قالَ صاحبُ تَفسيرِ المَنَارِ رَحِمَهُ اللَّهُ:
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -: وَالِاخْتِلَافُ فِي التَّفْسِيرِ عَلَى نَوْعَيْنِ: مِنْهُ مَا مُسْتَنَدُهُ النَّقْلُ فَقَطْ، وَمِنْهُ مَا يُعْلَمُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَالْمَنْقُولُ إِمَّا عَنِ الْمَعْصُومِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ مَا لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْقِسْمُ - الَّذِي لَا يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ صَحِيحِهِ مِنْ ضَعِيفِهِ - عَامَّتُهُ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى مَعْرِفَتِهِ، وَذَلِكَ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي لَوْنِ كَلْبِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَاسْمِهِ، وَفِي الْبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْقَتِيلُ مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي قَدْرِ سَفِينَةِ نُوحٍ وَخَشَبِهَا، وَفِي اسْمِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخِضْرُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الَّذِي يُمْكِنُ مَعْرِفَةُ الصَّحِيحِ مِنْهُ فَهَذَا مَوْجُودٌ كَثِيرٌ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - وَأَمَّا مَا يُعْلَمُ بِالِاسْتِدْلَالِ لَا بِالنَّقْلِ فَهَذَا أَكْثَرُ مَا فِيهِ الْخَطَأُ مِنْ جِهَتَيْنِ حَدَثَتَا بَعْدَ تَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانٍ .
ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَتَيْنِ اللَّتَيْنِ هُمَا مَثَارُ الْخَطَأِ.
(إِحْدَاهُمَا) حَمْلُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ عَلَى مَعَانٍ اعْتَقَدُوهَا لِتَأْيِيدِهَا بِهِ - أَقُولُ: كَجَمِيعِ مُقَلِّدَةِ الْفِرَقِ وَالْمَذَاهِبِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ الْمُتَعَصِّبِينَ لَهَا، فَإِنَّهُمْ قَدْ جَعَلُوا مَذَاهِبَهُمْ أُصُولًا وَالْقُرْآنَ فَرْعًا لَهَا يُحْمَلُ عَلَيْهَا، وَهَذَا شَرُّ أَنْوَاعِ الْبِدَعِ وَتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ الْمَذْمُومِ فِي الْحَدِيثِ.
(ثَانِيَتُهُمَا) التَّفْسِيرُ بِمُجَرَّدِ دَلَالَةِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْقُرْآنِ، وَهُوَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ -، وَالْمُنْزَلِ عَلَيْهِ وَالْمُخَاطَبِ بِهِ.
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ بَعْضَ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ رَوَوْا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، حَتَّى عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ الَّذِي رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ: " إِنْ كُنَّا لَنَبْلُو عَلَيْهِ الْكَذِبَ " وَمِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وَمِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ رَوَى عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ رَوَوْا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالنَّقْلِ عَنِ الْمَعْصُومِ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ الْمَاضِي أَوِ الْمُسْتَقْبَلِ وَأَمْثَالِهِ لَا يُقْبَلُ فِي إِثْبَاتِهِ إِلَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الْمَرْفُوعُ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهَذِهِ قَاعِدَةُ الْإِمَامِ ابْنِ جَرِيرٍ الَّتِي يُصَرِّحُ بِهَا كَثِيرًا.