إلى أحبتي مدرسي الحلقات (ج 3)([1])


استوقفتني كثيرا في ترجمة الشيخ المقرئ طفيل بن محمد بن عبد الرحمن الإشبيلي؛ مقولة الأبّار فيه حيث يقول: "كان مجوداً ضابطاً عارفاً، أدَّب بالقرآن، وطال عمره،وأخذ عنه الآباء والأبناء"([2])، فتأمل قوله: "أدّب بالقرآن".. الله أكبر! كم نحن بحاجة إلى هذا النوع من المعلّمين الذين يؤدّبون بالقرآن، بعد أن تأدَّبوا به وبأخلاقه، وصار القرآنُ يصوغ حياتهم وسلوكَهم وتصرفاتهم، فاختصروا بذلك مسافات طويلة على المتلقي عنهم، والسامع لتوجيهاتهم، وكأن صفتَه "كان خُلُقه القرآن"([3]) ماثلةً أمام أعينهم، يرقبون الله في أنفسٍ طاهرةٍ أجلسها الله بين يديها لتتلقى عنها القرآن.


وإن من أهمّ المعاني التي ينبغي استصحابها في مسيرك هذا؛ أنك في وظيفتك هذه تخدم دينَك، وتتشرف بوسام النبوة الشريف: "خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه"([4])، ولستَ في مجرد وظيفية مادية، بل أنت في هذا متلبسٌ بالنصيحة لكتاب الله التي ذكرها النبي في حديث تميم الداري المشهور: "الدين النصيحة.. ولكتابه"([5]).


وحُبّك لطالبك ما تحبّه لنفسك؛ هو من صميم مبادئك التي تنطلق منها في تعليمك له، ولأَن كان هذا حقاً لكل مسلمٍ؛ فهو مع تلميذك أولى، يعينك على ذلك أن تتذكر يوم أن كنتَ طالباً بين يدي شيخك وأستاذك قبل سنوات، مستشعراً قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾[النساء: 94]، ومتذكراً قولَ نبيك : "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه"([6]).


اجتَهِد ما استطعت - أخي مدرس القرآن- أن تضع بصمةً في كل طالبٍ أكرمَك الله بالجلوس بين يديك؛ يتذكرها لك في كبَرِه، ويدعو لك بسببها، وهذه البصمة تتنوع، فقد تكون نصيحة فردية ـ عند الحاجة لها دون إملال ـ وقد تكون هديةً، وقد تكون البصمةُ كلمةً تشجيعية يسمعها منك مباشرةً، أو ترفع بها صوتك ليسمعها زملاؤه، أو تُرْسِلُ لوالده ـ أو وليّ أمره ـ رسالةً تخبره فيها بجانبٍ من جوانب التميز لتلميذك، تفعلُ ذلك وأنت تتذكر قوله عن ابن عمر: «نِعم الرجل عبد الله، لو كان يصلي من الليل»([7])، وقوله في غزوةٍ من الغزوات: «كان خيرُ فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجّالتنا سلمة»([8])، وغيرها كثير، ولا يخفى على لبيبٍ مثلَك أهميةَ الاعتدال في هذا المدح والتشجيع، فإنه إذا زاد عن حدّه فقَدَ الفائدة التربوية منه، بل ربما انعكس المقصود منه.


وأحاذرك ـ أيها اللبيب ـ أشدَّ الحذر من جرحِ مشاعرِ تلميذك، خاصة أمام زملائه، أو وليّ أمره؛ فإن هذا له أثره الذي قد يبقى زماناً طويلاً، وربما كانت سبباً في تركه الحلْقة، والشواهد على ذلك كثيرة، وقد قيل قديما:


وقد يرجى لجرحِ السيفِ برءٌ ** ولا برءٌ لما جرحَ اللسانُ







وللحديث صلةٌ إن شاء الله.



([1]) أشرتُ في المقال السابق (ج2) إلى أهمية زاد الصبر لمن سلك هذا الطريق، وأكمل في هذا الجزء بعض المعالم التي أراها مهمةً لمعلّم أشرف كلام في الوجود.
([2]) معرفة القراء الكبار ص578.
([3]) رواه مسلم ح(746).
([4]) البخاري ح(5027).
([5]) مسلم ح(55).
([6]) البخاري ح(13)، مسلم ح(45).
([7]) البخاري ح(1122)، مسلم ح(2479).
([8]) مسلم ح(1807).


المصدر: http://almuqbil.com