قال أبو بكر بن العربي في (أحكام القرآن): وقد كشف الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز حقيقة أحوال الشعراء ، وكشف سرائرهم ، وانتحى معايبهم في أشعارهم ، فروي أنه لما اسْتُخْلِفَ - - وفدت إليه الشعراء ، كما كانت تفد إلى الخلفاء قبله ، فأقاموا ببابه أيامًا ، لا يأذن لهم بالدخول ، حتى قدم عدي بن أرطأة على عمر بن عبد العزيز ، وكانت له مكانة ، فتعرض له جرير فقال :
يا أَيْهَا الرَّجُلُ المُزجِي مَطِيَتَهُ .... هَذَا زَمَانُكَ إني قد خَلا زَمَنِي
أَبْلِغْ خَلِيفَتَنَا إنْ كُنْتَ لاقِيَهُ ... أني لَدَى البابِ كالمصْفُودِ في قَرَنِ
وَحْشُ المكَانَةِ مِنْ أَهْلِي ومِنْ وَلَدِي ... نَائِي الْمَحِلَةِ عَنْ دَارِي وعَنْ وَطَنِي
فقال: نعم أبا حَزْرة ! ونعمى عين . فلما دخل على عمر ، قال: يا أمير المؤمنين ! إن الشعراء ببابك ، وأقوالهم باقية ، وسهامهم مسمومة ؛ فقال عمر : مالي والشعراء ! قال : يا أمير المؤمنين إن رسول الله قد مُدِح وأعطى ، وفيه أسوة لكل مسلم ؛ قال : ومن مدحه ؟ قال : عباس ابن مرداس السلمي ؛ فكساه حلة ، قطع بها لسانهؤ . قال : نعم ، فأنشده :
رَأَيْتُكَ يا خَيْرَ البريةِ كلِّهَا ... نَشَرْتَ كِتَاباً جاءَ بالحقِ مَعْلَمَا
سَنَنْتَ لنا فيه الْهُدَى بعد جَوْرِنَا ... عن الحقِ لما أَصْبَحْ الحقِ مُظْلِمَا
فَمَنْ مُبَلِغٌ عَنِّي النبيَ محمدا ... وكلُّ امرئٍ يُجْزَى بما قد تَكَلَّمَا
تَعَالى عُلُوًّا فَوْقَ عَرْشٍ إلهُنا ... وكان مَكَان اللهِ أَعْلَى وأَعْظَمَا
قال: صدقت، فمن بالباب؟ قلت : ابن عمك ، عمر بن أبي ربيعة القرشي ؛ قال : لا قرَّب الله قرابته ، ولا حيا وجهه ، أليس هو القائل :
أَلا لَيْتَ أَني يومَ بَانُوا بِمَيْتَتِي ... شَمَمْتُ الذي ما بين عَيْنَيْكِ والفَمِ
وليت طَهُورِي كانَ رِيقَكِ كلَّهُ ... وليت حَنُوطِي مِنْ مُشَاشِكِ والدَمِ
ويا ليتَ سَلْمَى في القبورِ ضَجِيَعَتِي ... هنالِكَ أو في جَنَّةٍ أو في جَهَنَّمِ
فليت عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا ، ثم يعمل عملاً صالحًا ؛ والله لا دخل علي أبدا ؛ فمن بالباب غير من ذكرت ؟ قلت : جميل بن معمر العُذْري ؛ قال: هو الذي يقول :
أَلا لَيْتَنَا نَحْـَيا جميعاً وإنْ نَمُـتْ ... يُوَافي لَدَى الموتَى ضَرِيحِي ضَرِيحُهَا
فمَا أنا في طُـوِل الحياةِ بِرَاغِـبٍ ... إذا قِيلَ قد سُوَّى عليها صَفِيحُهَا
أَظَـلُّ نهـارِي لا أَرَاها ويَلْتَقِي ... مع الليلِ رُوحِي في المنامِ ورُوحُهَا
اعْزُبْ به فلا يدخل علي أبدًا ؛ فمن غير من ذكرت ؟ قال : كثير عزة ؛ قال : هو الذي يقول :
رهبانُ مَدْيَنَ والذينَ عَهَـدْتُهُمْ ... يَبْكُونَ مِنْ حَـذَرِ العذابِ قُعُودَا
لَو يَسْمَعُونَ كما سَمِعْتُ كلامها ... خَـرُّوا لِعَزْةَ رُكَّعًا وسُجُودَا
اعزب به . فمن بالباب غيره ؟ قلت : الأحوص الأنصاري ؛ قال: أبعـده الله وأسحقه، أليس هو القائل وقد أفسد على رجل من أهل المدينة جارية له حتى هربت منه :
اللهُ بَيْنِي وبين سيِّدها .... يَفِرُّ مِني بِهَا وأتَّبِعُ
اعزب به ؛ فمن بالباب غير من ذكـرت ؟ قلت : همام بن غالب الفرزدق . قال : أليس هو القائل يفخر بالزنا :
هـما دَلَّيَانِي مِنْ ثَمَانِينَ قَـامَةٍ ... كَمَا انْقَضَّ بَازٍ أَقْتَمُ الرِيشِ كَاسِرُهْ
فلمَّا اسْتَوتْ رِجْلاي في الأرضِ قَالَتا ... أحيٌّ يُرجَّى أم قَتِيلٌ نُحَـاذِرُهْ
فقلتُ ارْفَعُوا الأَمْرَاسَ لا يَشْعُرُوا بِنَا ... وَوَلَّيتُ في أَعْقَابِ ليلٍ أُبَادِرُهْ
اعزب به ، فلا يدخل علي أبدا ؛ فمن بالباب غير من ذكرت ؟ قلت : الأخطل التغلبي ( وكان نصرانيا ) ؛ قال : هو القائل :
فَلَسْتُ بِصَائِمٍ رَمَضَانَ عُمُرِي ... ولستُ بآكلٍ لَحْمَ الأَضَاحِي
ولستُ بزًاجِرٍ عِيْساً رُكُوباً ... إلى بَطْحَاءَ مَكْةَ للنجاحِ
ولستُ بِقَائِمٍ كالعيرِ يَدْعُو ... قُبَيلَ الصبحِ حَيَّ على الفلاحِ
ولَكِـني سَأَشْـرَبُهَا شَمُولاً .... وأَسْجُدُ عِنْدَ مُنْبَلَجِ الصباحِ
اعزب به. فوالله لا وطئ بساطي. فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: جرير بن عطية الخطفي. قال: أليس هو القائل :
لَوْلا مُـرَاقَبَةُ العـيونِ أريتنا ... مُقَـلَ الْمُهَا وسَـوَالِفَ الآرامِ
ذُمِّ المنازِلَ بعـد مِنْزِلَةِ اللِّوَى ... والعـيشَ بعـدَ أولئك الأيامِ
طَرَقَتْكَ صَائِدَةُ القلوبِ وليسَ ذا ... حِـينَ الزيارةِ فَارْجِعَنْ بِسَـلامِ
فإن كان ولابد فهذا ، فأذن له ؛ فخرجت إليه ، فقلت : ادخل أبا حَزْرة ، فدخل وهو يقول :
إن الذي بَعَثَ النبيَ محـمدًا ... جَـَعَل الخِـلافةَ للإمامِ العادلِ
وَسِـعَ البريةَ عَـدْلُهُ وَوَفَاؤُهُ ... حـتى ارْعَـوَى وأقَامَ مَيْلَ المائِلِ
إني لأَرْجُـو مِنْكَ خَيْراً عَاجِلاً ... والنَّفْسُ مُولَعَةٌ بحـبِ العاجـلِ
فلما مثل بين يديه ، قال : اتق الله يا جرير ، ولا تقل إلا حقًّا ، فأنشأ يقول :
كَمْ باليمامَةِ مِنْ شَعْثَاءَ أَرْمَـلَةٍ ... ومِنْ يَتِيمٍ ضعيفِ الصوتِ والنظرِ
مِمَّنِ يَعُـدُّكَ تَكْفِي فَقْدَ وَالِدِهِ ... كالفَرْخِ في العُشِّ لم يَدْرُجْ ولم يَطِرِ
إنا لَنَرْجُـو إذا ما الغيثُ أَخْلَفَنَا ... مِنَ الخليفةِ ما نرجو مِنَ المطَرِ
أتى الخلافةَ إذ كَانَتْ له قَـدَرًا ... كما أتى ربَه مُوسى على قَدَرِ
هَذي الأرامـلُ قَد قَضَّيْتَ حَاجَتَها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكرِ
فقال : يا جرير ، لقد وليت هذا الأمر ، وما أملك إلا ثلاثمائة درهم ، فمائة أخذها عبد الله ، ومائة أخذتها أم عبد الله ، يا غلام ، أعطه المائة الثالثة .
فقال : والله يا أمير المؤمنين ، إنها لأحب مال كسبته إلي ؛ ثم خرج ، فقال له الشعراء : ما وراءك ؟ قال : ما يسوءكم : خرجت من عند أمير يُعطي الفقراء ، ويمنع الشعراء ، وإني عنه لراضٍ ، ثم أنشأ يقول :
رَأَيتُ رُقَى الشيطانِ لا تَسْـتَفِزُّهُ ... وقد كانَ شَيْطَانِي مِنَ الجنِّ رَاقِيا