظ على البعض الآخر إغفال توضيح القرآن بالقرآن وهو أعلى مراتب تبيان القرآن ، وتعلُّق بعضها بجانب الرقائق دون التركيز على هدايات السور .
وهناك مَلحظ مهم على بعض التغريدات والخواطر القرآنية وهو أن راقمها يُعبِّر بها عن حاله ومعاناته وهمومه لا غير ، وهذه زلَّة خطيرة ، لأن القرآن هداية عامة وليست تسلية يتسلَّى بها المكلوم أو المظلوم ، كما قال سبحانه : ” ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى ” ( طه : 2) وهذا وصف مُخالف ويُسمِّيه الُأصوليون الوصف الطردي ، وهو باطل عند الإستدلال به .


ومما يُؤسف له تقصير كثير من أهل التغريد بالخواطر القرآنية، بالعناية لتفسير ابن سعدي ( ت: 1376هـ ) تعالى ، وهو تفسير وخواطر في كتابٍ واحد ، وهو مناسب للعوامِّ كما سمعته من ابن عثيمين ( ت: 1421هـ ) تعالى في إحدى دروسه .


وهناك أُمنية حبَّذا لو تتحقَّق ، وهي رسم خرائط ذهنية مُتقنة لتفسير ابن سِّعدي مع تقريبها بجداول بيانية ، وتوزيعها على طلبة المدارس والجامعات وطلبة الجاليات المسلمة .

فهذا العمل لو تمَّ إنجازه لسدَّ فراغا كبيراً في واقع الناس اليوم ، بسبب إقبالهم على الهواتف الذكية وبرامج الحاسوب .


• ضوابط الخواطر القرآنية :
1- الخواطر القرآنية مُتعلِّقة بِحُسن الفهم للنص ، لا بمجرد ما وقع في القلب من معنى . ففي صحيح البخاري عن أبي جُحفة : ” سألتُ عليَّاً رضي الله عنه هل عندكم من النبيِّ شيٌ سوى القرآن ، قال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهمًا يُعطيه الله رجلًا في القرآن “. والفهم الصحيح لا يكون إلا بقيود السُّنة ، كما سيأتي في آخر الضوابط .


2- الخواطر القرآنية إذا كانت مُتعلِّقة بمذهبٍ معيَّن أو اتِّجاه معين ، فإنها مردودة على صاحبها ، لأن ذلك معارضة صريحة لمعنى كتاب الله تعالى ، وصرف لتأويله الذي أنزله الله له ، ولا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم . ويُستثنى من ذلك ما له أصلٌ في الشرع واللغة .


3- الخواطر القرآنية المُجملة لآي القرآن دون إدراك لتِعلُّق بعضها ببعض ، تمنع الانتفاع بها وتدبر معانيها ، وقد ذمَّ الله تعالى ذلك كما في قوله تعالى : “وقال الذين كفروا لولا نُزِّل عليه القرآن جملةً واحدة كذلك لنثبِّت به فؤادك ” ( الفرقان: 32 ) . وقد عاتب الله نبيَّه على بعض ذلك : ” ولا تعجل بالقرآنِ من قبل أن يُقضى إليك وحيه” ( طه : 114 ) .


4- ربط الخواطر القرآنية بالعمل أقرب لحضور القلب وتحريك الجوارح للفعل ، لحديث حذيفة : ” أن رسول الله كان يقرأ مُترسِّلا ، إذا مرَّ بآية تسبيحٍ سبَّح ، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل ، واذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذ ” . أخرجه مسلم.


5- عزو المعاني التفسيرية في الخواطر القرآنية لكلام السلف وفهمهم، أعظم سداداً في الفهم والصواب للمعاني الدقيقة والخفية . فما أُجمل في موضعٍ فُسِّر في موضعٍ آخر ، وما ُاختصر في مكانٍ فقد بُسط في مكانٍ آخر . فتجب الإشارة إلى هذه الدلالة عند التمهيد للخاطرة القرآنية خشية الإلتباس على المتأمِّل .


6- الاستناد على الخاطرة القرآنية بدون العزو للمعنى العام في السنة النبوية ، هدرٌ للتأويل النبوي الذي تكفَّل به الرسول ، كما في قول الله تعالى : ” وأنزلنا إليك الذِّكر لتُبيِّن للناس ما نُزِّل إليهم ” ( النحل : 44 ) .


7- من الأغلاط الشهيرة التي وقع فيها كثيرٌ من المتأمِّلين للنصوص القرآنية في خواطرهم ، إغفال القواعد الأصولية والعقدية الدقيقة التي لا تنفكُّ عن المعاني القرآنية ، ومن ذلك ما وقع لسيد قطب ( ت: 1386 هـ) رحمه الله تعالى في كتابه : ” في ظلال القرآن ” وجُلُّه خواطر قرآنية أدبية ، وقد تعقَّبه في ذلك الشيخ / عبد الله بن محمد الدويش ( ت: 1409 هـ )رحمه الله تعالى في كتابه : ” المورد الزُّلال في التنبيه على أخطاء الظِلال ” ، ووقع مثل ذلك للشيخ محمد متولي الشعراوي ( ت: 1419هـ ) تعالى في تفسيره المعروف ب ” تفسير الشعراوي ” ، وقد تعقَّبه بعض الباحثين المعاصرين .


8- معرفة السِّياق القرآني يُعين على التقويم الصحيح للخاطرة القرآنية وتصحيح مبناها العام ، وعكس ذلك بابٌ من أبواب التحريف ، وقد وقع في ذلك كثير من أهل العقائد المنحرفة والباطلة ومنهم الصوفية والباطنية قديمًا وحديثاً . والأمثلة على ذلك لا حصر لها .


9- القصص القرآنية مجالٌ رحب للخواطر القرآنية ، فالأولى الإكثار منها ،وتوضيحها بخواطر مع ربطها بصحيح السُّنة أكمل. وعدم التعريج على النصوص العقدية وآيات الأحكام لإستلال الخواطر منها ، إلا اذا كان المعنى مساعداً على ذلك .

وقد نهى عليٌّ ابن عباس أن ينُاظر الخوارج بالقرآن وقال إنه حَمَّال أوجه ، وأوصاه بمناظرتهم بالسُّنة ، والخواطر أولى بهذا القيد لتعلُّق العوام بها وشغفهم لها.


10- الورع الكامل في إيراد الخواطر القرآنية يكون بعزو الآثار الصحيحة في معانيها ، حذراً من القول على الله بغير علم ، وتأويل ما لا يُعلم تفسيره . وقد جاء رجلٌ إلى ابن مسعود ، يخبره أنه ترك رجلاً يُفسِّر برأيه قول الله تعالى : ” فارتقب يوم تأتي السماءُ بدخانٍ مبين ” ( الدخان : 10) ) ، فغضب ابن مسعود وصحَّح معنى الآية بما سمعه من رسول الله .

والمقصود أن وجود القرآن بأيدينا نعمة ربانية يجب تعظيمها ، ومن كمال الإيمان الإنقياد للعمل به والإستسلام لتوقيره . وقد قرَّر الأُصوليون أن نسخ الأمر قبل التمكُّن من الفعل من الحِكم الفريدة التي إنفرد بها القرآن المجيد .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
ضوابط الخواطر القرآنية | مدونة المتوقِّد