إلى أحبتي مدرسي الحلقات (ج 2)

أشرت في المقال السابق إلى أهمية الزادَين: الإيماني، والعلمي لمدرس الحلْقة، وبيّنتُ أثره على تكوين المدرس، ومِن ثَمّ على الطلاب.
ومن أهم ما يتزوّد به معلّم القرآن: الصبر على هذه الوظيفة، وقد تأملتُ في سِيَر أئمة القُرّاء الذين صاروا شامة في جبين الأمة؛ فوجدت القاسم المشترك بينهم: هو الصبر، ولا غرو! فقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون﴾[السجدة: 24].
وتجد في سياق تراجمهم عباراتٍ متنوعة تصل منها رسالةٌ واضحة بأن هذا الشرف لا يناله إلا من صبر وأخلص.. تأمل هذه العبارات التي ساقها الذهبي ـ ـ في كتابه البديع "معرفة القراء الكبار" عن أولئك الذين بلغوا رتبةَ الإمامة في هذا الباب، ففي ترجمة نافع المدني: "وأقرَأَ الناسَ دهراً طويلاً".
وفي ترجمة حفص بن سليمان: "قرأ على عاصم مراراً...، أقرَأَ الناس دهراً"، وفيترجمة محمد بن عبد الرحيم أنه قال: "قرأتُ القرآن على أبي الربيع ابن أخي الرشديني، وختمت عليه إحدى وثلاثين ختمة".
وفي ترجمة محمد بن النضر(ابن الأخرم): "قال محمد بن علي السلمي: قمت ليلةً المؤذنَ الكبير لأخذ النوبة على ابن الأخرم، فوجدت قد سبقني ثلاثون قارئاً، ولم تدركني النوبة إلى العصر"([1])، وفي ترجمة بكار بن أحمد بن بكار: "من كبار أئمة الأداء. أقرأ القرآن نحواً من ستين سنة"!
وفي ترجمة عبد الواحد بن عمر(أبو طاهر البغدادي): "قرأ عليه خلقٌ كثير".
وفي ترجمة عبد الرحمن بن أحمد الرازي أبو الفضل العجلي: "يقرىء أكثر أوقاته".
وفي ترجمة أبو طاهر بن سوار: "حَبَسَ نفسه على الإقراء والتحديث".
وفي ترجمة عمر بن ظفر أبو حفص المغازلي البغدادي: "وختم عليه في مسجده خلقٌ كثير، وكان من أهل العلم والعمل" ـ وتأمل قوله: "وكان من أهل العلم والعمل"!
وفي ترجمة الحسن بن أحمد أبو العلاء الهمداني: "وكان يقرئ نصف نهاره القرآنَ والعلم، ونصفه الآخر الحديث".
وفي ترجمة علي بن محمد ابن عبد الصمد السخاوي: "أقرأ الناس نيفًا وأربعين سنة، فقرأ عليه خلق كثير بالروايات".
وفي ترجمة ركن الدين إلياس بن علوان الإربلي: "يقال: ختم عليه أكثر من ألف نفس!".
بل أعجبُ من هذا كله في الصبر على الإقراء والتعليم: أن الإمام قالون المدني ـ صاحب القراءة الشهيرة ـ كان شديد الصَّمم، وكان ينظر إلى شفتي القارئ فيَرُد عليه اللحن والخطأ!". الله أكبر! ألم يكن بوسعه التوقف؟ فقد أدّى ما عليه وهو صحيح السمع!
وقال الذهبي في ترجمة شيخه يحيى بن أحمد الإسكندراني المالكي المقرئ المعدل: "رحلت إليه فأُدخلت عليه؛ فوجدته قد أضر وأصم، ولكن فيه جلادة وشهامة، وهو في سبع وثمانين سنة!"([2]).
أرأيتَ؟ لقد تعمّدتُ الإكثار من هذه النماذج، مع تنوع العبارات؛ ليزداد يقينُك بطبيعة هذه الوظيفة التي شرّفك الله بها!
ومما يزيدك صبراً ينقلبُ بعد ذلك إلى لذّة: بصرك بطبيعة تجارتك هذه، ومعرفتك بنوعية أرباحها، فأنت في تجارة مع الله، تُعلّم كتابَ الله، وتقرؤه لصبيانِ وشباب المسلمين ـ والخطاب أيضاً لمن تشرّفت بهذا من النساء ـ فرأسُ مالِك قلوبٌ وأشخاص مكّنك الله منهم لتعلّمهم أشرف ما نزل من السماء.
وأما أرباحك فلا تسل عنها! إنها ألسنةٌ تلهج بكتاب الله ما دامت على قيد الحياة، وملايين أو مليارات الحسنات التي تدخل في رصيدك الأخروي، ومُعلّمون جُدد تدفع بهم إلى ميدان التعليم؛ ليحملوا الراية بعدك، بل لعلك ترى هذا الغرس يُؤتي أُكلَه وأنتَ حيٌّ تُرزق.
وإذا بُليت بمن يزهّدك فيما أنت فيه، ويذكّرك بالدنيا؛ فقل له ما قاله الذهبي في قصة مشابهة لقائل هذه الكلمة: "يا سبحان الله! وهل محلٌّ أفضل من المسجد؟! وهل نشر العلم يقارب تعليمَ القرآن؟! كلا والله، وهل طلَبَةٌ خير من الصبيان الذين لم يعملوا الذنوب؟!"([3]). وللحديث صلةٌ إن شاء الله.




([1]) فكم يبقى المعلم في هذه الأعصار؟ بعضهم يتبرم إذا انتهى زميلُه من المدرسين في الحلقة قبل أذان المغرب!

([2]) تنظر أخبار أولئك القراء في "معرفة القراء الكبار" على ترتيب ورودها في هذه المقالة: ص: (107 ، 141 ، 234 ، 306 ، 312 ، 417 ، 448 ، 499 ، 544 ، 632 ، 687 ، 156، 697-698).

([3]) سير أعلام النبلاء (6/ 396).