همسات في طريق المسيرة القرآنية
بقلم : د.جمال ياسين

الهمسة الأولى
( قرآناً يمشي على الأرض )

نعلم جميعاً بأن حفظ القرآن الكريم من أفضل القربات إلى الله تعالى, فالمتعلم والمعلم يحظيان بخيري الدنيا والآخرة ، كما قال :"خيركم من تعلَّم القرآن وعَلَّمه" [صحيح البخاري:5027]، والحلقات القرآنية من أهم وأقدم مؤسسات التعليم في الإسلام؛إذ أنها تقوم بمهمة كبيرة وجهد متواصل في تعليم أبناء وبنات المسلمين القرآن الكريم ؛ إلا أن اقتصار هذه الحلقات على تعليم القرآن الكريم حفظاً وإتقاناً وإجازة فقط، وغياب الجانب التربوي والأخلاقي والقيمي يخرج جيلاً هشاً غير عامل بالقرآن، وغير متأدب بآدابه، وغير نافع لمجتمعه، وغير قادر على مواجهة ما ينتظره، في عصر كثرت فيه الشهوات والشبهات والمغيرات للفطرة، وقد نبه النبي إلى أهمية العمل بالقرآن والتخلق بأخلاقهفقال: (والقرآن حجة لك أو عليك)[صحيح مسلم :223]؛ لأن من قرأ القرآن ولم يعمل به ولم يتخلق بأخلاقه كان القرآن حجة عليه، ويقول : (إن من شر الناس رجلاً فاجراً يقرأ كتاب الله لا يرعوي إلى شيء منه)[ الجامع الصغير : 2858 ]،أي لا يتمثل شيئاً من أخلاقه، وينبه عبد الله بن مسعود إلى عظيم الخلل الواقع في حياتنا فقال وهو يتحدث عن نفسه وعن أصحاب النبي : ( إنا كان يسهل علينا العمل بالقرآن ويصعب علينا حفظه، وسيأتي بعدنا أقوامٌ يستسهلون الحفظ ويستصعبون العمل )[ الجامع لأحكام القرآن : 52 ]، الأمر الذي يتطلب منا مواجهة ذلك بغرس الآداب والتوجيهات التربوية والقيم الأخلاقية في نفوس طلاب تلك الحلقات القرآنية ، ويجب أن لا نجعل دور الحلقات القرآنية ومراكز الإقراء ينحصر في تخريج أكبر عدد من الحفاظ أو المجازين فحسب ـ فالأمة اليوم لا ينقصها حفاظ ولا ينقصها مجازون ، فكثيراً ما نسمع بالاحتفالات والتكريمات لأعداد كبيرة من الحفاظ والمجازين في شتى أنحاء العالم ،بل يجب أن يتعدى هذا الأمر إلى تخريج أناس تمثلوا القرآن واقعاً وسلوكاً وتربية في حياتهم؛ فمن المشين أن نرى حفاظاً للقرآن الكريم ومجازين يحملون في نفوسهم أخلاقاً بعيدة عن أخلاق حملة القرآن. ومن أجل أن نصل إلى حلقات قرآنية تتمثل القرآن واقعاً وسوكاً فإننا نوصي بالآتي:

أولاً :
من الواجب على مسؤولي الحلقات والمراكز القرآنية والإقرائية اختيار المعلم والمقرئ المناسب ليس من حيث الحفظ والإتقان فقط كما هو حال اليوم ؛ وإنما يضاف إلى ذلك المعلم المربي والقدوة في أقواله وأفعاله ؛ فكيف لمعلم حلقة قرآنية غير ملتزم بالقيم والأخلاق الإسلامية أن يخرج طلاباً ملتزمين بها !

ثانياً :
يجب على معلم كل حلقة قرآنية أو إقرائية أن يهتم بالجانب التربوي الأخلاقي لطلابه، وذلك بأن يكون قريباً منهم ومن واقع حياتهم، يعاشرهم باستمرار ويزورهم في منازلهم ويتعرف على أسرهم ، ويسأل عنهم ، ويحتك بهم في مواقف وأنشطة عديدة يقيمها لهم، فإن ذلك كله يكشف للمعلم ما يحمل كل طالب من أخلاق وسلوك ، فيستطيع أن يعدّل من سلوكهم باستمرار، كلما وجد من طالب خطئاً نبهه ووعظه وأرشده وتابعه في عدم تكرار ذلك ؛ ومع الأيام يتعدل سلوك الطالب فإذا أكمل حفظ القرآن كان لبنة رائعة في المجتمع صاحب قيم وأخلاق عالية تمثل حافظ القرآن العامل بالقرآن .

ثالثاً :
صرنا نفتقد اليوم لطالب يقرأ القرآن الكريم ويرتله ويتدبره وتترقرق دموعه من خشية الله متأثراً بما يقرأه من آيات، صرنا نفتقد لجو إيماني عظيم يشعر الرائي – حقاً – أن الملائكة تحفهم، والرحمة تغشاهم، والسكينة تنزل عليهم ، بل صار الطلاب يرددون كلام الله ولا يعرفون ما يقرؤون، وهذه مشكلة كبيرة، فالواجب قراءة القرآن بتدبر وخشوع ، بل إن هذه هي الغاية من قراءة القرآن ، قال الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)[ص: 29]، فعلى المعلم أن ينبه طلابه دائما على ذلك ، ويقف معهم باستمرار على بعض آيات من القرآن ليتحدث عن ما تحمله من معاني ؛ حتى يغرس في نفوس طلابه أهمية التدبر .

رابعاً :
كذلك على معلم الحلقة القرآنية أن يتخول طلابه بالموعظة باستمرار حول القيم والأخلاق ويزرع لهم في كل موعظة خلقاً، ويحدثهم عن أخلاق رسول الله وصحابته رضوان الله عليهم . ويحذرهم من الأخلاق السيئة ويبين لهم خطرها ووزرها ، ويجعلهم يطبقونها في واقع حياتهم ويتابعهم من خلال البرامج والأنشطة المتنوعة التي يقيمها لهم .

- هذه بعض كلمات كتبتها في عجالة، إن أحسنت فيها فمن الله وإن أسأت فمن نفسي والشيطان ، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .



كتبه الفقير إلى عفو ربه الكريم : د.جمال ياسين – اليمن – محافظة إب - 24 - 1 - 2016م