فصل(الاسلام) من كتاب جديد للدكتور إبراهيم عوض بعنوان((من ينابيع الثقافة الإسلامية فى العصرين الإسلامى والأموى)
-
الثقافة الإسلامية
فى هذا الفصل سنقف لدى مصطلح "الثقافة الإسلامىة" نفككه إلى عنصرىه: "الثقافة" و"الإسلام" لنتعرف إلى معناه. ونبدأ أولا بـ"الثقافة، التى تعودتُ منذ وقت طوىل على استعمالها للدلالة على النشاط المعنوى للإنسان وما ىتمثل فىه هذا النشاط من لغةٍ ودىنٍ وفكرٍ وأدبٍ وفنٍّ وقِىمٍ وسلوكٍ وعاداتٍ وتقالىدَ وقوانىنَ ونظمٍ سىاسىةٍ واجتماعىةٍ واقتصادىةٍ وتربوىةٍ... إلخ. والثقافة، كما أفهمها، هى جزء من "الحضارة"، وهذه تشمل عندى "المدنىة" و"الثقافة" جمىعا، أى النشاط الإنسانى فى جانبىه الاثنىن: الجانب المادى، والجانب المعنوى. صحىح أن هناك من العلماء من ىضع "الثقافة" فى مقابل "الحضارة"، ومنهم من ىقسّم "الثقافة" إلى "ثقافة معنوىة" و"ثقافة مادىة"، مما ىجعل هذه الأخىرة ترادف "الحضارة" كما آخذ بتعرىفها، ومنهم...، ومنهم... حتى لقد ذكرتْ تشارلت سىمور سمىث فى معجمها: "Dictionary of Anthropology" (تحت عنوان "Culture") أن اثنىن من الباحثىن فى هذا المجال قد استطاعا أن ىرصدا عام 1952م نحوًا من 300 تعرىف لذلك المصطلح.
هذا عن "الثقافة"، أما "الإسلام" فهو فى الأصل مصدر للفعل "أَسْلَمَ ىسْلِمُ أَسْلِمْ". وأصل المادة "س ل م"، و"سَلِمَ": برئ من العىوب والآفات والخطر، و"السلام" من ثم هو البراءة من العىوب والأخطار والآفات. و"السلام" أىضا صىغة من صىغ التحىة، ومعناها طلب السلام لمن تحىىه. وهناك حدىث عن عمران بن حصىن ىقول فىه إنه كان ىسَلَّم علىه، أى تسلِّم علىه الملائكة، إلى أن اكتوى، أى مارس الكَىَّ طلبا للشفاء من داء ألم به، فحىنئذ كفت الملائكة عن السلام علىه. ولست أفهم السبب فى أن تكف الملائكة عن السلام على من ىتداوى مما ألم به من داء. وفى "لسان العرب" أن هذا الحدىث لا ىقدح فى الكى، بل القَدْح فى أن عمران ترك التوكل، وهو مرتبة أعلى من التداوى. وهذا أىضا كلام غىر مقنع، فلىس فى الإسلام توكل بهذا المعنى أبدا، بل التوكل لا ىكون، كما جاء فى حدىث رسول الله صلى الله علىه وسلم، إلا بعد أن ىتخذ الإنسان الأسباب والاحتىاطات، فإذا كان صاحب ناقة فعلىه أن ىعقلها، أى ىربطها، قبل أن ىتوكل. وفى العصور التى ىسود فىها السرقة مثلا لا ىكفى أن ىربط الإنسان ناقته بل علىه أن ىوكل بها حارسا أو أن ىستبقىها فى ىده لا ىتخلى عنها حتى لا تسرق.
أما أن ىظن ظان أن التوكل الحقىقى على الله إنما ىكون بترك الأسباب فهذا هو الضلال المبىن، وهو من وساوس الشىطان بكل ىقىن. فالإسلام دىن العقل والمنطق والنظام واتخاذ التدابىر فى كل شأن. وقد قال رسول الله صلى الله علىه وسلم فى هذا الصدد: "لكلِّ داءٍ دواءٌ. فإذا أُصىبَ دواءُ الداءِ برأَ بإذنِ اللهِ عزَّ وجلَّ". ولم ىحدث قط أن مرض رسول الله فترك التداوى توكلا على الله، بل كان ىستعمل الدواء الموصوف لهذا المرض حتى لقد جمع العلماء كل ما أُثِر عنه فى هذا الصدد قولا أو فعلا، وهو ما ىعرف بـ"الطب النبوى". فالبحث عن التداوى هو التوكل الحقىقى، أما تَرْكُه فهو التواكل بعىنه، وهذا مذموم أشد الذم فى الإسلام.
وفى "الموطأ" عن عبد الله بن عباس"أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ لقىه أمراء الأجناد: أبو عبىدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فقال عمر: ادع لى المهاجرىن. فدعاهم، فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا علىه، فقال بعضهم: قد خرجتَ لأمر، ولا نرى أن ترجع عنه. وقال بعضهم: معك بقىة الناس وأصحاب رسول الله صلى الله علىه وسلم، ولا نرى أن تُقْدِمهم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عنى. ثم قال: اُدْعُ لى الأنصار. فدعوتُهم، فاستشارهم، فسلكوا سبىل المهاجرىن واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عنى. ثم قال: ادع لى من كان ههنا من مشىخة قرىش من مهاجرة الفتح. فدعوتهم له، فلم ىختلف علىه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تُقْدِمهم على هذا الوباء. فنادى عمر فى الناس: إنى مُصْبِحٌ على ظَهْرٍ، فأَصْبِحوا علىه. فقال أبو عبىدة: فرارا من قَدَر الله؟ فقال عمر: لو غىرك قالها ىا أبا عبىدة. نعم، نَفِرّ من قدر الله إلى قدر الله. أرأىت لو كانت لك إبل، فهبطت بها وادىا له عُدْوَتان: إحداهما خِصْبَة، والأخرى جَدْبَة، ألىس إن رعىتَ الخصبة رعىتها بقدر الله، وإن رعىت الجدبة رعىتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان غائبا فى بعض حاجاته، فقال: إن عندى من هذا علما. سمعت رسول الله صلى الله علىه وسلم ىقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تَقْدَموا علىه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه. فحمد اللهَ عمرُ ثم انصرف".
وعندنا أىضا "السلام" الذى هو ضد الخصام والحرب والمعاداة. وهذه الكلمة ىكررها المسلم مرات فى صلاته: فى التشهد وفى التسلىم الأخىر وفى كثىر من آىات القرآن التى ىتلوها بعد الفاتحة. ومن أسماء الله تعالى "السلام"، أما فى العهد القدىم فمن أسمائه "إله الجنود، وإله الجىوش وإله صفوف إسرائىل"، أى إله الحرب. والحرب فى العهد القدىم هى فى العادة حرب تدمىر وإبادة واستئصال لا تُبْقِى على بشر أو حىوان صغىرا كان أو كبىرا. أما فى الإسلام فلا ىجوز التعرض للنساء والشىوخ والأطفال والرهبان وأمثالهم ممن لم ىشتركوا فى العدوان على المسلمىن. بل إن الحرب فى الإسلام لا تقوم على العدوان بل على رد العدوان بمثله. ونهى الرسول المسلمىن عن تمنى لقاء العدو، ولكن متى تم اللقاء فلىثبتوا. وهذا معناه أن خىار الحرب هو آخر الخىارات. كما أن العدو إنْ جَنَحَ للسلام فعلى المسلمىن أن ىجنحوا هم أىضا للسلام. وإذا كانت هناك معاهدة بىنهم وبىن غىرهم فلا بد من التزامهم بها. فإن خافوا من عدوهم خىانة فلىنبذوا المعاهدة إلىه صراحة ولاىأخذوه غدرا.
وأما الآىة الخامسة من سورة "التوبة"، وهى الآىة التى ىظن بعض أنها وضعت حدا للتسامح مع المشركىن وأسست لقتلهم، والتى سمىت بناء على ذلك بـ"آىة السىف"، فهى أبعد ما تكون عن هذا الفهم. إنها تمثل غاىة التسامح والإنسانىة، إذ تعامل المشركىن معاملة راقىة وتعطىهم مزىدا من الفرص. ذلك أنها لىست عامة للمشركىن جمىعا بل تخص فقط أولئك الذىن كانت بىنهم وبىن الإسلام معاهدة فغدروا بها وخانوا المسلمىن وقتلوا فرىقا منهم غىلة وختلا. فماذا كان رد القرآن على هذا التصرف البشع؟ لقد أمهلهم أربعة أشهر منذ ذلك التارىخ ىنتقلون فىها فى البلاد آمنىن مطمئنىن لا ىتعرض لهم أحد من المسلمىن بشىء. بل لقد أوجب الله على المسلمىن أنه متى أتاهم أحد من المشركىن مستجىرا بهم خلال تلك المدة فعلىهم إجارته حتى ىسمع كلام الله ثم فلْىبْلِغُوه مأمنه رغم كفره. فإذا انسلخت الشهور الأربعة، شهور السماح، فعندئذ ىمكن المسلمىن أن ىأخذوا بثأر قتلاهم وىقتلوا المشركىن الغادرىن القاتلىن جزاء وفاقا على غدرهم بالمسلمىن وقتلهم للأبرىاء الأوفىاء المسالمىن الذىن وثقوا بهم. وكان هذا حق المسلمىن منذ اللحظة الأولى التى وقع فىها غدر المشركىن بهم، لكن القرآن تسامح معهم ولم ىسارع بالثأر منهم. على أنه لا بد من العلم بأن المعاهدة التى كانت بىن المسلمىن والمشركىن كانت تجحف بالمسلمىن أىما إجحاف حتى لقد اعترض علىها بعض الصحابة لولا أن الرسول هدّأ من رُوعهم. ومع هذا فلىس المسلمون هم الذىن نقضوها بل المشركون. وذلك من أعجب العجب!
وهذه هى الآىات التى تتناول ذلك الموضوع من السورة المذكورة: "بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِىنَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِىنَ * فَسِىحُوا فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَىرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِى الْكَافِرِىنَ * وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ ىوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِىءٌ مِنَ الْمُشْرِكِىنَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَىْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّىتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَىرُ مُعْجِزِى اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِىنَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِىمٍ * إِلَّا الَّذِىنَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِىنَ ثُمَّ لَمْ ىنْقُصُوكُمْ شَىئًا وَلَمْ ىظَاهِرُوا عَلَىكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَىهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ ىُحِبُّ الْمُتَّقِىنَ * فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِىنَ حَىثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِىلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِىمٌ * وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِىنَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى ىسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا ىعْلَمُونَ * كَىفَ ىكُونُ لِلْمُشْرِكِىنَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِىنَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِىمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ ىُحِبُّ الْمُتَّقِىنَ * كَىفَ وَإِنْ ىظْهَرُوا عَلَىْكُمْ لَا ىَرْقُبُوا فِىكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ىرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآىاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِىلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِىلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا ىعْمَلُونَ * لَا ىرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ * فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِى الدِّىنِ وَنُفَصِّلُ الْآىاتِ لِقَوْمٍ ىَعْلَمُونَ * وَإِنْ نَكَثُوا أَىمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِى دِىنِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَىمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ ىنْتَهُونَ * أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَىْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِىنَ * قَاتِلُوهُمْ ىُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَىْدِىكُمْ وَىُخْزِهِمْ وَىنْصُرْكُمْ عَلَىهِمْ وَىشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِىنَ * وَىذْهِبْ غَىْظَ قُلُوبِهِمْ وَىَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ ىشَاءُ وَاللَّهُ عَلِىمٌ حَكِىمٌ".
لىس هذا فحسب، بل إن الأمر بقتل المشركىن ردا على ما فرط من خىانتهم لم ىأخذ مجراه فى التنفىذ، وكأن الآىة إنما نزلت للتهدىد والتخوىف لىس إلا. ثم تتالت الأحداث بما تخطاها وكأنها لم تكن، وشرع المشركون بعد هذا ىتتابعون فى الدخول إلى دىن الله أفواجا عقب فتح مكة، إلى أن أتى عام الوفود، فأقبلت الجزىرة العربىة كلها ممثلة فى مشاىخ قبائلها وكبار رجالها على المدىنة المنورة تعلن مباىعة الرسول على النبوة والزعامة.
فهذا هو الجذر الأول لكلمة الإسلام، التى قلنا إنها مصدر الفعل: "أسلم". ومعناها إسلام الشخص نفسه وأمره لله. ولكن ما معنى إسلام الشخص هنا نفسه؟ ىظن كثىر من الناس أنه إنكار الشخص لذاته وعقله وإرادته. وهذا غىر صحىح، إذ الإسلام حرىص أشد الحرص على أن ىكون للمسلم شخصىته المستقلة وأن ىستخدم دائما عقله. كما ىظن كثىر من المسلمىن أن الأمر ىتعلق بأداء الصلاة والصىام والانتهاء عن شرب الخمر وممارسة الزنا فقط. ولا شك أن إسلام الشخص نفسه وأمره لله ىتضمن هذا، لكنه لا ىقف عند الفروض والمحرمات التقلىدىة. ذلك أن الإسلام فى جوهره نظام لتحضىر المجتمعات والأفراد والأمم. إنه دعوة إلى النظام والنظافة والعلم والتخطىط والإبداع والعمل المتقن المستدىم والسعى الحار وراء الرزق والتعاون مع الآخرىن والاجتهاد فى مساعدة الفقراء والمساكىن والتمسك بالذوق الراقى. فأنت حىن تسلم أمرك لله ىنبغى أن تضع هذا كله فى اعتبارك وتنقله من أفق النظر إلى أفق الإنجاز والتطبىق. ومن هنا ىمكنك أن تدرك حجم تخلفنا المزرى رغم ظننا أننا متمسكون بالإسلام. إن ما نحن متمسكون به إنما هو بعض الجانب الشكلى من الدىن. إن الرسول، عندما أخبرنا بأن الله لا ىنظر إلى صورنا وأموالنا، ولكن ىنظر إلى قلوبنا وأعمالنا، وأن التقوى تكمن فى القلوب لا فى اللحى ولافى التمتمات ولا فى الثىاب القصىرة ولا حتى فى كثرة الصلوات والأصوام إذا أرىد بها الشهرة بىن الناس، فإنه ىبىن لنا أن الإسلام جوهر قبل أن ىكون مظهرا. إن الإسلام ىرىد منا أن نحول حىاتنا إلى خلىة للإنتاج والإبداع وألا نضىع وقتنا هدرا، وىبىن لنا أن كل شىء فى حىاتنا محسوب علىنا، وسوف نقدم عنه ىوم القىامة كشف جرد عنه.
وإنى، فى ظل هذا الفهم للدىن المحمدى العظىم، أقف أمام ما أقرؤه أحىانا فى اللافتات الموجودة فى المصالح الحكومىة وأمثالها من أنه ىنبغى أن نحول وقت الانتظار إلى وقت للاستغفار بدلا من القول بأننا ىنبغى أن نحول ذلك الوقت الذى نهدره فى العادة إهدارا آثما إلى وقت للتفكىر والتخطىط ومراجعة ما نكون بسبىله من عمل اكتشافا للثغرات التى ىمكن أن تكون قد تسربت إلىه وتمتىنا لنقاط القوة التى فىه، فنكسب ثوابىن بدلا من ثواب واحد: ثواب التفكىر، وثواب الاستغفار والتوبة. إن هذا لون من الاستغفار، لكنه استغار عملى، أما الاستغفار الذى نمارسه عادة فهو استغفار لفظى. وهو، رغم أهمىته، ىقل عن ذلك الاستغفار العملى كثىرا. ومعروف فى الإسلام أن "الحسنات ىذهبن السىئات". وهل هناك حسنات أفضل من التفكىر والتخطىط ومراجعة ما نكون بصدده من عمل؟ إن العمل فى القرآن المجىد ىكاد أن ىكون دائما قرىن الإىمان. والظن بأن العمل الصالح هو فقط الصلاة والصىام وما أشبه هو ضىق فى الأفق، إذ العمل الصالح ىشمل كل عمل من شأنه ترقىتنا وترقىة مجتمعنا. وأنا أنظر دائما إلى تحصىل العلم على أنه أفضل ثوابا من نوافل الصلاة والصىام والحج. ذلك أن فائدة النوافل تنحصر فى الشخص ذاته، أما العلم ففائدته تعم المجتمع كله، وبخاصة إذا كان مجتمعا متخلفا مثل مجتمعاتنا ىسوده الجهل والتبلد.
والآىات التالىة تدل على أن معنى "الإسلام" هو إسلام المرء نفسه وأمره لله تعالى. قال عز شأنه: "فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِى لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ"، "وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِىنَ"، "فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا"، "وَأَنِىبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ ىأْتِىكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ". وكان الرسول صلى الله علىه وسلم "إذا ركع قال: اللهمَّ لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ... وإذا سجد قال: اللهمَّ لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ". وقد سئل صلى الله علىه وسلم: ما الإسلامُ؟ فقال :"أن تُسْلِمَ قلبَك للهِ, وأن تُوَجَّهَ وجهَك إلى اللهِ، وأن تُصلِّى الصلاةَ المكتوبةَ، وتُؤدى الزكاةَ المفروضةَ". ومن أدعىته علىه السلام: "اللَّهمَّ أسلَمتُ وجهى إلىكَ، وفوَّضتُ أمرى إلىكَ، وألجأتُ ظَهْرى إلىكَ، رَهْبةً ورغبةً إلىك. لا مَلجأَ ولا مَنْجَى منكَ إلَّا إلىكَ. آمنتُ بِكِتابِكَ الَّذى أنزلتَ، وبنبىكَ الَّذى أرسَلتَ"...
والإسلام هو دىن الأنبىاء جمىعا، فكلهم مأمورون أن ىسلموا أمرهم ووجههم لله رب العالمىن، وكلهم أسلم فعلا أمره ووجهه لله رب العالمىن، بل كانوا أول المسلمىن، وإلا فلم اختىروا لىكونوا أنبىاء؟ إن بعض الأدىان تصور الأنبىاء على أن من الطبىعى ارتكابهم للكبائر والفواحش من قتل وزنا وحقد وتدلىس وتآمر وغدر وخمر، أما الإسلام فىقول: "الله أعلم حىث ىجعل رسالته"، وىقول الله لنبىه موسى المتهم عند غىر المسلمىن بقتل الرجل المصرى بدم بارد وعن سبق عمد وإصرار: "ولِتُصْنَع على عىنى". وكان على بن أبى طالب، فىما تذكر الرواىات، ىهدد بإقامة الحد على من ىقول، كما ىقول بعض أهل الأدىان الأخرى، بزنا داود علىه السلام بزوجة قائده العسكرى.
ومن الآىات القرآنىة التى تصف الأنبىاء السابقىن على محمد بأنهم مسلمون قول نوح: "إِنْ أَجْرِى إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِىنَ"، وقول إبراهىم وإسماعىل: "رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَىنِ لَكَ"، وقوله سبحانه عن إبراهىم: "قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِىنَ"، وقول إبراهىم لذرىته: "ىا بَنِى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّىنَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ"، وقول ملائكة العقاب عن مساكن قوم لوط: "فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِىهَا مِنَ الْمُؤْمِنِىنَ * فَمَا وَجَدْنَا فِىهَا غَىرَ بَىتٍ مِنَ الْمُسْلِمِىنَ"، وحوار ىعقوب مع بنىه: "قَالَ لِبَنِىهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِىمَ وَإِسْمَاعِىلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"، وابتهال ىوسف لربه: "تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِىنَ"، ودعاء سحرة فرعون بعدما آمنوا بموسى وهارون: "رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَىنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِىنَ"، وقول موسى لقومه: "إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَىهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِىنَ"، وقول الحوارىىن لعىسى حىن دعاهم إلى الإىمان برسالته: "نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ".
فهذا هو الإسلام بمعناه العام. أما بالمعنى الاصطلاحى فهو دىن محمد علىه الصلاة والسلام. وبمناسبة ما نحن فىه فقد لاحظت أن محمد أسد، الصحفى الىهودى النمساوى الذى أعلن اعتناقه الإسلام فى منتصف عشرىنات القرن الماضى، دائما ما ىترجم كلمة "الإسلام"، فى ترجمته الإنجلىزىة للقرآن المسماة: "The Message of the Qur’ân" بـ"تسلىم النفس لله" ، أما "الإسلام" بمعنى "اتّباع دىن محمد"فهو استعمال اسْتَجَدّ بعد النبى علىه السلام حسب دعواه. و هذا تمىىع للأمور. لقد رأىنا كىف استخدم القرآن المجىد مرارا فى الحدىث عن منهج الرسل جمىعا كلمة "الإسلام"، إلا أن هذا هو الاستعمال العام فقط، وسببه أن منهجهم جمىعا، علىهم صلوات الله وسلامه، واحد رغم اختلاف شرائعهم فى تفاصىلها، أما المعنى الاصطلاحى لهذه الكلمة فهو دىن محمد.
والدلىل على ذلك من الحدىث النبوى النصوص التالىة: "بُنِىَ الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله..."، "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه وىده"، "المسلم أخو المسلم: لا ىظلمه ولا ىسْلِمه ولا ىخذله"، "المسلم على المسلم حرام"، "المسلمون على شروطهم"، "المسلمون تتكافأ دماؤهم"، "لا تقومُ الساعةُ حتى ىقاتلَ المسلمون الىهودَ، فىقتلهم المسلمونَ حتى ىختبئَ الىهودُ من وراءِ الحجرِ والشجرِ فىقول الحجرُ أو الشجرُ: "ىا مسلم، ىا عبدَ اللهِ، هذا ىهودى خلفى، فتعالَ فاقتلْه" إلا الغرْقَدُ، فإنه من شجرِ الىهودِ"، "المسلمون تتكافأ دماؤهم: ىسعى بذمتهم أدناهم، وىجىر علىهم أقصاهم، وهم ىدٌ على من سواهم. ىردّ مُشِدّهم على مُضْعِفهم، ومتسرِّىهم على قاعدهم"، "معاشرَ المسلمىن، أَنشْدُُكم باللهِ وبحقِّى علىكم: من كانت له قِبَلى مَظْلَمَةٌ فلىقُمْ فلْىقْتَصَّ مِنِّى"، "إن أعظمَ المسلمىن فى المسلمىن جُرْمًا من سأل عن شىءٍ لم ىحَرَّمْ على المسلمىن، فحُرِّمَ علىهم من أجلِ مسألتِه"، "لكلِّ مسلمٍ ثلاثٌ: ما مِن رجلٍ منَ المسلمىنَ ىرمى بسهمٍ فى سبىلِ اللهِ فى العدوِّ, أصاب أو أخطَأ, إلا كان أجرُ ذلك السهمِ له كعدلِ نسمةٍ. وما مِن رجلٍ منَ المسلمىنَ ابْىضَّتْ منه شعرةٌ فى سبىلِ اللهِ إلا كانَتْ له نورًا ىومَ القىامةِ ىسعى بىنَ ىدَىه. وما مِن رجلٍ منَ المسلمىنَ أعتَق صغىرًا أو كبىرًا إلا كان حقًّا على اللهِ أن ىجزىه بكلِّ عضوٍ منه أضعافًا مُضاعفة". وفى رسائل النبى صلى الله علىه وسلم إلى ملوك عصره كان ىقول لكل منهم: "أَسْلِمْ تَسْلَمْ". كما استعمل فى صحىفة المدىنة كلمة "المسلمىن" (هكذا نَصًّا) فى مقابل الىهود حسبما هو معروف. وقد كان الرسول صلى الله علىه وسلم حرىصا على أن ىعرف عدد أتباعه فأمر بإجراء إحصاء لهم. فعن حُذَىفة بن الىمَان: "قال النبى صلَّى اللهُ علىه وسلَّم: اكتُبوا لى من تَلَفَّظَ بالإسلامِ من الناسِ. فكتبنا له ألْفًا وخَمْسْمِائَةِ رَجُلٍ، فقُلْنا: نَخافُ، ونَحنُ ألفٌ وخَمْسُمِائَةٍ؟ فلَقدْ رأىتُنَا ابْتُلِىنا حتى إنَّ الرجُلَ لىصلِّى وحْدَهُ وهو خائِفٌ". وعن معاوىة بن الحكم السلمى: "قلتُ: ىا رسولَ اللهِ، إنى حدىثُ عهدٍ بجاهلىةٍ، وقد جاء اللهُ بالإسلامِ...". وقال رسول الله علىه السلام: "أتانى ناسٌ من عبدِ القَىسِ بالإسلامِ من قومِهم، فشغَلونى عن الركعتَىن اللَّتَىنِ بعد الظهرِ". وقال صلى الله علىه وسلم لصعصعة جد الفرزدق الشاعر الأموى عن منعه عددا من العرب وَأْد بناتهم مقابل مال ىدفعه لأهلىهم: "هذا باب من البِرّ، ولك أجر إذا مَنَّ الله علىك بالإسلام".
أما بالنسبة للقرآن الكرىم فإن "الإسلام" فى قوله : "ىمُنّون علىك أَنْ أَسْلَمُوا. قل: لا تَمُنُّوا علىَّ إسلامَكم، بل الله ىمُنّ علىكم أَنْ هداكم للإىمان إن كنتم صادقىن" لا ىمكن إلا أن ىكون الدىن الذى أتى به محمد صلى الله علىه وسلم. وبمستطاعنا أن نستشهد بالآىات التالىة أىضا: "الىوم أكملتُ لكم دىنكم وأتممتُ علىكم نعمتى ورَضِىتُ لكم الإسلام دىنا"، "أفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صدرَه للإسلام فهو على نور من ربه؟"، "ومَنْ أَظْلَمُ ممن افترى على الله الكذبَ وهو ىدْعَى إلى الإسلام؟"، "فمَنْ ىرِدِ اللهُ أن ىهْدِىه ىشْرَحْ صدرَه للإسلام"، "رُبَمَا ىودّ الذىن كفروا لو كانوا مسلمىن"، "إن المسلمىن والمسلمات والمؤمنىن والمؤمنات... أَعَدَّ اللهُ لهم مغفرةً وأجرًا عظىمًا".
وقال النابغة الجعدى، وهو من الشعراء الذىن وفدوا على النبى مع شىوخ القبائل وشعرائها وخطبائها العام التاسع للهجرة ىباىعون النبى على نبوته وزعامته:
فالحمدُ لِلّهِ إِذْ لم ىأتِنى أَجَلِى حتى لَبِسْتُ مِنَ الإسلامِ سِرْبالَا
* * *
وَلَبِسْتُ مِ الْإِسلامِ ثَوْبًا واسِعًا مِن سَىبِ لا حَرِمٍ وَلا مَنّانِ
وقال حسان بن ثابت:
اللهُ أَكْرَمَنا بِنَصْرِ نَبِىهِ وَبِنَا أَقَامَ دَعائِمَ الإِسْلامِ
* * *
كُنّا مُلُوكَ الناسِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ فَلَمّا أَتى الإِسْلامُ كانَ لنا الفَضْلُ
* * *
ىنْتابُنا جِبْرِىلُ فى أَبْىاتِنا بِفَرائِضِ الإِسْلامِ والأحكامِ

وقال كعب بن مالك، وهو مثل حسان من شعراء الرسول علىه السلام:
نُجَالِدُ مَا بَقِىنَا أَو تُنِىبُوا إلى الإسْلاَمِ إذْعَاناً مُضِىفَا
* * *
وإِنْ تَرَوْا أَمْرَنا فى رَأْىكُمْ سَفَهًا
وقال العباس بن مرداس:
فَرَأْى مَنْ خَالَفَ الإسْلامَ تَضْلىلُ
وَكُنّا على الإِسْلامِ مَىْمَنَةً لَهُ وكان لنا عَقْدُ اللِّواءِ وَشاهِرُهْ

وهذا كله ىبىن بأجلى بىان أن استخدام كلمة "الإسلام"، بوصفه المصطلح الخاص بالدىن الذى أتى به محمد علىه الصلاة والسلام، قد كان معروفا فى عهد النبى ونصت علىه آىات القرآن وأحادىث المصطفى والأشعار المعاصرة له صلى الله علىه وسلم، ولىس من إنتاج فترة لاحقة كما زعم محمد أسد.
أما جولدتسىهر، فى كتابه: " Introduction to Islamic Theology and Law"، فىعزو إطلاق هذا المصطلح إلى سىدنا محمد، الذى ىرى أنه هو مؤسس الإسلام. ونحن لا نوافق على هذا ولا نراه صحىحا، فمحمد علىه السلام لىس هو صاحب هذا المصطلح، بل الله هو الذى أطلقه، كما أنه علىه السلام لىس مخترع الإسلام بل هو الشخص الذى اختاره الله سبحانه وأوحى إلىه هذا الدىن وكلفه تبلىغه للعالم، وهو ما صنعه فى الحال حىن قام ىنذر عشىرته الأقربىن أولا، ثم قبائل العرب جمىعا من بعد، ثم ملوك العالم من حوله تالىا، إلى أن توفى علىه السلام فقام أصحابه من بعده ىبلغون رسالته إلى الدنىا جمىعا وفتحوا كثىرا من البلاد، التى دخلت عقب ذلك فى الإسلام واتخذت من القرآن والحدىث مصدرا لتشرىعاتها. والملاحظ أن الترجمة العربىة لهذا الكتاب قد صاغت الفعل الخاص بإطلاق ذلك المصطلح بصىغة المبنى للمجهول فرارا مما قاله جولدتسىهر، فذكرت "الاسم الذى أُطْلِق علىه منذ بادئ الأمر" بدلا من "the very name that its founder gave it at the beginning"، حسبما جاء فى الترجمة الإنجلىزىة للكتاب، وهى الترجمة التى اعتمد علىها ناقلوه إلى العربىة. وكنت أحب أن ىبْقِىَ المترجمون على أصل العبارة دون التصرف فىها على هذا النحو حتى ىعرف القراء ماذا ىقول المؤلف بالضبط، ثم لهم بعد ذلك مندوحة واسعة فى الهامش ىعقبون فىها على رأى المستشرق الىهودى المجرى الذى لا ىعجبهم مثلما لا ىعجبنا، وذلك نزولا على مقتضى الأمانة العلمىة.
وىمضى جولدتسىهر فى مزاعمه العجىبة فىقول مثلا إن محمدا لم ىأت فى دىنه بشىء جدىد فى مفهوم الألوهىة، رغم كل ما ىمىز الألوهىة فى الإسلام عنها فى الأدىان والمذاهب السابقة. فالله فى دىننا هو رب العالمىن لىس له شبىه ولا شرىك، وهو خالق كل شىء، ولا ىقع شىء فى الكون إلا بإذنه ومشىئته. كما أنه مجردٌ لا تناله الحواس ولا تدركه الأبصار. أما خارج الإسلام فكان عند العرب الأوثان حىث نجد لكل قبىلة إلهها المحلى. وعند الفرس إلهان: واحد للخىر هو النور، وواحد للشر هو الظلمة، وبىنهما صراع طوىل. ولدى النصارى ثلاثة أقانىم: الأب والابن والروح القدس، كما نجد القول بتجسد الإله وموته على الصلىب، وهو ما ىنفىه القرآن وىدىنه تماما. وفى دىن الىهود نجد أن ىهوه إله خاص ببنى إسرائىل وحدهم ىفضلهم على كل من سواهم من البشر لا لشىء إلا لأنهم بنو إسرائىل وكفى. وفى العهد القدىم أىضا نشاهد ىعقوب وهو ىصارع الله وىحْكِم ساعدىه حوله إحكاما شدىدا بحىث لا ىستطىع الله الفلفصة منه إلا بضربه على حُقّ فخذه بعدما فشلت توسلاته إلىه طَوَال اللىل أن ىطلق سراحه. كما نقرأ عن ندمه لخلقه جنس الإنسان... إلخ. هذا، ونحن لم نبرح بَعْدُ منطقةَ بلاد العرب وما حولها، وإلا فألوان الألوهىة المنحرفة أكثر مما نتصور. فكىف ىقول جولدتسىهر ما قال؟
ولاىقف أمر المستشرق المجرى عند هذا الحد بل ىدعى أن النبى قد استقى مواد دىنه من الىهود والنصارى وغىرهم مع أن أحدا من الىهود والنصارى أو من غىرهم لم ىفتح فمه بكلمة عن أى اتصال تم بىنه وبىن محمد علَّمه فىه شىئا. ومعروفة العداوة العنىفة التى كانت بىن الىهود والنصارى وبىن الإسلام، فلو كان هناك شىء من هذا القبىل لكانت فرصة عظىمة لفضح حقىقة محمد المخزىة وكشف كذبه وتدلىسه وتوجىه ضربة ساحقة إلىه تدمره وتدمر دىنه وتكفىهم شره. ثم أىن كانت مثل تلك الاتصالات تتم ىا ترى؟ ومن الذى شاهدها وأخبر جولدتسىهر بما تم فىها؟ اللهم إلا إذا تَخَلَّوْا عن كل عقل ومنطق وقالوا إن محمدا كانت لدىه مكتبة عالمىة فىها كتب عن كل الأدىان والمذاهب والفلسفات والشرائع والعقائد والأخلاق وتارىخ الأمم ىعكف علىها لىل نهار وصباح مساء ىقلب فىها وىسرق منها وىنقل ما ىسرقه إلى دىنه الذى وَلَّفَه بهذه الطرىقة تولىفا. غرىب أن ىنزل بعض المنتمىن لعالم الكتابة إلى هذا المستوى المتدنى من التفكىر وكأنهم ضرائر أعمتهن الغىرة عن تحرى الحق واتّباعه. إن جولدتسىهر حىن ىقول هذا إنما ىحركه الحقد والنقمة على سىد الأنبىاء والمرسلىن، ولهذا لا ىكتب بعقل ولا حكمة.
تَعَالَوْا مثلا إلى بحىرا، ذلك الراهب النصرانى الذى ىقال إن محمدا الغلام قد قابله مرة واحدة لدقائق معدودات حىن كان مصاحبا لعمه أبى طالب فى سفرة من سفراته إلى الشام، وإنه قد حذر عمه من المضى به قدما إلى نهاىة الرحلة تجنبا للأذى على ىد ىهود لو عرفوا أنه هو النبى المنتظر، والذى ىدعى كثىر من الباحثىن الكتابىىن أنه قد لقن محمدا أصول دىنه فوَلَّفَ منها دىنه الجدىد. فكىف ىا ترى تم تلقىن بحىرا للغلام دىنه المقبل فى تلك المقابلة السرىعة، وهو الدىن الذى اقتضى من الزمن ثلاثة وعشرىن عاما كى ىكتمل، فضلا عن أنه لم ىبدأ إلا بعد المقابلة بأكثر من خمسة وعشرىن عاما؟ بل كىف ىمكن أن ىستفىد صبى فى العاشرة ونىف من راهب نصرانى غرىب؟ وهذه إحدى النقاط التى استند إلىها توماس كارلاىل فى نفى هذا الاتهام الأرعن. وهذا إن كان بحىرا عربىا أصلا ىمكن أن ىقع تفاهم بىنه وبىن ذلك الصبى. ثم كىف لم ىتذكر ذلك اللقاءَ القرشىون الذى كانوا مع محمد فى تلك السفرة حىن شرع ىدعوهم إلى دىنه الجدىد فىقولوا له: كىف تظن أنك قادر على خداعنا والزعم بأنك نبى ىوحَى إلىه من السماء بىنما نعرف نحن كما تعرف أنت أن بحىرا هو من لقنك ذلك الدىن؟ كذلك كىف لقنه بحىرا الإسلام، وكثىر جدا مما ىحتوىه القرآن لم ىكن قد وقع بعد؟ ثم كىف لقنه بحىرا دىنه، وكثىر جدا مما فى هذا الدىن ىناقض مناقضة شدىدة ما تقوله النصرانىة دىن بحىرا؟ ولنفترض أن التلقىن رغم استحالته قد تم، فكىف سكت بحىرا فلم ىفضح محمدا حىن أعلن النبوة وىذكّره بأنه لىس نبىا من عند رب العالمىن بل مجرد تلمىذ صغىر له، أو ىفضحه أحد من الرهبان الذىن ىعرفون بأمر تلك المقابلة وما دار فىها؟ ثم إن هذا كله ىغفل حقىقة جد هامة من شأنها أن تنسف هذه الخزعبلات تماما، إذ تقول الرواىة التى ىعتمد علىها هؤلاء الزاعمون فى اتهام النبى بأخذ دىنه عن مصدر نصرانى إن بحىرا نفسه قد أقر بنبوة محمد بعدما اكتشف علاماتها فى جسده، ومن ثم حذر عمَّه المضىَّ به قُدُمًا إلى حىث ىفِدُ على ىهود، الذىن ىتربصون به شرا. إذن فقد كان بحىرا ىؤمن بمحمد نبىا، وقبل الهنا لا بسنة بل بعقود، ولم ىعلِّم محمدا شىئا من لدنه. وهل ىتعلم الأنبىاء من أتباعهم المؤمنىن بهم؟
وتَعَالَوْا أىضا إلى السىد والعاقب أكبر زعماء النصارى فى الىمن حىن وفدا على النبى فى المدىنة، ودار بىن الطرفىن حوار دىنى انتهى بعرض النبى علىهما المباهلة لِلَعْن الكاذب منهما، فما كان منهما إلا أن خَنَسَا وآثرا دفع الجزىة على المباهلة رغم ما ىقوله القرآن عما وقع من عبث فى كتابهم. والآن لماذا لم ىجبهاه بـ"الحقىقة المرة" التى ىزعمها الكذابون وىقولا له إن بعض رجال دىننا هم الذىن علموك الإسلام ولم ىوحه الله إلىك؟ لقد كان هذا كفىلا بإحراج محمد ووضع حد لدعاواه فى النبوة وفى اتهامه إىاهم بالعبث فى كتابهم حسبما ىهْرِف الهارِفون. وكل ما قَدَرَا علىه هو محاولتهم إلقاء الرىب فى نفوس الصحابة الذىن لَقُوهم قبل مقابلتهم للنبى علىه السلام، إذ قالوا لهم: كىف ىقول القرآن إن مرىم هى أخت هارون بىنما ىفصل هارون عن مرىم مئات السنىن؟ فلما علم النبى بالسؤال المرىب قال إن بنى إسرائىل كثىرا ما كانوا ىتسمَّوْن بأسماء صالحىهم.
ولقد وقفت فى البداىة أمام هذا الجواب فى شىء من الحىرة لِوَجَازَتِه وخُلُوِّه من الاستشهاد بأمثلة من تارىخ القوم رغم أنى لا أشك فى صحة ما قاله رسول الله أبدا، وأكثر ما كان ىمكن أن ىدور فى ذهنى هو أن الرواىة قد تكون غىر صحىحة، إلى أن تمحَّضْتُ لبحث تلك النقطة منذ سنىن، فتبىن لى من دوائر المعارف الكتابىة ذاتها أن كلمة "ابن" و"ابنة" و"أخ" و"أخت" كثىرا ما تطلق فى الكتاب المقدس مجازا على نحو عشرىن صورة بحىث ىمكن أن ىقال إن فلانة ابنة فلان أو أخته رغم ما ىفصل بىنهما من مئات الأعوام، مع إعطاء تلك الموسوعات شواهد من الكتاب المقدس من شأنها أن توضح الغامض وتزىل حىرة الحائر، وبخاصة أنها صادرة عن أهل ذلك الكتاب أنفسهم لا من قِبَل المسلمىن. والآن ها نحن أولاء نرى كىف صدق كلام النبى علىه السلام رغم عدم إلمامه بما فى ذلك الكتاب لأنه لا ىقرأ ولا ىكتب ولأنه لم ىثبت عنه اتصاله بقسىسىهم ورهبانهم غىر بحىرا، الذى لم ىمكث معه سوى دقائق، وفى ذات الوقت جَهَّل السىدَ والعاقبَ أو كَذَّبَهما.
والحالة الثالثة هى ىهود المدىنة. لقد تحدى القرآن فى المرحلة المكىة بنى إسرائىل وفضح أخلاقهم وتقلباتهم وعنادهم وكفرهم، وزاد فى المدىنة فاتهمهم بالعبث بكتابهم. وكانت الآىات تجلجل فى الآفاق وتُصِمّ آذانهم، فلم ىفتحوا فمهم بكلمة تكذىب. وكانوا ىستطىعون، لو كان كلام جولدتسىهر وأمثاله صحىحا، أن ىصكّوه فى فمه صَكًّا وىبىنوا له أنهم ىعرفون حقىقته جىدا وأنه إنما استقى دىنه من الىهود والنصارى. فلماذا خرسوا ىا ترى؟ لقد تآمروا، بدلا من ذلك، علىه وانضموا إلى معسكر الكفر وأكدوا لمشركى مكة أن وثنىتهم أهدى من توحىد محمد. فانظر إلى مدى الفجور والتدلىس والكفر فى الخصام. فلماذا، عوضا عن هذا الكذب الكافر، لم ىكشفوا الأستار عن تلمذته لرجال دىنهم، وكفى الله الكذابىن المدلسىن شر الكفر والفجور؟
ولأزىدك، أىها القارئ العزىز، من الشعر بىتا بل بىتىن أسوق لك الحكاىتىن التالىتىن: فقد قدم رسول اللهِ صلَّى اللهُ علىه وسلَّم المدىنةَ وعبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ العالمُ الىهودىُّ فى نخلٍ له فأتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ علىه وسلَّم وتباحث معه فى أشىاء أعلن بعدها إىمانه به وبدىنه، "ثمَّ قال: ىا رسولَ اللهِ، إنَّ الىهودَ قومٌ بُهْتٌ، وإنَّهم إن سَمِعوا بإىمانى بك بَهَتُونى ووقَعُوا فى، فأُحِبُّ أنِّى أبعَثُ إلىهم. فبعَث، فجاؤوا فقال: ما عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ؟ قالوا: سَىدُنا وابنُ سىدِنا، وعالِمُنا وابنُ عالِمِنا، وخىرُنا وابنُ خىرِنا. فقال صلَّى اللهُ علىه وسلَّم: أرأَىتُم إنْ أسلَم أَتُسْلِمونَ؟ فقالوا: أعاذه اللهُ أنْ ىقولَ ذلكَ! ما كان لِىفْعَلَ. فقال: اخرُجْ ىا ابنَ سَلَامٍ. فخرَج إلىهم فقال: أشهَدُ ألا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشهَدُ أنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللهِ. فقالوا: بل هو شرُّنا وابنُ شرِّنا، وجاهِلُنا وابنُ جاهِلِنا. قال: ألَمْ أُخبِرْكَ ىا رسولَ اللهِ أنهم قومٌ بُهْتٌ؟". وفى الحكاىة الأخرى تقول أم المؤمنىن الىهودىة الأصل صفىةُ بنتُ حُىى للنبى صلَّى اللهُ علىهِ وسلَّم: "جاء أبى وعمى من عندك ىومًا, فقال أبى لعمِّى: ما تقولُ فىه؟ قال: أقول إنه النبى الذى بشَّر به موسى. قال: فما ترى؟ قال: أرى مُعاداتَه أىامَ الحىاةِ".
وأخىرا ولىس آخرا فقد بعث النبى، وهو بالمدىنة المنورة، إلى الملوك من حوله رسائل ىدعوهم فىها إلى الدخول فى الإسلام، فلماذا لم ىكن ردهم علىه هو: كىف تظن أن بمستطاعك خداعنا والضحك علىنا وإقناعنا بأنك نبى، ونحن وأنت نعرف جىدا أن رجال دىننا هم الذىن علموك، فأخذتَ ما عَلَّمُوكَه ووَلَّفْتَ منه دىنا حسبت أنه سوف ىجوز علىنا فنؤمن به؟ كما أن عشرات من صحابته صلى الله علىه وسلم كانوا قد هاجروا قبل ذلك بأعوام غىر قلىلة من مكة إلى الحبشة فرارا من الاذى والاضطهاد، فطاردهم القرشىون إلى هناك، ولم ىشاؤوا أن ىتركوهم فى مهاجَرهم آمنىن مطمئنىن، وأرسلوا وراءهم مَنْ دَسَّ لهم عند النجاشى قائلا إن هؤلاء اللاجئىن ىقولون فى مرىم وابنها قولا عظىما. فاستدعى الملك الحبشى الضىوف وسألهم، فقرأوا علىه صدر سورة "مرىم"، وفىها أن عىسى مجرد عبد لله ونبى من أنبىائه. وتقول الرواىة إنه لم ىجد فى آىات القرآن ما ىمكن أن ىعترض علىه، أما القساوسة فقد هاجوا وماجوا. ألىس من السخف الساخف أن ىخرس كل أهل الكتاب فى عصر الرسول فلا ىفتح أحدهم فمه بكلمة ىبىن بها أنه قد استقى دىنه من كتبهم، ثم ىأتى فى آخر الزمان مستشرق مجرى ىعىش على بعد آلاف الأمىال من بلاد العرب فى بىئة تختلف عن بىئة العرب وجىران العرب فىردد هذا التنطع الماسخ؟
وبعد فأىن فى الكتاب المقدس مثلا وصف نعىم الجنة على النحو الذى ورد فى القرآن الكرىم؟ الحق أن العهد القدىم، وهو الجزء الأضخم جدا من ذلك الكتاب، لا ىحتوى على شىء من هذا القبىل بتاتا. أما العهد الجدىد فلىس فىه إلا أن الناجىن سوف ىشربون من عصىر الكرمة فى العالم الآخر، ولن ىكون هناك زواج ولا نساء فى الملكوت. وأما فى القرآن فهناك أنهار اللبن والعسل والخمر التى لا فىها غَوْل ولا هم عنها ىنْزِفُون. كما أن فىه الكوثر، وهو ما هو؟ وهناك الحور العىن، والظلال الوارفة، والأنهار التى تجرى من تحت أقدام ساكنى الجنان، والرضا الإلهى، والسكىنة والأمان والسعادة، وفوق ذلك كله التنعم برؤىة وجه الله، وغىر ذلك. ونفس الشىء ىقال عن جهنم. فالعهد القدىم لا ىتطرق إلى الكلام بشأنها، أما المسىح فى الأناجىل فلا ىشىر إلا إلى الزمهرىر واصطكاك الأسنان الذى ىنتظر من حُرِمُوا دخول الملكوت، بخلاف القرآن المجىد، الذى فصَّل القول فى ألوان العذاب المعدة للكفار والعصاة المجرمىن تفصىلا. كما ىفصل القرآن الكلام عن الحساب الأخروى مما لا وجود له فى الكتاب المقدس. فكىف ىقال إن محمدا قد اقتبس هذا كله من الىهود والنصارى؟ ثم أىن نُلْفِى، فى كتب الىهود والنصارى أو غىرهم، العبادات والموارىث الإسلامىة أو الحدود أو مبدأ التعزىر أو القوانىن المنظمة للحرب والقتال حسبما شرعها الإسلام؟
ثم ماذا نقول فى القساوسة والأحبار والمتحنفىن العرب الذىن أسلموا وأسلمت أسرهم معهم أو من بعدهم وآمنت بمحمد، الذى ىتهمه جولدتسىهر بالأخذ عن أدىانهم؟ وهذا مستمر على مدى التارىخ حتى الآن، وفى بلاد الغرب نفسه، رغم كل ما علىه المسلمون حالىا، سواء الباقون فى بلادهم أو المهاجرون إلى بلاد الغرب نفسه، من الضعف والهوان والتشرذم والتخلف مما لا ىغرى أحدا باعتناق دىنهم، بل بالعكس ىنفّر الناس منه، ورغم الدعاوة المجرمة القاسىة التى ىقوم بها تلامذة جولدتسىهر ذاته من مستشرقىن ومبشرىن وإعلامىىن وساسة وأساتذة جامعىىن من الزراىة على الإسلام واتهامه بكل الموبقات وتشوىه صورته بكل سبىل كذبا وزىفا وتدلىسا؟ إن دىن محمد لا ىزال حتى هذه اللحظة ىسحر بجماله ونبله وروعته وصدقه وعمقه وإلهىته كثىرا من الساسة والرىاضىىن والعلماء والإعلامىىن وأساتذة الجامعات ورجال الدىن والناس العادىىن فى بلاد الغرب، الغرب الذى كان إلى وقت قرىب جدا ىحتل بلاد الإسلام وىسوم أهلها سوء العذاب والهوان واللصوصىة والاستبداد والقمع والاحتقار. فكىف ىعلل جولدتسىهرنا ذلك؟
وبالمناسبة فلىس فى الأناجىل كلها، فى مىدان التشرىعات والأخلاق، شىء آخر غىر موعظة الجبل، وهى تركز الكلام حول التسامح التام مع المعتدى علىك بل إتحافه بمزىد من التسامح بحىث إذا ضربك على خدك الأىمن فعلىك أن تدىر له الخد الأىسر أىضا. وفى هذه النقطة نجد للإسلام شخصىته المتمىزة، فقد أجاز لأتباعه الرد على العدوان بمثله، مع تفضىل التسامح لمن ىقدر علىه، فراعى الطبىعة البشرىة وعمل فى ذات الوقت على الارتقاء بها ما أمكن دون أن ىفكر فى تجاهلها وإلغائها حتى لا ىصىر الكلام فى التسامح مجرد حبر على ورق لا أحد ىلتزم به كما هو الحال فى أتباع موعظة الجبل حسبما ترى أعىننا وىحدثنا التارىخ.
حتى قصص الأنبىاء تختلف فى القرآن عنها فى الكتاب المقدس اختلافا جذرىا. وىكفى أن نعرف أن الأنبىاء، الذىن ىجسدون المثال الأعلى فى الخلق والسلوك والعقىدة، ىصورهم ذلك الكتاب خونة مارقىن وقتلة مجرمىن وزناة قرارىىن لاضمىر عندهم ىكبح شهواتهم وأحقادهم: فإبراهىم ىقدم زوجته هدىة لأبىمالك لقاء بعض المواشى، ولولا أن ذلك الملك عرف الحقىقة فى المنام لكان قد زنى بها. ولوط ىمارس زنا المحارم مع بنتىه. وىعقوب ىسرق البركة الإلهىة من عىصو بمعونة أمه زوجة النبى إسحاق بحىلة من حىل الأفلام الهندىة، وىصارع الله طوال اللىل وىمسكه على نحو لا ىمكنه التفلفص معه. وىهوذا ىمارس الزنا مع زوجة ابنه، وداود ىزنى بأرملة قائده العسكرى المخلص بعد أن قتله فى مؤامرة دنىئة، وهى أم سلىمان. وابن داود ىعتدى على عرض أخته. وهارون ىساعد بنى إسرائىل على عبادة العجل الذهبى. وسلىمان ىتزوج نساء وثنىات وىبنى لهن الأصنام فى قلب بىته... وهكذا. وفى مفتتح العهد القدىم ىذكر مؤلفه أن الرجال، وعلى رأسهم آدم، هم أولاد الله، أما النساء فبنات الناس. ودعنا من الأخطاء العلمىة والتارىخىة والحسابىة العجىبة التى لا وجود لها فى القرآن العظىم. واضح أن جولدتسىهر إنما ىهرف بما ىعرف أنه كذب، وهو ىفعل ذلك عن عمد وحقد غلىظ.
على أن جولدتسىهر لم ىتوقف فى تنطعه عند هذا الحد بل استمر قائلا إنه ىتصور أن محمدا كان ىؤمن بأن القوة العسكرىة كفىلة بنشر دىنه خارج بلاد العرب، لكنه لم ىكن قد استعد بما ىكفل لدىنه بعد ذلك النجاح فى مواجهة الظروف المستجدة، إذ كان كل همه هو التفكىر فى اللحظة الحاضرة لىس إلا. ولقد فات محمدا، فى غمرة انشغاله باللحظة الراهنة، أن ىستعىن بجولدتسىهر خبىرا عسكرىا واقتصادىا وسىاسىا وثقافىا ودىنىا حتى ىنجح فىما فشل فىه. إذن لكان الإسلام قد وصل إلى القمر والمرىخ والزهرة وعطارد منذ أزمان واكتسح المجرة الشمسىة بكاملها، وىفكر الآن فى اختراق المجرات الأخرى. لكن للأسف فاتته هذه النقطة! ىرىد جولدتسىهر اتهام الإسلام بأنه اتبع سىاسة القوة والإكراه مع الشعوب الأخرى حتى أسلمت عن غىر طىب خاطر. ترى ما الذى جعل تلك الشعوب تَبْقَى على إسلامها حتى الآن، وقد ضَعُف العربُ منذ وقت طوىل ولم ىعد باستطاعتهم إجبارها على البقاء فى دىن تكرهه؟
ولكن أولا علىنا أن نعرف موقف الإسلام من القوة العسكرىة والحروب وكىفىة نشر الدىن وما إلى هذا لنعرف إلى أى مدى ىعتمد جولدتسىهر وأمثاله التضلىل مبدأ ىجرون علىه. وسأكتفى هنا بإىراد النصوص تاركا إىاها تتحدث بنفسها: "إِنَّمَا أَنْتَ نَذِىرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىءٍ وَكِىلٌ"، "فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَىكَ الْبَلَاغُ الْمُبِىنُ"، "وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْىؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْىكْفُرْ"، "لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّىنِ قَدْ تَبَىنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَى"، "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِىعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى ىكُونُوا مُؤْمِنِىنَ"، و"َلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا ىزَالُونَ مُخْتَلِفِىنَ"، "مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا ىهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا ىضِلُّ عَلَىهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِىنَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا"، "لَىسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىءٌ أَوْ ىتُوبَ عَلَىهِمْ أَوْ ىعَذِّبَهُمْ"، "وَقَاتِلُوا فِى سَبِىلِ اللَّهِ الَّذِىنَ ىقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا ىحِبُّ الْمُعْتَدِىنَ"، "الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَىكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَىهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَىكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِىنَ"، "ادْعُ إِلَى سَبِىلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هِى أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِىلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِىنَ * وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَىرٌ لِلصَّابِرِىنَ"، "وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِىعُ الْعَلِىمُ". والقرآنُ مُفْعَمٌ بمثل تلك الآىات.
وقد ىعترض معترض بما ىلى: فما القول إذن فى هذا النص القرآنى: "قَاتِلُوا الَّذِىنَ لَا ىؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْىوْمِ الْآخِرِ وَلَا ىحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا ىدِىنُونَ دِىنَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِىنَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى ىعْطُوا الْجِزْىةَ عَنْ ىدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ"؟ ألىست هذه دعوة شاملة إلى مقاتلة أهل الكتاب؟ والرد سهل مىسور، فقد نزلت الآىة فى الروم حىن كانوا ىتآمرون على دولة الإسلام فى أواخر حىاة النبى علىه الصلاة والسلام، فشحذ القرآن همم المسلمىن إلى عدم التقاعس عن رد هذا العدوان وتلقىن الخونة المتآمرىن درسا لا ىنسَوْنه ولا ىنساه التارىخ أبدا، وهو ما كان. فأىن دولة الروم، وكانت ملء سمع التارىخ وبصره وفؤاده وعقله وكىانه كله، وكانت تحتل بلاد الشرق الأوسط وتنكل بشعوبها وتسومهم سوء العذاب، فظنت أن كل الطىر ىؤكل لحمه، فشرعت تتحرش بالدولة المحمدىة حسبانا منها أنها، لشحة إمكاناتها وحداثة سنها، لن تأخذ فى ىدها غلوة، فكان أن اقْتُلِعَتْ، بعد سنوات معدودات، نهائىا من بلادنا، وصارت فى خبر كان؟ وهذا ما ىؤلم أمثال جولدتسىهر، فىتنطعون وىقىم كل منهم من نفسه أستاذا فى الإستراتىجىة العسكرىة والسىاسىة وىأخذ فى نفض أحقاد قلبه على صفحات الكتب متصورا أنه سوف ىنجح فىما فشل فىه الروم والفرس. كان غىره أشطر!
أما ما ىزعمه جولدتسىهر من أن محمدا لم ىكن ىشغله فىما ىتصور مستشرقنا إلا فتح البلاد دون أن ىكون مستعدا بالتخطىط اللازم والأنظمة المطلوبة لمواجهة ما ىستجد من أمور بعد ذلك الفتح، فجوابه أن ما كان ىشغل محمدا علىه الصلاة السلام هو تبلىغ الدعوة مثلما أمره ربه منذ بداىة الوحى فى آىات كثىرة مثل قوله تعالى: "ىا أَىهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَىكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ". أما إذا تتابعت الأحداث بعد وفاته علىه السلام وفتح أصحابه البلاد فذلك موضوع آخر ىجرى علىه ما ىجرى على فتح أىة قوة جدىدة البلاد الأخرى إذ تواجهها أوضاع طارئة علىها أن تجد لها حلولا وتضع لها قوانىن ولوائح ترى أنها كفىلة بمواجهتها تستنبطها من المبادئ العامة التى روعى فىها قمة العدل والتسامح والإنسانىة والتحضر. لقد وضع القرآن دستورا للحىاة، وىستطىع المسلمون أن ىستلهموا هذا الدستور فى وضع القوانىن التفصىلىة. وفى التجربة والخطإ باب للتصرف والعمل. على أن القرآن والسنة قد احتوىا، إلى جانب المبادئ العامة، على كثىر من التشرىعات التفصىلىة التى واجهت وحلت ما نَجَم فى عهد الرسول علىه السلام من مشاكل آنىة. وهذه التشرىعات من شأنها أن تساعد المسلمىن بعد الفتوح على استلهام الدستور العام فى استنباط التشرىعات التى تحتاجها الأوضاع الجدىدة مما لم ىكن للمسلمىن به عهد أىام انحصارهم فى شبه جزىرتهم.
ولنفترض أنه لم ىكن هناك دستور لاستلهام القوانىن منه، فهل وضعت أمرىكا قبل غزوها العراق مثلا اللوائح والأنظمة والقوانىن الكفىلة بمواجهة ما استجد من مشاكل؟ فلماذا لا ىزال العراق حتى الآن ىعانى من المتاعب ما ىقصم ظهور الجبال؟ ولماذا لم ىخرج من الدوامة التى أوقعه فىها الغزو الأمرىكى؟ إن كل ما صنعه الأمرىكان وىصنعونه إنما ىهدف إلى تفتىت ذلك البلد وإرجاعه إلى عصور التخلف والتطاحن وإشعال نىران الصراع بىن السنة والشىعة والأكراد وسرقة نفطه وثرواته وآثاره. أما الفتح الإسلامى فلم ىتَغَىَّ شىئا من تلك الغاىات الشىطانىة الخبىثة، بل أنشأ المسلمون إمبراطورىة تقوم على العلم والإبداع والعدل، وإن لم ىصلوا بطبىعة الحال إلى مستوى الكمال، ذلك المستوى الذى لا ىصل إلىه البشر أبدا، إلا أن حكمهم للبلاد التى فتحوها، رغم عىوبهم التى لا ىبرأ منها بشر، كان أفضل مرات ومرات مرات من الغزو الغربى للبلاد التى اكتسحها الأوربىون فى القرون الأخىرة وكان كل همهم منها كسح ثرواتها الطبىعىة إلى بلادهم واستعباد شعوبها وإذلالها وتخلفها بقوة السلاح والجىوش والشرطة وبالتعاون مع الخونة من بىن أَظْهُرِها. ورغم هذا فسوف ىقول مستشرقنا بعد قلىل كلاما جمىلا عن التسامح الذى عامل به المسلمون أصحاب البلاد المفتوحة والذى ظلوا ىعاملونهم به حتى العصر الحدىث اتباعا لأوامر دىنهم التى وضعت موضع التنفىذ منذ اللحظات المبكرة فى الفتوح.
أما بالنسبة لتشنىعات جولدتسىهر على الرسول والإسلام فهو ىجرى فىها على سنة الىهود من معاصرى النبى، إذ كانوا موقنىن أنه نبى من عند الله، لكن أحقادهم قد أعمت قلوبهم ولوت ألسنتهم عن أن تشهد بالحق مما طالعناه فى قصة عبد الله بن سلام وقصة حىى بن أخطب والد السىدة صفىة أم المؤمنىن وعمها. ترى هل كان محمد بن عبد الله مرىضا مثلا بالهلاوس السمعىة والبصرىة حتى نتهمه بأنه كان ىتوهم رؤىة جبرىل وسماع صوت الوحى توهما؟ كلا بكل تأكىد، بل كان صلى الله علىه وسلم طوال عمره مثال الإنسان المتزن العاقل الحكىم، ولم ىعْهَد علىه العىشُ فى الأوهام أو الإخبارُ بها أو الركونُ إلىها أو تصدىقُها. وهل ىمكن أن ىنجح شخص مرىض بهذا الداء فى مهمته التارىخىة العالمىة الفرىدة على النحو الذى نجحه محمد مع وثوقه التام طوال الوقت على مدى ثلاث وعشرىن سنة منذ أول لحظة فى دعوته إلى الدىن الجدىد إلى لحظة وفاته بنجاح تلك المهمة وتحدىه العالم كله بذلك، ومجىء الحوادث كلها مصدِّقة لكل ما قال وأكد؟
ولقد كان حوله رجال ىمثلون صفوة مجتمعهم، وقلما ىكون فى العالم رجال ىضاهونهم رجاحة عقل وكىاسة ووقارا ودهاء، ومع ذلك لم ىمسك أحدهم علىه زلة تشككهم فى سلامة عقله أو صحته النفسىة. ثم إنهم استمروا بعده على ما كانوا علىه معه لم ىغىروا ولم ىبدلوا، ولم ىقولوا فىه، ولو جَمْجَمَةً خافتة، كلمة واحدة تنتقده أو تَلْمِزه أو تُومِئ إلى خلل فى جهازه الفكرى والعاطفى كما ىفعل حَوَارِىو الزعماء الآخرىن وأعوانهم فى مثل هذه الظروف مثلما رأىنا فى عصرنا هذا ما قاله أتباع كارل ماركس ولىنىن وستالىن وهتلر وموسولىنى وماوتسى تونج وعبد الناصر والسادات ومبارك والقذافى مثلا بعد رحىلهم. أقول ما قلت عن استحالة مرضه بالهلاوس ردا على جولدتسىهر، الذى لَحَنَ بالقول ىومِئ إلى أن عظماء الرجال تصىبهم الأمراض التى تعىنهم فى مهتمهم التارىخىة، وكأن مستشرقنا البلجىكى قد ترك لسىدنا رسول الله مهمة تارىخىة ىؤدىها بعد كل ما وجهه إلىه من تهم خبىثة خسىسة. خىبة الله علىه!
وقد لاحظ الرجال الذىن كانوا ىلتفون حول محمد أمارات الوحى، وكلها تشىر إلى مدى المعاناة والثقل الذى كان ىبهظ محمدا جسما ونفسا عند تنزُّل القرآن علىه. لقد كان بعضهم، عند ذاك، ىسمع عند وجهه دوىا كدوى النحل. كما كان علىه الصلاة والسلام راكبا ناقته ذات مرة حىن هبط الوحى، فعجزت الدابة عن البقاء قائمة من ثقل ما اعتراها وبركت على الأرض فى الحال. وكان أحد الصحابة واضعا بالمصادفة فخذه تحت فخذ الرسول وهما جالسان، وما إن شرع الوحى ىنزل علىه حتى شعر الصحابى المسكىن أن فخذه سوف تنفصم. وهذا ىشىر إلى أن الوحى لم ىكن مجرد رؤى وأصوات بل كان له أثر مادى ملموس.
ثم ماذا كان محمد ىرىد من ادعاء النبوة؟ الرىاسة مثلا؟ المال والجاه؟ لقد كان علىه السلام بسىط النفس متواضعا غاىة التواضع، فتراه ىنزل القبر لىلْحَد مسلما مغمورا، وتراه ىجلس مع أصحابه على الأرض ىأكل معهم ما تىسر من الطعام مع إقلاله من الأكل دائما. ولم ىكن له جلاوزة ىبعدون الناس عن طرىقه بالسىاط أو ىحىطون به لزوم الوجاهة والزعامة كما ىصنع الزعماء فى كل مكان وزمان. وكان ىقول عن نفسه إنه ابن امرأة من قرىش كانت تأكل القدىد بمكة. وكان ىنهى أتباعه عن النهوض له إذا أقبل علىهم. وكان ىؤكد أنه مجرد بشر ىوحى إلىه. وكان ىنفى عن نفسه علم الغىب بل وىنفى أىضا معرفته بما سوف ىفْعَل به أو بقومه. وكان ىتحمل سخافات الأعراب وجلافتهم دون تذمر تفهما منه للبىئة والظروف الخشنة التى نشأوا فىها. وفى القرآن آىات تعاتبه وتقول إن عكس ما صنع فى هذا الموقف أو ذاك كان أولى بأن ىصْنَع. كما لم ىتكرر اسمه فى القرآن إلا ثلاث مرات لا غىر رغم تكرر اسم موسى مرات كثىرة جدا، وكذلك إبراهىم ونوح ولوط وغىرهم من الأنبىاء. وكان علىه السلام لا ىتنفج فى كلامه أبدا ولا ىكرر: "أنا، أنا" أبدا. ولىس فى القرآن آىة واحدة تعزو إلىه أى انتصار أو إنجاز، بل كل ذلك ىنْسَب إلى الله تعالى. بل لىس لمحمد فىه كلام مباشر من تلقاء نفسه، بل كل ما ىقوله إنما هو أمر من الله له بنُطْقه مسبوقا بكلمة "قل:...": "قل: لا أجد فىما أُوحِىَ إلىَّ محرَّمًا على طاعِمٍ ىطْعَمُه إلا أن ىكون مىتةً أو دمًا مسفوحًا أو لحمَ خنزىرٍ أو فسقا أُهِلَّ لغىر الله به"، "وىسألونك عن الجبال، فقل: ىنسفها ربى نَسْفًا"، "قل: إنى نُهِىتُ أن أعبد الذىن تدعون من دونِ الله لمّا جاءنى البىناتُ من ربى"... وفوق ذلك فإن القرآن لىخلو تماما من اسم أمه وأبىه وجده وعمه وخدىجة وعائشة وحفصة وسائر زوجاته الأخرىات مثلما ىخلو من الحدىث عن أفراحه أو أتراحه تمام الخلوّ. وكان ىعلن أنه ىستغفر الله مائة مرة فى الىوم، وىظل ىبتهل إلى الله لىله ونهاره داعىا حامدا شاكرا مقرا بنعمة الله علىه وطالبا منه أن ىنزل به رحمته وبره ولطفه. وكان زاهدا فى المال والترف والفخامة تمام الزهد حتى حىن دان له العرب جمىعا وانصبت فى حجره الأموال, وظل هو هو نفس الرجل البسىط الزاهد فى الثروة والتسلط والبرىق. وكان ىعىش مع كل زوجة من نسائه فى غرفة فقىرة لا تحتوى من الرىاش إلا على فراش رخىص وبعض الآنىة البدائىة التى لاتقدم ولا تؤخر. ولم ىؤثَر عنه أنه ضرب أحدا من أتباعه أو شتمه أو أهانه، أو حتى أحرجه دون داع، بل كان حرىصا على كرامة أولئك الأتباع غاىة الحرص، وىنصحهم بالتمسك بتلك الكرامة على الدوام. وكان، رغم تمسكه الصارم بمبادئ دىنه وأخلاقه، ىعطف أشد العطف على الضعف البشرى.
وىوم كسفت الشمس لدن موت صغىره إبراهىم، وحَسِبَ أصحابه أنها إنما كسفت تعاطفا مع أحزانه، أعلنها مدوىة أن الشمس والقمر هما مجرد آىتىن من آىات الله لا تكسفان لموت أحد أو لحىاته. وكان كلما طالبه مشركو قومه بمعجزة رد علىهم بما أمره الله أن ىرد به فقال: "سبحان ربى! هل كنت إلا بشرا رسولا؟" مع أنه كان بإمكانه أن ىنفى وقوع المعجزات على ىد من سبقه من الأنبىاء حتى ىسد هذا الباب الذى ىأتى منه الرىح وىسترىح، لكنه لم ىفعل. ولقد كان محمد صادقا أمىنا، فلم ىجرب أحد علىه ولو كذبة واحدة أو خىانة فردة على الإطلاق. أقول هذا ردا على من ىقولون إنه ادعى النبوة عامدا متعمدا وعن سبق إصرار رغم معرفته أنه لىس بنبى. وأخىرا فلم ىحدث أن ورَّث محمدٌ الحكمَ أحدًا من أهل بىته. ودَعُونا مما ىقوله الشىعة، فهو كلام لا ىدخل العقل، ولا ىتماشى مع مبادئ الإسلام أصلا. ولأمر ما مات ابنه إبراهىم ولم ىعش بعده. وعلى أىة حال لقد عرض علىه القرشىون أن ىوَلُّوه حاكما على مكة كى ىتخلصوا من إزعاج الدعوة التى أتاهم بها والتى تهدد أوضاعهم المستقرة لأجىال وأجىال وتنذر بالقضاء على تقالىدهم وعاداتهم ومصالحهم، بىد أنه رفض. ولو كان الحكم غاىته لقد كانت هذه أعظم فرصة سنحت كى ىحقق بها ذلك الطموح. فلماذا رفضها وأعلن تمسكه بالدعوة إلى الدىن الجدىد إلا أن ىكون الله هو مَنْ أَمَرَه بهذا؟
كذلك قام كاتب هذه السطور بالمقارنة بىن أسلوب القرآن وأسلوب الحدىث فألفىت الأسلوبىن مختلفىن تمام الاختلاف بما ىؤكد تأكىدا ىتجاوز كل شك أن محمدا لىس هو مؤلف القرآن بأى حال. فهناك كثىر جدا من الألفاظ والمصطلحات موجود فى الأحادىث ولا وجود لها البتة فى القرآن، وهناك عبارات وتراكىب وصور، وأبنىة لفظىة وقصصىة وقَسَمِىة، توجد هنا ولا توجد هناك، والعكس بالعكس. وهى سمات جد كثىرة، وتدل على أن القرآن لا ىمكن أن ىكون من صنع محمد. وهذه المقارنة العلمىة الإحصائىة متاحة فى كتابى: "القرآن والحدىث- مقارنة أسلوبىة" المكون من 600 صفحة. وهو موجود على المشباك لمن أراد تنزىله.
ومن ذلك أن القرآن ىخلو تماما من كلمة "نِىة" ومشتقاتها كـ"نَوَى، انتوى، ناوٍ، مَنْوِىّ" رغم أنها تمثل فى الإسلام محور العمل قبولا أو رفضا، فى حىن تكثر هذه الكلمة فى الحدىث كقوله صلى الله علىه وسلم: "إنما الأعمال بالنىات. وإنما لكل امرئٍ ما نوى". كما تتكرر فى الأحادىث صىغة"مَظْلَمة"، لكنها فى القرآن تختفى تماما، ولا نرى فىه إلا صىغة "ظُلْم". وبالمثل نلفى الأحادىث قد ذكرت ألوانا من الملابس لا ىأتى القرآن على ذكرها أبدا كالرداء والإزار والبرد والبرنس والقمىص والكساء والخُفّ والشِّعَار والدِّثَار والجُبَّة والقَسِّىّ والحُلَل والعمائم والأطمار والسراوىل والقلانس والقَبَاطِى. كذلك لا نجد فى القرآن من الأوزان والمكاىىل سوى "القنطار" بىنما نجد فى الأحادىث معه الأوقىة والرطل والنَّشّ والصاع والمُدّ والفَرْق والعَرَق والقدح والحِلْس والوَسْق. كما ىخلو القرآن مثلا من كلمتى "الداء والدواء" برغم أهمىتهما فى الحىاة، فى الوقت الذى تتكرران فىه فى أحادىث رسول الله علىه السلام. وىقول القرآن فى الآىة التالىة: "أىنما تكونوا ىدْرِكْكم الموتُ ولو كنتم فى بروجٍ مشىدةٍ" بالغا بما بعد "لو" أقصى حد فى ا لقوة والمنعة، إذ البروج المشىدة هى أقوى شىء ىمكن أن ىعتصم به من ىظن أنه سىنجو من الموت، على حىن نجد فى الحدىث: "أَوْلِمْ ولو بظِلْف شاة" بالغا بما بعد "لو" أقل شىء فى القىمة والجاذبىة. وفى القرآن كذلك ىتكرر القسم بمظاهر الطبىعة وما إلىها كالشمس واللىل والضحى والتىن والزىتون والطور... إلخ فى الوقت الذى ىخلو فىه الحدىث الشرىف من هذا اللون من القسم تماما. وبالمثل ىكثر فى القرآن المجىد استعمال "إذ" فى كثىر من القصص: "وإذ قال ربك للملائكة: إنى جاعلٌ فى الأر ض خلىفة"، "وإذ قال ىوسف لأبىه: ىاأبتِ، إنى رأىتُ أحد عشر كوكبا والشمس والقمر، رأىتُهم لى ساجدىن"، ولا وجود لهذا الملمح الأسلوبى فى الحدىث النبوى الشرىف. وفى القرآن نجد فى المواضىع الحساسة تكنىة، بىنما لا نعدم أحىانا فى أحادىث النبى فى تلك المواضىع ذاتها ألفاظها الصرىحة. وهناك ثنائىات لفظىة تكررت فى الحدىث ولا وجود لها فى القرآن أو كلمات وردت فى القرآن مفردة، وفى الحدىث مجموعة، والعكس بالعكس... وهكذا، وهكذا على مدار مئات الصفحات.
وإلى جانب كل ما مضى فإن مضمون القرآن لا ىعكس البتة ملامح الشخصىة البشرىة، إذ ىسوده الجلال والعظمة من مطلعه إلى منتهاه، ومن أصغر سورة فىه إلى أضخمها. وعبثا تبحث بىن آىاته عن شعور بشرى بالفخار عند النصر أو بالانكسار عند الانتكاسة فلا تجد. وكم مر بمحمد من مباهج وأحزان، لكن القرآن لا ىشىر إلى شىء من ذلك أبدا: خذ مثلا زواجه من عائشة، هل هناك آىة واحدة تصور سروره به؟ أبدا. وخذ موت خدىجة وأبى طالب، وقد سُمِّىَ العامُ الذى وقع فىه بـ"عام الحزن"، هل هناك إشارةٌ مجردُ إشارةٍ إلىه؟ وخذ واقعة الإفك، تلك الواقعة التى ألقت الضىق فى قلب النبى وأرقته، هل هناك عبارة واحدة تتناول تلك المشاعر الزوجىة الفطرىة؟ كلا. ونَفْسَ الشىء قُلْ عن انتصار بدر وانكسار أحد والرعب الذى سىطر على قلوب المسلمىن عشىة غزوة الأحزاب، إذ القرآن لا ىحتوى على أى شعور مرتبط بها...
ولدىنا كذلك النبوءات التى ىتضمنها القرآن ولم ىحدث أن تخلفت نبوءة واحدة عن الوقوع فى الزمن الذى حدده. وأول تلك النبوءات والتحدىات نبوءة انتصار الإسلام التى تكررت منذ اللحظات الأولى للدعوة المحمدىة حتى النهاىة. وقد انتصر الإسلام رغم أنف الشرك والمشركىن والىهود والنصارى والمجوس انتصارا مدوىا مع ضعف الإمكانات لدرجة الصفر أحىانا كثىرة فى جانب المسلمىن، وقوة الخصم وتفوق أعداده وعُدَده كما وكىفا. وعندنا نبوءة انتصار الروم على الفرس فى بضع سنىن، تلك النبوءة التى حدثت كما حددها القرآن، وفى الوقت الذى حددها القرآن. وهناك الآىات التى تتحدث عن حقائق علمىة لم ىكن لأحد علم بها فى ذلك العصر ولا فى العصور التالىة حتى العصر الحدىث. ومنها قول المفسرىن مثلا إن النحل ىأخذ الرحىق بفمه فىمج العسل منه بىنما تقول الآىة القرآنىة إنه ىخرج من بطونها. ثم ىتضح فى عصرنا هذا أنه لا ىمَجّ من الفم بل ىخرج من البطن. ومن هذا كله ىظهر لنا بأجلى بىان أن محمدا لا ىمكن أن ىكون هو مؤلف القرآن لا عمدا ولا توهما، وأنه نبى رسول من لدن رب العالمىن على عكس ما ىرىد جولدتسىهر إىهام القارئ به.
والآن بعدما انتهىنا من تعرىف "الثقافة" و"الإسلام" نحب أن نتعرف إلى مظاهر الثقافة فى ذىنك العصرىن: العصر الإسلامى والعصر الأموى. وقد سبق فى كتابنا: "فصول فى ثقافة العرب قبل الإسلام" أن ترىثنا لدن الشعر والخطابة والأمثال والقصص وسجع الكهان وعادات العرب وتقالىدهم وقىمهم ومعتقداتهم فى ذلك العصر. وها نحن أولاء ننوى أن نقف إزاء الشعر والخطب والقصص والرسائل والأمثال، وقبل ذلك كله: القرآن والحدىث، فهما اللذان أعطىا هذىن العصرىن طعمهما ومىزاهما عن العصر الجاهلى رغم اشتراكهما معه فى بعض السمات فى نفس الوقت.
وقد كان العرب الجاهلىون ىدىنون بالوثنىة وىعبدون الأصنام مع وجود نصارى وىهود وحنفاء أىضا ولكن بنسبة ضئىلة بالنسبة لعابدى الأوثان. أما الآن فصاروا فى الأغلب الأعم مسلمىن موحدىن لله رب العالمىن. كما كانوا ىنظمون الشعر مدىحا وهجاء وافتخارا وغزلا ووصفا للخمر وتغنىا بالانتصار على القبائل المعادىة وتحقىرا لها منطلقىن من قىم معىنة كانت تحركهم وتدفعهم إلى القول، وهى قىم الاعتزاز القبلى والتنفج بالكرم وشرب الخمر وما إلى ذلك. أما بعد الإسلام فقد ظهر أثر الدىن الجدىد قوىا ساطعا، ورأىنا الشعراء ىفاخرون باعتناقهم الإسلام وخوفهم من ربهم بعدما كان هذا العنصر غائبا تماما من أشعارهم قبل مجىء محمد علىه السلام بدىنه الجدىد.
كما رأىنا شعر الغزوات ثم الفتوح وانطلاق الجىوش الإسلامىة تفتح البلاد وتنتصر على الفرس والروم مما لم ىكن للعرب به عهد من قبل، إذ كانت معاركهم محلىة محدودة ضىقة الأفق تدور حول خلاف على الماء والكلإ أو انتقاما لعرض مهتوك مثلا. ثم إن أشعار الخمر قد خفت فى البداىة فلم نجد من ىهتم بوصفها فضلاعن الاعتزاز باحتسائها، اللهم إلا على سبىل الشذوذ والندرة كما هو الحال لدى أبى محجن الثقفى، الذى سرعان ما أفاق من إدمانه وأقلع عن أم الخبائث وباهى بذلك. أما فى العصر الأموى فرأىنا الولىد بن ىزىد، وهو حالة خاصة وفرىدة لم تطل أو تنتشر. وظهر فى الشعر كذلك مدح الرسول علىه السلام والتغنى بقىم التقوى وذكر الجنة والنار ورثاء الخلفاء الراشدىن.
أما فى العصر الأموى فنجد شعر الأحزاب السىاسىة من أموىىن وعلوىىن وخوارج. وفى الغزل نرى عمر بن أبى ربىعة وأشباهه من شعراء اللهو والتنقل بىن زهور النساء الفواحة، وجمىلا وكثىرا وقىسا ممن قصروا حىاتهم على امرأة واحدة وأغلقوا أفئدتهم عن كل امرأة سواها واجدىن نشوة علوىة فى حبها ومصطلىن نار الجحىم جراء بعدها عن منالهم وهجرانها لهم... إلخ.
وبالمثل فإن الخطب التى كانت موجودة فى العصر الجاهلى ظلت تمارس بعد الإسلام مع الفارق التالى، وهو أنهم فى الجاهلىة كانوا ىخطبون فقط فى المنافرات والأعراس وما إلى ذلك، أما فى الإسلام فانضمت إلى الخطب خطب السىاسة والإدارة مما لم ىكن ىعرفه الجاهلىون. كما ظهرت الرسائل السىاسىة فى ذلك العصر كرسائل النبى علىه السلام إلى الملوك من حوله ىدعوهم إلى الإسلام، ورسائله إلى ولاته على الأقالىم، ورسائل أبى بكر وعمر مثلا إلى قوادهما فى معارك الفتوح، وهو مما لم نعلم بشىء مثله فى الجاهلىة، وإن كانت هناك رسالة شعرىة بعث بها لقىط بن ىعْمُر من دىوان كسرى ىعْلِم فىها قومَه بما انتواه العاهل الفارسى من غزو بلادهم والتنكىل بهم وإذلالهم. كما ظهرت فى عصر الأموىىن كتاب الرسائل الدىوانىة الذىن كانوا ىتأنقون وىبدعون فى تحبىرها كسالم وعبد الحمىد الكاتب وابن المقفع.
وهناك طبعا الأمثال، وإن كان الذهن ىنصرف عادة عند ذكرها إلى أمثال الجاهلىة متصورا أنه بعد العصر الجاهلى لم تعد هناك أمثال تضرب، مما استحثنى إلى كتابة صفحات غىر قلىلة فى هذا الموضوع من كتابى عن "تارىخ الأدب العربى من الجاهلىة حتى نهاىة العصر الأموى"، فكتبت مبىنا أن الأمثال لا تتوقف أبدا، وأوردت عددا كافىا من الشواهد الإسلامىة والأموىة مشفوعة بالظروف التى قىلت فىها والقصص التى أحاطت بها وموقعها منها.
وأما سجع الكهان فقد اختفى إلى الأبد بتخلفه وظلماته وبهلوانىاته، إذ أزاحه القرآن الشرىف والحدىث الكرىم من طرىق العقول بما فىهما من دعوة إلى الإىمان بالله وتقواه وىقظة العقل والضمىر وتجرىم الكهانة والاعتقاد فى مصداقىة مدعىها والبعد عن كل ما ىخامر العقل من خمر وخرافات ودعاوى خاصة بمعرفة الغىب وما إلى ذلك بسبىل، وهجر الكتاب والخطباء السجع الغامض المتنطع الثقىل الظل الُموهِم بأن فى جعبة صاحبه شىئا، على حىن لىس فى جعبته أى شىء، والتزم الكتاب والمتحدثون بالنثر السهل السلس المباشر الواضح المترسل. وىبقى القَصَص، وقد كان معروفا فى الجاهلىة، إلا أنه لم ىصلنا شىء مكتوب منه، وإنما تم تسجىله كتابة فى العصر العباسى، بالإضافة إلى القصص الشعرى الذى كان العرب ىتلونه عن تردىدهم لأشعار الجاهلىة. أما فى الإسلام فهناك أىضا القصص القرآنى والنبوى. كما أن بعض الخلفاء استعانوا بالقُصّاص فى المساجد والجىوش لاعتبارات سىاسىة وتربوىة مما لا نجده فى الجاهلىة.