قال السعدي ُ في سورة الفاتحة في قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)
وتربيتُه تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة.
فالعامةُ: هي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم، التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
والخاصةُ: تربيته لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفقهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف، والعوائق الحائلة بينهم وبينه، وحقيقتها: تربية التوفيق لكل خير، والعصمة عن كل شر. ولعل هذا المعنى هو السر في كون أكثر أدعية الأنبياء بلفظ الرب. فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.
وفي قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)
والهدايةُ نوعان: هدايةُ البيان، وهدايةُ التوفيق. فالمتقونَ حصلت لهم الهدايتانِ، وغيرهم لم تحصل لهم هداية التوفيق. وهداية البيان بدون توفيق للعمل بها، ليست هداية حقيقية تامة.
وفي قوله تعالى في سورة البقرة :وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)
يقولُ ُ : والفسقُ نوعان: نوعٌ مخرجٌ من الدين، وهو الفسقُ المقتضي للخروج من الإيمان; كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوعٌ غيرُ مُخرجٍ من الإيمان كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا .
وتوبَتُه نوعانِ: توفيقُه أولا ثم قَبوله للتوبة إذا اجتمعت شروطها ثانيا.
وفي قوله تعالى : وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ .
يقول رحمهُ اللهُ : والإذنُ نوعانِ: إذن قدري، وهو المتعلق بمشيئة الله، كما في هذه الآية، وإذن شرعي كما في قوله تعالى: فَإِنَّهُ نزلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير، فإنها تابعة للقضاء والقدر ليست مستقلة في التأثير، ولم يخالف في هذا الأصل من فرق الأمة غير القدرية في أفعال العباد، زعموا أنها مستقلة غير تابعة للمشيئة، فأخرجوها عن قدرة الله، فخالفوا كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين.
وفي قوله تعالى : وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)
يقولُ رحمهُ اللهُ : والقنوتُ نوعان: قنوتٌ عامٌ: وهو قنوتُ الخلق كلهم، تحت تدبير الخالق، وخاصٌ: وهو قنوتُ العبادة.فالنوعُ الأول كما في هذه الآية، والنوعُ الثاني: كما في قوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ .