هذه العنوان لمحاضرة للشيخ الفاضل محمد حسن عبد الغفار القاها ضمن دروس شرح كتاب التوحيد للأمام بن خزيمة و قد رأيت لمل فيها من نفع أن أفرغها و أنشرها و قد تصرفت فيها تصرف ليس بيسير من حذف و أضافة لأنه كما تعلمون أن الشرح و التقرير يكون فيه من الكلام و التبسيط ما قد لا يناسب الكتابة والتحرير و سأضع رابط باصل المحاضرة للامانة فمن أحب أن يعود إليها فهذا أفضل .


إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ) ( يا أيها الذين آمنوا إتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ) . أما بعد
فإن أصدق الحديث كلام الله وخير الهدى هدى محمد و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النار... أما بعد

الكلام فى هذه المحاضرة إن شاء الله عن مسألة هى من أهم المسائل وهى مسألة حكم من قال بأن القرآن مخلوق.
هذه المسألة مهمة جدا مهمة بذاتها و مهمة لأننا سندرج فيها من التأصيل فى مسألة التكفير ما لابد لكل طالب علم أن يتعلمه بل ويتقنه لأن الضلال فيه بعيد .
حكم من قال بان القرآن مخلوق أنه كافر هذا ما نقل عن السلف أصالة ، من قال بأن القرآن مخلوق مثله مثل الشجر مثل الأنهار مثل الإنسان ... مخلوق فهو كافر .
هذا هو الحكم إجمالا و لكن هناك قاعدة يجب علينا أن نقررها و نكررها فقد قررناها من قبل وهى قاعدة التكفير .فالتكفير من اصعب ما يكون و أشق ما يكون لا يتجاسر عليه إلا جرىء جاهل و لا يتجرأ الإنسان على تكفير معين إلا بدليل اوضح من شمس النهار لخطورة هذه المسألة .
قال رسول الله (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما)
لذلك فهذه المسألة جد خطيرة و لضبطها يجب ضبط أربعة قواعد :
أولا : التكفير حق محض لله تعالى
فالتكفير حكم شرعي مثله مثل الحلال و الحرام فهو حق محض لله تعالى قال تعالى ( ما على الرسول إلا البلاغ)
والكافر من حكم الله فى كتابه أو على لسان رسوله أنه كافر و المؤمن من حكم الله فى كتابه او على لسان رسوله أنه مؤمن.
فمن دخل حظيرة الإيمان لا يجوز لأحد أن يخرجه منها إلا ببرهان من الله لأن الله تعالى وسمه بالإيمان فلا يجوز لأحد أن يسمه بالكفر و من فعل إفتراء من غير برهان كان الجزاء من جنس العمل جزاء وفاقا و اجرا طباقا أن تحور عليه كلمة الكفر قال رسول الله (أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه)
ولنا دليل فى حديث أبى عمران الجوني عن جندب فى صحيح مسلم : أن رسول الله حدث أن رجلا قال والله لا يغفر الله لفلان وإن الله تعالى قال من ذا الذي يتألى علي أن أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك
و لفظه عند أبى داود من حديث أبى هريرة قال : سمعت رسول الله يقول " كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول أقصر فوجده يوما على ذنب فقال له أقصر فقال خلني وربي أبعثت علي رقيبا ؟ فقال والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة فقبض أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد أكنت بي عالما ؟ أو كنت على ما في يدي قادرا ؟ وقال للمذنب اذهب فادخل الجنة برحمتي وقال للآخر اذهبوا به إلى النار قال أبو هريرة والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت ( أهلكت ) دنياه وآخرته .
فالله تعالى عاقبه أشد عقاب إذ أن مغفرة الذنوب .. الحكم على أحد بدخول الجنة أول بدخول النار حق محض لله تعالى ومن لوازم ربوبيته ومن نازع الله فى ربوبيته فهو على شفا هلكة و خطر عظيم .

ثانيا : لابد من التفريق بين الحكم العام و بين إنزال هذا الحكم على المعين
فقد جاء فى الأيات والأحاديث إطلاق كلمة الكفر على من فعل فعل معين او قال قول معين فلابد من التفريق بين فعل الكفر وقول الكفر وبين أن نقول هذا الذى فعل هذا الفعل أو قال هذا القول كافر
دليل ذلك ما رواه أبو يعلى فى مسنده عن عمر أن رجلا كان يلقب حمارا وكان يهدى إلى النبى فجىء به إلى النبى وقد شرب الخمر فأمر به النبى فحد
فقال رجل أللهم العنه فقال النبى لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله .
فوجه الدلالة أنه شارب للخمر و شارب الخمر مستحق للعن و لكن حكم اللعن العام لم ينزل على حمار رضى الله عنه و أرضاه بل أنكر النبى على من فعل ذلك
فهذا يبين أن هناك فرق بين النوع وبين المعين بين أن نقول الفعل فعل كفر والقول قول كفر وبين أن نقول فلان الذى فعل أو قال كافر.
وهناك أيضا حديث البخاري و مسلم عن أبي هريرة : عن النبي قال ( كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت قال لبنيه إذ أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحد فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعي ما فيك منه ففعلت فإذا هو قائم فقال ما حملك على ما صنعت ؟ قال يا رب خشيتك فغفر له )
فهذا الرجل شك فى قدرة الله على بعثه و ظن أن الله لن يستطيع ان يبعثه إذا أحرق وصار رمادا وهذا كفر بالله العظيم الذى لا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء ولكن مع هذا غفر الله له رغم أنه جاء بكفر إلا أنه لم يكفر فلو كان كافر ما غفر الله له ابدا .

ثالثا :من ثبت إيمانه بيقين لا يزول بشك بحال من الأحوال
فمن قال لا إله إلا الله ثبت له حكم الإسلام يقينا و صار له ما للمسلمين و عليه ما عليهم و ليس لأحد أن يشكك فى إسلامه لظن أو وهم .
دليل ذلك حديث البخاري عن أسامة بن زيد رضى الله عنهما و أرضاهما قال بعثنا رسول الله
إلى الحرقة فصبحنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فكف الأنصاري عنه فطعنته برمحي حتى قتلته فلما قدمنا بلغ النبي فقال ( يا أسامة أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ) . قلت كان متعوذا فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم
وفى رواية مسلم قال ( أفلا شققت عن قلبه أقالها أم لا )
فهذه دلالة صريحة على أن من ثبت إيمانه بيقين لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل أن نخرجه من حظيرة الإيمان بشك أو ظن أو حتى غلبة ظن .

رابعا: حكم الكفر لا يثبت إلا بتوافر شروط وأنتفاء موانع
مثال ذلك رجل قال فرض الصلوات ثلاث صلوات فقط فى اليوم والليلة أيكفر أم لا؟
الجواب أنه توافرت شروط الكفر فيه فقد جحد معلوم من الدين بالضرورة و لكن ننتظر حتى نتثبت من امره فنجده مثلا حديث عهد بإسلام فهو جاهل و هذا مانع من تكفيره رغم أنه أتى بكفر ولكنه ليس بكافر .
فلابد من إقامة الحجة الرسالية على العباد قال تعالى ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل )
فالجهل من الموانع والخطأ و شدة الغضب وشدة الفرح كما قال الرجل أللهم أنت عبدى وانا ربك ومن الموانع الإكراه قال تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم )
ومن الموانع التأويل : قال شيخ الإسلام بعدما جاء بحديث الرجل الذى أوصى لأولاده بحرقه ( فهذا رجل شك فى قدرة الله وفى اعادته اذا ذرى بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك
والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا)
مثال ذلك قاتل المؤمن عمدا فقد أتى بمقتضى العقوبة وتوافر شرط خلوده فى النار ولكن لم تنتفى الموانع فالتوحيد مانع والتوبة مانع و القصاص مانع فلا يلزم من وجود مقتضى الحكم وشرطه وجوده فإن الحكم إنما يتم بوجود مقتضيه وانتفاء مانعه .
و قد روى أبو داود و الحاكم و غيره عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه وهو من أصحاب النبي
: أن النبي ابتاع فرسا من أعرابي فاستتبعه النبي ليقضيه ثمن فرسه فأسرع رسول الله المشي وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبي ابتاعه فنادى الأعرابي رسول الله فقال إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته فقام النبي حين سمع نداء الأعرابي فقال " أوليس قد ابتعته منك " فقال الأعرابي لا والله ما بعتكه فقال النبي " بلى قد ابتعته منك " فطفق االأعرابي يقول هلم شهيدا فقال خزيمة بن ثابت أنا أشهد أنك قد بايعته فأقبل النبي على خزيمة فقال " بم تشهد ؟ " فقال بتصديقك يا رسول الله فجعل النبي شهادة خزيمة بشهادة رجلين .
فهذا الأعرابي كذب النبى فى أمر الفرس لكن النبى لم يحكم بكفره لعلمه بما عليه الأعراب من جهل و قسوة طبع وجلافة وقد قال الله تعالى عنهم وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله
وكذلك حديث الرجل الذى أمر أولاده أن يحرقوه بعد موته فيه دلالة على هذه القاعدة فقد توافر شرط الكفر ومقتضاه وهو شكه فى قدرة الله و لكنه لم يكفر لتوافر موانع مثل كونه جاهلا و كونه مؤمنا يخاف الله .
فهذه التأصيلات السابق يجب أن تكون أمام اعيننا عند البحث فى مسائل الإيمان والكفر حتى لا ينزلق طالب العلم الشرعى إلى منزلق خطير وهو تكفير المسلم.
وعودا لموضوع الدرس وهو حكم من قال بأن القرآن مخلوق فهو كافر لأنه كذب بالقرآن قال تعالى ( و إن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) فالقرآن كلام الله بنص قوله تعالى فمن كذب بهذه الأية فهو كافر و قد نقل ذلك عن كثير من أئمة السلف .
قال الأمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة من قال القرآن مخلوق فهو عندنا كافر
وقال مالك بن أنس يقول من قال القرآن مخلوق يوجع ضربا ويحبس حتى يموت
وعن سفيان بن عيينة قال من قال القرآن مخلوق كان محتاجا أن يصلب على ذباب يعني جبل
وكان وكيع يقول من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أنه محدث يستتاب فان تاب والا ضربت رقبته
وقال من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن شيئا من الله مخلوق فقيل له من أين قلت هذا قال لأن الله يقول ( ولكن حق القول منى لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين )
وعن يحيى بن معين قال من قال القرآن مخلوق فهو كافر
وعن عمرو بن دينار قال أدركت تسعة من أصحاب رسول الله يقولون من قال القرآن مخلوق فهو كافر

وقال الإمام الأشعري فى كتابه الإبانة :
(ومن قال : إن القرآن غير مخلوق وإن من قال بخلقه كافر من العلماء وحملة الآثار ونقلة الأخبار وهم لا يحصون كثرة ومنهم : حماد والثوري وعبد العزيز بن أبي سلمة ومالك بن أنس والشافعي وأصحابه وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل ومالك والليث بن سعد وسفيان بن عيينة وهشام وعيسى بن يونس وجعفر ابن غياث وسعيد بن عامر وعبد الرحمن بن مهدي وأبو بكر بن عياش ووكيع وأبو عاصم النبيل ويعلى بن عبيد ومحمد بن يوسف وبشر ابن الفضل وعبد الله بن داود وسلام بن أبي مطيع وابن المبارك وعلي بن عاصم وأحمد بن يونس وأبو نعيم وقبيصة بن عقبة وسليمان بن داود وأبو عبيد القاسم بن سلام ويزيد بن هارون وغيرهم ولو تتبعنا ذكر من يقول بذلك لطال الكلام وفيما ذكرنا من ذلك مقنع والحمد لله رب العالمين )
................................................

وهذه هى المحاضرة مسموعة على موقع طريق الإسلام
http://www.islamway.com/?iw_s=Lesson...esson_id=28608