قوله تعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
هذه الآية الشريفة استخرج منها زكي الدين بن أبي الأصبع أنواعًا كثيرةً من البديع منها: المناسبة التامة بين ابلعي وأقلعي، والمطابقة اللطيفة بين الأرض والسماء، والمجاز في قوله: ويا سماء، ومراده مطر السماء، والاستعارة في قوله: أقلعي، والإشارة في قوله تعالى: وغيض الماء، فإنه بهاتين اللفظتين عبر عن معانٍ كثيرة، والتمثيل في قوله تعالى: وقضي الأمر، فإنه عبر عن هلاك الهالكين ونجاة الناجين بغير لفظ الموضوع له، والإرداف في قوله تعالى: واستوت على الجودي، فإنه عبر عن استقرارها في المكان بلفظ قريب من لفظ المعنى، والتعليل؛ لأنه قوله تعالى: غيض الماء، علة الاستواء، وصحة التقسيم، إذ قد استوعب سبحانه أقسام أحوال الماء حالة نقصه، والاحتراس، في قوله تعالى: وقيل بعدًا للقوم الظالمين، إذ الدعاء عليهم مشعر بأنهم مستحقون الهلاك، احتراسًا من ضعيف يتوهم أن الهلاك شمل من يستحق ومن لا يستحق، فأكد بالدعاء على المستحقين، والمساواة؛ لأن لفظ الآية الشريفة لا يزيد على معناها، وحسن النسق؛ لأنه قص القصة، وعطف بعضهما على بعض، بحسن ترتيب، وائتلاف المعنى؛ لأن كل لفظة لا يصلح معها غيرها، والإيجاز؛ لأنه قص القصة بأقصر عبارة، والتسهيم؛ لأنه من أول الآية إلى قوله: أقلعي، يقتضي آخرها، والتهذيب؛ لأن مرادات الألفاظ موصوفة بصفات الحسن، وعليها رونق الفصاحة لسلامتها من التعقيد والتقديم والتأخير، والتمكين؛ لأن الفاصلة مستقرة في قرارها مطمئنة في مكانها، والانسجام، وهو تحدر الكلام بسهولة، كما ينسجم الماء، وباقي مجموع الآية الشريفة هو الإبداع الذي هو المراد هنا، مع تكرار الأنواع البديعية.
ابن حجة الحموي: خزانة الأدب