حكم من يعيش ليأكل !

بمناسبة إرتفاع أسعار المحروقات وتضجُّر الكثير من الناس من موجة الغلاء المتوقَّعة ، كنتُ البارحة في هزيع من الليل أُقلِّب بعض رسائل ” أبقراط ” الطبيب اليوناني الملقَّب ب” أبو الطِّب ” ، وقد ولد قبل نبي الله عيسى بأكثر من أربعة قرون.



من فوائد هذا الطبيب أنه أوَّل من سنَّ القسم المعروف بقَسَم الأطباء والحلف بِكتمان أسرار المرضى وعوراتهم .


وله حِكم جميلة تدلُّ على عُمق في حياته ، وتجربة قوية في مهنته . منها قوله : (غيري يعيش ليأكل ، وأنا آكل لأعيش ) وقوله : ( إن الأحمق يعيش ليأكل ، و إن العاقل يأكل ليعيش ) وقوله : ( إن الناس اغتذوا في حال الصحة بأغذية السِّباع فأمرضتهم ، فغذوناهم بأغذية الطير فصحُّوا ) .
وله وصايا نافعة في ملاحظة المرضى وأحوال البدن لا يجب إهمالها لكونه كان كافراً ، فَكُفره لنفسه ، وطِّبه وعلمه للناس .


وبالاستقراء يبدو أنَّه اطَّلع على بعض كتب الشرائع ووصايا الحُكماء قبله .
وقد استفاد أبو هريرة حِكمةً ووصيةً من إبليس اللعين ، ولم يُنكر عليه الرسول ، كما في قصته في حِراسة بيت الزكاة كما في الصحاح والسُّنن .



مسألة العيش لأجل الأكل أو لأجل التمتُّع بنعيم الدنيا ، أو لأجل مِلء البطن ، قد تكون مسألة فِطرية جِبلية ، لكنها تكون منحرفة عن قانون الحياة إذا كانت عادة يشبُّ الإنسان عليها ويشيب.


ولهذا كان الطبيب المسلم الحارث بن كِلدة (ت: 13هـ ) تعالى يُوصي بالإقتصاد حين زار كسرى أنوشيروان، وحين سأله عن أعظم الداء ؟ قال الحارث: إدخال الطعام على الطعام، هو الذي أهلك البرية، وقتل السِّباع في البرية .


• أما من الناحية الأصولية والفقهية فتتضح الأحكام الآتية :
1- العيش من أجل الأكل من أسباب الغلاء ، وهو ما يُسمَّى بحُمَّى الاستهلاك ، فكثرة الطلب على الموارد الزراعية والغذائية يزيد من سعرها ، مما يُوقع في الضِّيق والحرج لفئات كثيرة من الناس . وقد قال الله تعالى : “ولا تبسطها كُّل البسط ” ( الإسراء :29 ) . وهذا من المباح بالجزء المكروه بالكل ، كما قرَّره الإمام الغزالي ( ت: 505هـ) تعالى .

والواجب شرعاً أن يطلب الإنسان ما يكفيه لا ما يلُهيه . وقديماً كان الناس يتقاتلون على الماء والكلاْ لِشُّح الموارد ، واليوم يتقاتلون عليها لينفرد بها البعض دون الآخر ! .



2- التسعير الثابت الدائم خطأ شرعي وتجاري ، لأن السوق تحكمه عدة عوامل في البيع والشراء . كما تحكمه مصالح شرعية أيضاً يعرفها أهل الحل والعقد . وقد طلب الصحابة من رسول الله أن يُسعِّر لهم ، فلم يُجبهم إلى ذلك لعدم جدواه ، لكنه أمرهم بالأمانة ومراعاة أحوال الناس .


ففي الحديث : “إِن اللَّهَ هوَ المُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِط الرَّازِقُ ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلقَى اللَّهَ وَلَيْس أَحدٌ مِنكُمْ يُطَالِبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلا مَال” رواه ابن ماجه وأبو داود بإسناد صحيح .
فالتسعير يكون واجبًا في ضروريات الناس لا في غيرها .
وقد بيَّن الإمام ابن تيمية ( ت:728هـ ) تعالى أن بعض التسعير ظلم وبعضه عدل ، على حسب واقع الناس .


3- الهمُّ اليومي لكثيرٍ من الناس وصفه الامام علي(ت:40هـ) . فقد روى أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح عن كُميل بن زياد قال : أخذ عليٌّ بن أبي طالب بيدي، فأخرجني إلى ناحية الجبّانة، فلما أصحرنا جلس ثم تنفس ثم قال: يا كُميل بن زياد : القلوب أوعية فخيرها أوعاها، احفظ عنِّي ما أقول لك:
الناس ثلاثة: فعالمٌ رباني، ومتعلِّمٌ على سبيل نجاة، وهَمجٌ رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركنٍ وثيق ” . فعامة الناس لا تجب طاعتهم في مصالحهم ،لأن أهليتهم شرعاً ناقصة ، إنما يُستشارون وتناط مصالحهم بأهل العلم والخبرة من أعيان الناس إن كانوا ثقات . لكن يحرم ظُلمهم وبغيهم . وهذه قضية شرطية عند أهل العلم لا جدال فيها .
وقد جاء في الأثر : ” شِّرار أُمتى الذين ولدوا فى النعيم وغذوا به ، هِمتهم ألوان الطعام ، وألوان الثياب ، يتشدَّقون فى الكلام ” . رواه الطبراني بإسناده حسن .



4- التدبير والاقتصاد من أساليب الحياة الصحية والشرعية التي تُستفاد من نصوص الشرع ،كما في قصة يوسف لما كان أميناً على خزائن مِصر . وقدجاء في الأثر : ” الإقتصاد جزءٌ من أربعة وعشرين جزءاً من النبوة ” . أخرجه الترمذي بإسنادٍ صحيح .
ومن العلماء قديماً من صنَّف في علم التدبير وإصلاح المعاش ، ويضيق المقام هنا عن سرد مؤلفاتهم .



5- القروض الربوية سبب من أسباب النفقة الزائدة والجشع والبطر بالنِّعم . فعندما سهَّلت البنوك الربوية القروض بفوائد ربوية ، تطلعت همة الناس الى العبث بالمال ونسيان الشكر وإخراج حق الله فيه .


6- حياة الرفاهية لا تدوم لأحدٍ ،حتى الملوك ووجهاء القوم انقطعت عنهم النِّعم فجأةً ، كعادٍ وثمودَ وأصحاب الأيكة وقوم تُبَّع .
ومن تأمَّل قَصة المعتمد ابن عباد (ت: 488هـ) تعالى ، وأصله من عرب العريش بسيناء ، آخر ملوك الطوائف بني عباد في الأندلس ، الذي عاش الملذات والعِزَّ ، وكيف تحوَّل حاله في عشية أو ضحاها أسيراً ذليلاً يُقاد بالسلاسل . وكان ينشد في السجن :
فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورا
وكان عيدك باللذات معمورا
وكنتَ تحسب أن العيد مسعدةٌ
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعةً
في لبسهنّ رأيت الفقر مسطورا
معاشهنّ بعيد العزّ ممتهنٌ
يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعةً
أعينهن فعاد القلب موتورا
قد أُغمضت بعد أن كانت مفتّرةً
أبصارهنّ حسيراتٍ مكاسيرا
يطأن في الطين والأقدام حافيةً
تشكو فراق حذاءٍ كان موفورا
قد لوّثت بيد الأقذاء اتسخت
كأنها لم تطأ مِسكاً وكافورا
لا خدّ إلا ويشكو الجدب ظاهره
وقبل كان بماء الورد مغمورا
لكنه بسيول الحزن مُخترقٌ
وليس إلا مع الأنفاس ممطورا
أفطرت في العيد لا عادت إساءتُه
ولست يا عيدُ مني اليوم معذورا
وكنت تحسب أن الفطر مُبتَهَجٌ
فعاد فطرك للأكباد تفطيرا
قد كان دهرك إن تأمره ممتثلاً
لما أمرت وكان الفعلُ مبرورا
وكم حكمت على الأقوامِ في صلفٍ
فردّك الدهر منهياً ومأمورا
من بات بعدك في ملكٍ يسرّ به
أو بات يهنأ باللذات مسرورا
ولم تعظه عوادي الدهر إذ وقعت
فإنما بات في الأحلام مغرورا .
7- في التاريخ عِبر كثيرة عن سلب النِّعم بسبب كفر الناس لها ، وهذا لا يُنكره إلا جاحد ، فقد روى المقريزي في وصف حال زمانه زمن الدولة المستنصرية العبيدية في مصر في منتصف القرن الخامس الهجري، بعضاً من ذلك حين قال : “وأُكلت الِكلاب والقطط حتى قلَّت الكلاب، فبيع كلب ليؤكل بخمسة دنانير، وتزايد الحال حتى أكل الناس بعضهم بعضاً. وتحرَّز الناس،
فكانت طوائف تجلس أعلى بيوتها ومعهم سلب وحبال في كلاليب ، فإذا مرّ بهم أحد ألقوها عليه، ونشلوه في أسرع وقت وشرحوا لحمه وأكلوه، ثم آل الأمر إلى أن باع المستنصر كل ما في قصره من ذخائر وثياب وأثاث وسلاح وغيره. وصار يجلس على الحصير. وتعّطَّلت دواوينه، وذهب وقاره ، وجاءه الوزير يوماً على بغلته، فأكلها الناس، فشنق طائفة منهم فاجتمع عليهم الناس فأكلوهم” .


8- هناك علاقة بين الفهم والجوع استخلصها بعضُ أهل العلم من قول الله تعالى : ” قال لِفتاه آتنا غدآنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً “(الكهف: 62) وبقية القصة معروفة .فالبطنة تُذهب الفِطنة ،كما صح في الأمثال . وقد صحَّ في السنة ما يؤيِّد هذا المعنى .


9- من طالع سيرة أهل الهِمم من المتقدِّمين الذين عاشوا الفقر ولبسوا لباس الزهد ،كمحمد وصحابته الكرام والقرون المفضلة، أيقن أنه لا سبيل إلى القرار في هذه الحياة على حالٍ واحد ، فكل سنةٍ يأتي بعدها ما هو شر منها .
فيجب على الإنسان أن يوطِّن نفسه على هذا الأمر .


10- إلزام الناس بضرائب بدون مقابل خَدمي لهم ، أو جعلها عليهم وفي بيت المال ما يكفي للقيام بالخدمات اللازمة والمصلحة العامة ، محرم شرعاً، وآخذها عرضة لأن لا يدخل الجنة، كما ثبت في المسند من حديث عقبة بن عامر أن النبي
قال: ” لا يدخل الجنة صاحب مُكس ” وإسناده حسن .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د / أحمد بن مسفر العتيبي

(منقول )

حكم من يعيش ليأكل ! | مدونة المتوقِّد