تتمةُ القولِ في كلمةِ رُبَمَا- بعد الانتهاءِ من توضيحِ استخداماتِ قدفي المَعلَمِ السابق:
هذه تتمةُ كلامٍ سبقَ ذكرُه في معنى كلمةِ رُبَمَا-وهل نأخذُ باللغةِ أم بالحقيقةِ الشرعيةِ .
قال تعالى في سُورة الأحزابِ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66)
قال ابن ُكثيرٍ :وَقَالَ تَعَالَى: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ [الْحِجْرِ: 2] ، هَكَذَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي حَالَتِهِمْ هَذِهِ أَنَّهُمْ يَوَدُّونَ أَنْ لَوْ كَانُوا أَطَاعُوا اللَّهَ، وَأَطَاعُوا الرَّسُولَ فِي الدُّنْيَا..
قال القرطبي : وَأَصْلُهَا أَنْ تُسْتَعْمَلَ فِي الْقَلِيلِ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْكَثِيرِ، أَيْ يَوَدُّ الْكُفَّارُ فِي أَوْقَاتٍ كَثِيرَةٍ لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، قَالَهُ الْكُوفِيُّونَ. ومنه قول الشاعر:
أَلَا رُبَّمَا أَهْدَتْ لَكَ الْعَيْنُ نَظْرَةً ... قُصَارَاكَ مِنْهَا أَنَّهَا عَنْكَ لَا تُجْدِي أي لا تغنى
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هي للتقليلِ في هذا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لَا فِي كُلِّهَا، لِشُغْلِهِمْ بِالْعَذَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وهاهنا قولُه تعالى في سُورَة التَّغَابُنِ :وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6)
فهل قولُه تعالى وَاسْتَغْنَى يَقعُ عليه لغةً ما يقعُ على قوله تعالى وَإِذِ اسْتَسْقَى وغيرها؟
قال ابنُ عطية : وبسببِ ظهورِ هلاكهِم بعد أن لم يكن ظاهراً , ساغَ استعمالُ هذا البناءِ مسنداً إلى اسم الله تعالى ، لأن بناءَ استفعل إنما هو لطلبِ الشيء وتحصيله بالطلب .
قال في التحرير والتنوير : وَاسْتَغْنَى غَنِيَ فَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِ: أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى [عبس: 5]
قال في اللباب : قوله: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ استغنى بمعنى المُجرد. قال الزمخشري: -ظَهَر غناه- فالسين ليست للطلب - ومعناه أنه ظهرَ استغناءُ اللهِ حيثُ لم يلجِئْهم إلى الإيمانِ ولم يضطرهم إليه مع قدرته على ذلك.
قال السعدي : فَكَفَرُوا بالله وَتَوَلَّوْا عن طاعة الله، وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عنهم، فلا يبالي بهم، ولا يضره ضلالهم شيئًا.
أقولُ : والذي عليه العقلُ والعملُ هو صرفُ المعنى على دلالته الشرعية لا اللغوية-والله أعلم.