إن ما يترددُ في بَعضِ التفاسيرِ في قولتهِمُ المُعتادةِ عندما يَتعرضونَ لِكلمةٍ لم تجر على قياساتِهم - مِن أن هذه الكلمةَ لم تجر على القياسِ -أو كانَ القياسُ فيها كذا - فهي مَسألةٌ مُحيرةٌ حَقاً -فمَتى كانت اللغةُ حاكمةً على القرآنِ؟ولقد قامَ البعضُ بأكثرَ من هذا- مِن ردهم لبعضِ القراءاتِ الثابتةِ لكونها تخالفُ الوزنَ أو القياسَ !!
وفي مُشاركتي السَّابقةِ قد نقلتُ كلاما فاصلا لصاحبِ تفسيرِ المَنارِ وللعثيمين . في قوله تعالى قد يعلم ما أنتم عليه أليسوا مضطرين لمخالفةِ القياسِ؟
وما أريدُ أن أشاركَ به الآنَ هو الأمرُ نفسُه -لكن في سُورةِ الحِجرِ - في قوله تعالى :رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (2)
قال في اللباب : و رُبَّ تدخل على الاسم، و رُبَّما على الفعل، ويقال: ربَّ رجُلٍ جَاءنِي، ورُبَّما جَاءنِي.
قال في التحرير والتنوير : ورُبَما مُرَكَّبَةٌ مِنْ (رُبَ) . وَهُوَ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى تَنْكِيرِ مَدْخُولِهِ وَيَجُرُّ وَيَخْتَصُّ بِالْأَسْمَاءِ. وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ وَتَشْدِيدِهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. وَفِيهَا عِدَّةُ لُغَاتٍ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَعَاصِمٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِهَا.
وَاقْتَرَنَتْ بِهَا (مَا) الْكَافَّةُ لِ (رُبَّ) عَنِ الْعَمَلِ. وَدُخُولُ (مَا) بَعْدَ (رُبَّ) يَكُفُّ عَمَلَهَا غَالِبًا. وَبِذَلِكَ يَصِحُّ دُخُولُهَا عَلَى الْأَفْعَالِ. فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْفِعْلِ فَالْغَالِبُ أَنْ يُرَادَ بِهَا التَّقْلِيلُ. وَالْأَكْثَرُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا مَاضِيًا، وَقَدْ يَكُونُ مُضَارِعًا لِلدَّلَالَةِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ كَمَا هُنَا. وَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَنْ أَوْجَبَ دُخُولَهَا عَلَى الْمَاضِي .
قال القرطبي : وَأَصْلُهَا أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الْقَلِيلِ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْكَثِيرِ، أَيْ يَوَدُّ الْكُفَّارُ فِي أَوْقَاتٍ كَثِيرَةٍ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، قَالَهُ الْكُوفِيُّونَ. ومنه قول الشاعر:
أَلَا رُبَّمَا أَهْدَتْ لَكَ الْعَيْنُ نَظْرَةً ... قُصَارَاكَ مِنْهَا أَنَّهَا عَنْكَ لَا تُجْدِي أي لا تغنى
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هي للتقليل فهذا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَا فِي كُلِّهَا، لِشُغْلِهِمْ بِالْعَذَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
والسؤالُ يعيدُ نفسَه - هل نأخذُ هنا باللغةِ أم بالحقيقةِ؟ حقيقةِ أنهم لا مَحالةَ يتمنونَ الإيمانَ لكن ليس على لغةِ التقليلِِ التي تُوحي بها ربَ ؟ فكيفَ يكونُ هذا؟ إنَّ القرآنَ يدلُ على كَثرةِ تَمنيهم للإيمانِ لا على قِلةِ تَمنيهِم .لنراجع كلام الشيخينِ المباركينِ في المشاركةِ السابقةِ وسينجلي الأمرُ إن شاء الله.