من اللطائف العجيبة أنه مرة من المرات تذاكرت مع بعض طلبة العلم حول القاعدة الأصولية أدلة الأحكام محصورة وأدلة وقوع الأحكام غير محصورة .
فالأدلة يعتمد عليها المجتهدون ، والحجج يعتمد عليها الحكام والقضاة ، والأسباب يعتمد عليها المكلفون .

وقد قال بعض العلماء قديماً إن كثيراً من نوازل الفقه ولدت في ساحات القضاء . وهذه منقبة بلا شك .
فالقضاة كما قال الحكيم كمن وضع العهن في موضع النقب . فلله ما أعظم هِممهم وما أصيد خواطرهم ! .


ربما في يوم من الأيام يتم إقرار منهج الهندسة القضائية ، وهو علم من خلاله يتم تقريب العلوم القضائية ومسائلها وإجراءاتها العدلية في منهج تقني هندسي يواكب العصر .

الأنظمة العدلية الثلاثة : نظام المرافعات ونظام الإجراءات الجزائية ونظام المحاماة ، تفتقر إلى التطوير التقني المضبوط بضوابط الشرع ، وتكتنفها كثير من المعضلات العصرية بلا شك .

ويشكو كثير من الناس بطء الإجراءات القضائية والتي يستمر بعضها بضع سنوات ، وهذه معضلة تزخر بها المحاكم في كثير من دول العالم .
ومع الإنفجار السكاني وكثرة الدعاوى وتعدُّد الشكاوى بسبب الإنفلات الأخلاقي وضغوط العصر التي لا حصر لها وضعف الذِّمم عند كثير من الناس ، بات مُلحاً وجود مخرج شرعي لتسهيل الترافع وإقامة الدعاوى والبتِ في مئات الملفات القضائية في مدة وجيزة .

وقد تفطَّنتُ لأهمية الترافع الإلكتروني من واقعة تأريخية حدثت لشريح القاضي (ت: 78هـ ) تعالى ، ذكرها المترجمون له ، وهي تؤكد أهمية وضرورة وضع كل شي في موضعه الصحيح مهما تعقدت الأحوال الزمانية .
فقد روى أنه لما كان عمره خمس سنوات ، اصطحبه أبوه في سفر، وفي طريقهم مع القافلة، رفض الأطفال المرافقين لهم اللعب معه. فأعرض عنهم ليلعب وحيداً، فرآه أبوه بعيداً عن القافلة فخاف أن يخطتفه قطّاع الطريق، فنهره. فسمعها الغلمان المرافقين له فضحكوا عليه ثمّ قالوا له ” لنلعب معك، قف حيثما كنت، وسنختبئ ثمّ نأتيك “، ثمّ ذهبوا إلى أبيه يخبرونه أنّه عصاه. فضربه أبوه، ولم يقدر على الدفاع عن نفسه، وأقسم لأبيه أنّه مظلوم ، ولم يكن يجد الدليل الثّابت ، فيستمرّ أبوه في ضربه. فأثّر فيه أنّ المظلوم يحتاج إلى الإنصاف عندما لا يجد شاهداً ولا دليلاً، وتأثّر فيما بعد بقول الله تعالى ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ( البقرة : 113 ) .
وعند الأصوليين أن الحكم العادي هو الحكم المستخرج بالعادة ليتوصل به إلى الحكم الشرعي ، فيكون مشروعا مباحا ً .
من خلال ضبط الهندسة الإلكترونية اليوم يمكن تكييفها تكيِّيفا شرعياً، لتسهيل الترافع وإقامة الدعاوى وسماعها وتوثيقها وضبطها ضبطاً دقيقاً .
والتقنية اليوم تخدم سبعين بالمئة من مهام القضايا العدلية ، فلا يجوز شرعاً التفريط فيها ، وهذا دليل واقعي على ضرورة الإفادة من التقنية في مختلف النواحي العدلية .
فالوكالة الشرعية يمكن تطبيقها إلكترونياً إذا تمت بالضوابط الشرعية ، وكذلك نقل الملكية العقارية وتوثيق عقود الأنكحة والطلاق والخلع وصكوك العقار .
والترافع المألوف – في الواقع العرفي – هو أن يكون رفع الدعوى إلى المحكمة بتعبئة نموذج رسمي يسمى صحيفة الدعوى . ويبين فيها المدعي موضوع الدعوى وأسانيده وطلباته ، ويجب مراعاة معرفة الاختصاص أثناء رفع الدعوى .
والاختصاص – في العرف العدلي – ثلاثة أنواع : ( دولي ومحلي و نوعي ) ، فالاختصاص الدولي ينظِّم رفع الدعوى على المواطن المقيم خارج دولته ، وغير المماثل لجنسيته ، سواءاً كان مسلماً أم غير مسلم ، ومتى وكيف تنظر ملفات قضيتهم .
أما الاختصاص المحلي فهو ينظِّم رفع الدعوى في المحكمة التي يقع في نطاق اختصاصها محل اقامة المدَّعى عليه .
أماالاختصاص النوعي فينظِّم تحديد اختصاص كل محكمة داخل المدينة الواحدة من ناحية نوعية القضايا المختلفة .
بعد الفراغ من كتابة صحيفة الدعوى وتحديد الاختصاص يتم تقيِّيد صحيفة الدعوى لدى قسم الدعاوى والأحكام ، وتُحال الى المكاتب القضائية.
وإذا تم تحديد موعد للنظر في القضية يقوم مكتب التنسيق بتسليم المحضرين صحيفة الدعوى مع ورقة التبليغ لحضور الجلسة ،كي يقوم بإيصالها إلى المدَّعى عليه ، وفي حال رفض المدَّعى عليه الإستلام ، يتم تسليم صحيفة الدعوى إلى عُمدة الحي أو قسم الشرطة حتى يقوموا بتسليمه .
عندما يأتي الموعد الذي حدَّده القاضي لنظر القضية، فإن الأصل حضور صاحب القضية ، ولصاحب القضية أن يُنيب عنه ، والنيابة تشمل عدة صور وهي :
1-الوكيل أو المحامي . وللمحكمة منع الوكيل من الترافع وطلب الأصيل صاحب القضية .
2-الوصي
3-الولي
4-الممثل عن الشخصية المعنوية العامة كمؤسسات الدولة , او الخاصة كالشركات .
وعند بدء الجلسة يقوم القاضي بسؤال المدعي عن دعواه ، فإما أن يذكر المدعي دعواه شفهياً أو يكتفي بما هو محرَّر في صحيفة الدعوى ، وبعد ذلك يسأل القاضي المدعى عليه عن ردِّه على الدعوى ، فإما أن يذكر المدعى عليه الرد شفهياً أو يُخبر القاضي بأن الرد محرَّر في صحيفة الدعوى .
وفي حال غياب المدعي عن الجلسة ولم يقدم عذراً تقبله المحكمة تُشطب دعواه ، وله طلب الاستمرار في النظر فيها ، فإذا غاب عن الجلسة الثانية دون عذر ، تلغى دعواه ولاتُسمع الا بقرار يصدر من مجلس القضاء الأعلى .
أما المدعى عليه فلا يُحكم عليه غيابياً إلا إذا بُلِّغ مرتين وغاب من غير عذر ، وللمحكوم عليه غيابياً طلب التماس إعادة النظر ، والمحكمة لاتعتبر الشخص غائباً إلا إذا لم يحضر قبل الميعاد المحدد لانتهاء الجلسة بنصف ساعة .
فإذا تمت المرافعه في الدعوى وقدم الطرفان كل مالديهما ، فعلى المحكمة الحكم في القضية مباشرة وإلا أُجِّلت القضية إلى جلسة تالية ، مع إفهام الخصوم بقفل باب المرافعة ، وأن الجلسة القادمة هي ميعاد النطق بالحكم .
وفي اليوم المحدَّد لإصدارالحكم يتم سؤال المدعي والمدعى عليه عن قناعتهما بالحكم ، فاذا اقتنعوا أصبح الحكم نهائياً وسقط الاعتراض على الحكم ، أما إذا أظهر أحد الطرفين عدم القناعة بالحكم ، فإن القاضي يقيد ذلك في صك الحكم ، ويُخبر الطرف المعترض على الحكم بالمدة النظامية للإعتراض على الحكم والتي هي ثلاثون يوماً من تسلم الصك .
والمقصود بالترافع الإلكترونى، تنظيم تقني معلوماتى يسمح للمحامين والخصوم تسجيل صحيفة الدعوى وإيداع المستندات المؤيدة لها، ومباشرة إجراءآتها حتى إصدار الحكم وتنفيذه من خلال وسائل اتصال إلكترونية، دون حضور الخصوم شخصياً لمباشرة إجراءات التقاضى، ويتم ذلك من خلال موقع إلكتروني .
ويمكن إستخدام الموقع خلال أربع وعشرين ساعة يومياً طوال الأسبوع ، حتى أيام الإجازات والعطلات الرسمية، ومن أى مكان عبر شبكة الإنترنت .
والترافع بهذه الصورة نقلة نوعية فى الإجراءات ، لأنه يُحوِّلها من تقاضٍ ورقي إلى إلكتروني، وفيه تحقيق للعدالة السريعة الناجزة واختصارللوقت وحدُّ من النفقات .
ولقد كان عمر( ت: 23هـ ) يقضي في النازلة بحكم ثم يقضي في نازلة مماثلة بحكم مغاير ويقول: ” ذلك على ما قضينا وهذا على ما نقضي” .ويقول في رسالته المشهورة : ” لا يمنعك قضاء قضيته اليوم أن ترجع فيه لرشدك ” .
وقد كتب ابن المقفع – ( ت: 142هـ )وهو أديب ومستشار قضائي للخلفاء في زمنه – رسالته المشهورة الى المنصور العباسي( ت: 158هـ ) يطلب منه ان يضع نظاماً للقضاء والفتوى ليرفع كثرة الخلاف وتضارب الآراء والأحكام ، قائلاً: ” إن ما يحرم بالكوفة يكون جائزاً بالحيرة ، وان الأحكام والفتاوى تتضارب في سائر الأمصار” .
وربما كان هذا هو ما جعل المنصورالعباسي يهم أن يجمع الناس على كتاب الموطأ للامام مالك تعالى ، ليستمدوا منه الفتاوى والاحكام .
ويفهم من كلام الإمام الشافعي( ت: 150هـ) تعالى الذي نقله الإمام النووي( ت: 676هـ ) تعالى في شرح صحيح مسلم أنه يُصحِّح الترافع من غير حضور أصحاب الدعوى مباشرة . وقد فصَّل ابن قدامة( ت: 620هـ ) تعالى في كتابه المغني هذا الرأي مبيناً أن الجمهور لا يُجيزون الحكم على الغائب إذا كان حاضراً أو قريباً منها يسهل حضوره مجلس الحكم . وهذا هو الراجح عندهم حتى لو كان المدعي عنده بينة بما يدَّعيه .
لكن هذا الرأي مُتعقَّب بأنه إذا رضي الطرفان بالترافع الكترونياً مع توثيق بيناتهما ووضوح القرائن للقاضي في نفس الوقت بلا لبس أو غموض ، فالأصل صحة الترافع وصحة الحكم .
والذي تبين لي عند التأمل أن الترافع الإلكتروني إذا كان متعلِّقا بحقوق الآدميين فقط فإنه لا بأس به .
أما ما كان متعلِّقا بحقوق الله تعالى، فلا يصح إلا إذا جُمع فيه بين الحضور في مجلس الحكم وغيره مما يحقق صحة البينات ورؤية الخصوم . ومنه قول الرسول : ” هل مسحتما سيفيكما ” متفق عليه . في قصة قتل أبي جهل المشهورة .
ولهذا كان الفقهاء يقولون : لا تُسمع دعوى حسية كعبادة ولا دعوى حدِّ زنا أو شرب ولا دعوى كفارة ونذر ونحوها .
والدليل على هذا مسألة حكم الحاكم بعلمه وهي دائرة بين المنع والإباحة ، وقد نبَّه ابن رشد الحفيد ( ت: 595هـ ) تعالى إلى أن الإمام أحمد (ت: 241هـ) تعالى والإمام الشافعي ( ت: 204هـ) تعالى وبعض أئمة العلم أجازوا حكم الحاكم بعلمه كرؤيته أو سماعه أو يقينه ، بدون إعمال أحكام القضاء من سماع الدعاوى والبينات والشهود واليمين . وهذه مسألة اجتهادية يُقدِّر العمل بها الحاكم بحسب ظروف الزمان والمكان ، مما لا يخالف النص والإجماع .
لكن تبقى بعض الإشكالات في الترافع الإلكتروني وهي مسألة التثبت من الشهود وإقرارهم ورجوع بعضهم عن الشهادة قبل الحكم أو بعده .
وكذلك هناك مشكلة عدم تحرير الدعوى أثناء الترافع الإلكتروني كأن تكون ناقصة أو مبتورة أو مشوهة في تعبيرها ، كعدم ذكر النوع والجنس والعدد في الدعاوى الحسابية مثلا . وكذلك تعليق خدمة شبكة المعلومات أو توقفها ونحوها من المعضلات .
هناك إشكالات فقهية يمكن استدراكها ومنها تفويت جلوس الخصمين جلوساً حسياً، ليتمكن القاضي من الحكم بالقرائن أمامه مباشرة ، وقد روى أبو داود مرفوعاً : ” قضى رسول الله صلى الله عليه أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم ” وفي إسناده مقال . وهذا ليس بواجب بل مسنون ، لكن من مصلحة القاضي حصوله لمعرفة بواطن الأمور بالحس .
ويتفرع من هذه المسألة ما يسمى بإنفكاك الدعوى عن الكذب وهي الدعوى المقلوبة ، ويشترط لإبطالها مشاهدة الخصمين مباشرة . وقد حدثت في مجلس الحكم عند سليمان حين اختصمت عنده امرأتان في طفل ادَّعته إحداهما .
وفي المذهب الحنفي والمالكي دلالات فقهية ثبتت بالقياس والمصالح المرسلة ، تُشير إلى جواز الترافع الإلكتروني سواء من جانب القاضي والحاكم أو من جانب أصحاب الدعوى . وعند المالكية مسألة مشهورة وهي جواز تأخير الحكم بعد رفع الدعوى لسبب يقتضيه الحال .
ويصح الترافع الالكتروني اذا ابتدأ فيه المدعي ببينته وسمعها القاضي وتم إقرار المدعى عليه أو طابت نفسه باليمين .
ويتميز الترافع الالكتروني بأنه لا يمكن من خلاله تلقين الشهود كما في المجلس القضائي ، فيترك الأمر لرغبتهم إن نطقوا أو امتنعوا من غير أمر لهم . وقد كان شريح القاضي تعالى المعروف بعدله مشهوراً بهذا ، وهو يدل على الفراسة لمعرفة صاحب الحجة من فاقدها .
ومن اللطائف الفقهية في الترافع أنه يصح الحكم على الغائب مسافة قصر إذا ثبت عليه الحق ، لكن الأصح المكاتبة بوجوب حضوره ، كما فعل الرسول حين كاتب اليهود لما ادَّعى الانصاري عليهم قتل صاحبهم فكاتبهم ولم يُحضرهم . متفق عليه .
لكن في الترافع الإلكتروني يمكن إلغاء هذا الشرط إذا تحقق الإقرار أو الإنكار عبر الشبكات التقنية بعد التحقق من الدعوى وأصحابها .
وتكون الألفاظ المكتوبة – في الترافع الإلكتروني -حجة لصاحبها أو عليه على حسب مقتضى الحال .
وتُلحق أحكام الترافع أيضا بأحكام الكتابة والمواثيق الآدمية التي يلزم الوفاء بها وأداؤها بالطرق المعتبرة شرعاً . كما قال الله تعالى : ” وليكتب بينكم كاتبٌ بالعدل ” ( البقرة : 282).
والقاعدة الفقهية قرَّرت أنَّ التابع تابع ، وأن الوسائل لها أحكام المقاصد .
ومعلوم أن الكتابة تكون فيصلاً في المنازعات وحجة لضبط الاستحكام . وقد استثنى جمهور الفقهاء من صحة التصرفات بالكتابة : عقد النكاح فلا ينعقد بالكتابة عند المالكية والشافعية والحنابلة, بل إن المالكية يقولون إن النكاح يفسخ مطلقا .أما الحنفية فإن النكاح ينعقد عندهم بالكتابة كسائر العقود . فتكون هذه الجزئية الخاصة بعقد النكاح عبر التراسل محل خلاف عند بعض أهل العلم .
والمقصود أن الترافع الإلكتروني جائز بشرط ضبط جزئياته التي قررها الفقهاء في مجلس الحكم ، كما هو منقول عن السنة الفعلية والقولية للرسول ، التي سار عليها أهل القرون المفضلة .
وقد صح عن عائشة الحكم بين الخصوم وهي في حجرتها بلا رؤية لهم .
وقد تقرر عند الأصوليين أن المصلحة إذا كانت تعود على مقاصد الشريعة بالحفظ فيجب العمل بها .
وختاما أقيِّد ما قاله الإمام ابن تيمية (ت: 728هـ) تعالى حين قال عن مثل هذه المسألة : ” ليس كل سبب نال به الإنسان حاجته يكون مشروعاً بل ومباحاً ، وإتما يكون مشروعاً إذا غلبت مصلحته على مفسدته ، أما إذا غلبت مفسدته فإنه لا يكون مشروعاً بل محظوراً وإن حصل به بعض الفائدة ” .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/أحمد بن مسفر العتيبي

(منقول )
حكم الترافع الإلكتروني | مدونة المتوقِّد