1 ) قول الله تعالى وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ، وهذا من أصرح الأدلة فى إثبات عذاب القبر .
قال القرطبي: الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ، وهو حجة في تثبيت عذاب القبر.

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
2 ) قول الله تعالى فى قوم نوح : مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا
قيل المراد بالنار هى نار يعذبون بها فى البرزخ ، لكن لم يجزم به أحد من المفسرين ، إنما يذكرونه قولا ، ونقله القرطبى عن القشيرى ، وجماعة من المفسرين جزموا بأن المراد هى نار جهنم يوم القيامة ، منهم الطبرى وابن عطية وأبى حيان وغيرهم .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

3 ) قال الله تعالى وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ أى اليوم تهانون غاية الإهانة من العذاب والنكال والأغلال والسلاسل
يقول القرطبى : أخرجوا أنفسكم أي خلصوها من العذاب إن أمكنكم ، وهو توبيخ . وقيل : أخرجوها كرها ; لأن روح المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه ، وروح الكافر تنتزع انتزاعا شديدا ، ويقال : أيتها النفس الخبيثة اخرجي ساخطة مسخوطا عليك إلى عذاب الله وهوانه .
ووجه الدلالة من هذه الآية : أنه لما كان يفعل به هذا من صنوف العذاب ، ونحن لم نرولم نسمع شيئا ، ولم نطلع على ما يناله المحتضر لكننا نقر بما أخبر الله به فى المحتضِر ، فكيف لو انتقل إلى عالم غير عالمنا ، فيلزمنا أيضا أن نُقِربما ورد فى عذاب القبر.
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
4 ) قال تعالى: ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ )

قال الطبري : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب عندي أن يقال : إن الله أخبر أنه يعذب هؤلاء الذين مردوا على النفاق مرتين ، ولم يضع لنا دليلا يوصل به إلى علم صفة ذينك العذابين . وجائز أن يكون بعض ما ذكرنا عن القائلين ما أنبئنا عنهم . وليس عندنا علم بأي ذلك ، غير أن في قوله - جل ثناؤه - : ( ثم يردون إلى عذاب عظيم ) دلالة على أن العذاب في المرتين كلتيهما قبل دخولهم النار . والأغلب من إحدى المرتين أنها في القبر .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ
5 ) قَال الله تعالى : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ
فى صحيح مسلم من حديث البراء عن النبي ، قال : " يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت " قال : " نزلت في عذاب القبر ، فيقال له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله ، ونبيي محمد ، فذلك قوله : [يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا ، وفي الآخرة]
فالله سبحانه يثبت عباده المؤمنين فى الدنيا حينما وفقهم لقول ( لا إله إلا الله ) وثبتوا عليها حتى الممات ، وفى أول منازل الآخرة عند السؤال في القبر ، أما الظالمين فلا معين لهم ولا نصير ، بل يضلهم الله عنه ، ولا ينجون من فتنة السؤال ، فيلحقهم ما هم أهله .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــ
6 ) قال الله تعالى : حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ

قال السعدى : من أمامهم وبين أيديهم برزخ، وهو الحاجز بين الشيئين، فهو هنا: الحاجز بين الدنيا والآخرة، وفي هذا البرزخ يتنعم المطيعون ويعذب العاصون، من موتهم إلى يوم يبعثون ، أي: فليعدوا له عدته، وليأخذوا له أهبته.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

7 ) قال الله تعالى : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ قال ابن كثير : وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم ، ويأتي أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها ، فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم ، وخلدت في نار جهنم
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
8 ) قال تعالى : ( وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ )
قال الطبرى : والصواب من القول في ذلك عندي أن يقال : فعذاب القبر دون يوم القيامة ، لأنه في البرزخ ، والجوع الذي أصاب كفار قريش ، والمصائب التي تصيبهم في أنفسهم وأموالهم وأولادهم دون يوم القيامة ، ولم يخصص الله نوعا من ذلك أنه لهم دون يوم القيامة دون نوع بل عم فقال ( وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ) فكل ذلك لهم عذاب ، وذلك لهم دون يوم القيامة .

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ
9) قال الله تعالى ( ألهاكم التكاثر . حتى زرتم المقابر )
قال الطبرى : وقوله : ( حتى زرتم المقابر ) يعني : حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها ; وفي هذا دليل على صحة القول بعذاب القبر ؛ لأن الله تعالى ذكره ، أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر ، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور وعيدا منه لهم وتهددا .
ثم أورد الطبرى بأسانيد صحيحة عن علي قوله : كنا نشك في عذاب القبر ، حتى نزلت هذه الآية : ( ألهاكم التكاثر ) . . . إلى : ( كلا سوف تعلمون ) في عذاب القبر .

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ
الإستدلال بقول الله تعالى : ( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ) بأنهم أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا ، ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة فتفسير ضعيف جدا لأنه يلزم بناءاً على هذا التفسير ثلاث إحياءات وإماتات
والصحيح من تفسير هذه الآية هو المشهور عن ابن عباس وابن مسعود فى أن المراد بالإماتتين: أنهم كانوا نطفاً لا حياة لهم في أصلاب آبائهم، ثم أماتهم بعد أن صاروا أحياء في الدنيا ، والمراد بالإحياءتين: أنه أحياهم الحياة الأولى في الدنيا ثم أحياهم الحياة الثانية عند البعث، ومثل هذه الآية : آية (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) أى وكنتم أمواتا ( أى قبل الولادة ) فأحياكم أى بعد الولادة ثم يميتكم أى الموت الذى نعرفه ثم يحييكم أى عند يوم القيامة ثم إليه ترجعون .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

قد ورد عن بعض السلف أن المراد بالعذاب الأدنى فى قوله تعالى وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ هو عذاب القبر ، لكنه لا يثبت و تفسير ليس بصحيح بل تفسير ضعيف جدا وذلك لأن الله قال لعلهم يرجعون ، أى كي يرجعوا ويتوبوا بتعذيبهم العذاب الأدنى ، فالصحيح والراجح أن المراد بالعذاب الأدنى عذاب الدنيا القحط ونقص الأموال والثمرات ، والقتل والجوع والشدائد والمصائب في الأموال فأوفى لهم بما وعدهم .
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ

قال بعض العلماء أنه يقال ( يا أيتها النفس المطمئنة ) عند الموت والخروج من الدنيا ، وقال آخرون هذا عند البعث ، وقال غيرهم هذا عند دخول الجنة والله أعلم ، وأما المراد بقوله تعالى ( ارجعى إلى ربك ) فقيل المعنى : ارجعى إلى ربك ، ومنهم من قال ارجعى إلى جسد عبدى وهذا اختيار الطبرى واستدل له بأن فى بعض القراءات (فادخلى فى عبدى ) والله أعلم .
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ