الباتلي ومحمد عبده !
استمعتُ إلى مادة مُسجَّلة ومنشورة ، منسوبة للشيخ الباتلي وفقه الله تعالى وسدَّده حول عجوة المدينة ، وقد ورد في كلامه ما معناه أن عجوة المدينة المباعة حالياً في الأسواق ليست هي العجوة بعينها التي رغَّب رسول الله في أكلها على الريق سبع تمرات . وجزى الله فضيلته خيراًعلى إجتهاده وتمحيصه .


ولما سمعتُ كلامه تذكرتُ قصة قديمة وقعت تقريباً في عشرينيات القرن الهجري الماضي ، أيام الشيخ محمد عبده ( ت: 1323هـ) العالم المصري الإصلاحي. تعالى .


فقد زار مِصر آنذاك أحدُ المستشرقين النصارى وأراد الإسلام في بلد الأزهر ، وبسبب حظِّه العاثر فقد دلَّه بعض الأدباء على فقيه أزهري مُتشدِّد ، فجلس في حلقته ليتعلَّم منه الوضوء ونوع الماء الطهور فيه .


فأخذ الأزهري يشرح له أنواع المياه : مياه الآبار ومياه الأنهار ومياه الأمطار ، والفروق بينها إذا خالطتها نجاسة ، وحكم الوضوء بماء الباقلاء وحكم ماء العدس ،ونحوها من الفروع الفقهية الدقيقة ، حتى كره المستشرق الإسلام ونفر من جواب الأزهري .

وفطن بعض العوام لحاله ، فدلًّه على الشيخ محمد عبده ، فلما حضر إليه وسمع قصته منه وحبِّه للإسلام قال له بهدوء : الماء الذي تشربه توضأ منه ! . فحبَّبه للإسلام ودخل فيه من ساعته .


فالذي ترجَّح عندي – في موضوع العجوة – أن الشيخ الباتلي يُقرُّ بأن المعروض تمرٌ من تمر المدينة ، من بين لابتيها ، أي الحرَّتان ، فنفي العجوة بالكلية إثبات بلا قرينة مُسكتة ودعوى عريضة ضعيفة. فيلزم من هذا سقوط دعواه.


فإن قال إن المعروض ليس من تمر المدينة مطلقا ً، فيلزمه اليمين شرعاً ، ولو قال بالعكس لبطلت الدعوى . فهذه قاعدة يجب التسليم بها قبل المناقشة والحِجاج.


• وفي رأيي أن كلام الباتلي غير دقيق من وجوه عشرة :
1- التمر النبوي لا يُمكن نفاده أو كساده بدليل وجود البركة في المدينة النبوية ، من زمن الرسول إلى يومنا هذا ، ودعاء الرسول لصاع أهلها ومُدِّهم ، وهذا يسري في الأطعمة والأشربة ونحوها من طيبات الأرض .
فلا يجوز كسر هذه البركة بالقول بنفاد العجوة أو ندرتها ، لأن ذلك نقيض لأصلها ، ولأنه إعتداء على تكريم النبي لأهلها . وهذا أدبٌ قلَّ من يتفطَّن له من الناس .


2- العرف مُعتبر في أرزاق الناس . وقد صح في الحديث : ” دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ” أخرجه مسلم . والعجوة ليست بضاعة كاسدة أو مجهولة الوصف والمقدار ، فأهل الزرع وأهل الحديث وأهل الطِّب يعرفونها بالحدِّ والوصف ، وهي سوداء اللون وقد يخالطها حُمرة أحياناً بحسب الهواء وشدة الحرّ ، وقد يختلف طعمها وحجمها بحسب التربة وعذوبة الماء. ولا ريب أن العرف قرينة مُرجِّحة عند الأصوليين .


3- كل شيء يتغير بتغير الزمان والمكان ، فالهواء والماء والتربة لا تبقى على حال واحدٍ على مرِّ الأيام والسنين .

والأطعمة يلحقها من ذلك بحسب قدرة الله وسننه في الخلق ، لبيان بديع صنعه وكمال قدرته. فربما تنقص تارةً وربما تزيد تارةً ، وربما ترخص أحياناً وربما تغلى أحياناً أخرى ، فيظن بعض الناس أنها فانية أو كاسدة ، كعجوة المدينة .


4- النخيل تمرض وتضعف . وهذا يعرفه أهلُ الفلاحة والزرع ، فالرطوبة والتعفُّن – أو نزول المطر في غير وقته النافع ، أو التلقيح الخاطىء ، وهذا من قدر الله – سببٌ للآفات على المحاصيل ، فَتُهلكها أو تُعدم ثمارها ، فيؤثِّر ذلك على وصفها ولونها ، فيستغربها من لا خِبرة له في حال النخيل والثمار . وقد صحَّ في الأثر :” أنتم أعلم بِدُنياكم “. أخرجه مسلم .
فإطلاق حكم أغلبي على العجوة يجب أن يكون مقيداً بضابط يعرفه أهل الخبرة حتى لا يقع الإنكار عليه . وحتى لا يفهمه بعض الناس على غيره وجهه فيُشكِّك في بركة المدينة النبوية .


5- النِّزاع في المسائل الدنيوية يحكم فيه المُجرِّبون وأهل المِهن والحِرف .
فمثل هذه المسألة نُدرة عجوة المدينة أو إنعدامها في الثمار، لا عبرة بحكم غير أهل الإختصاص كائناً من كانوا .
فيوجد الآن في العالم حوالي (2000 ) ألفان من أصناف التمور ، لا يُميِّز بين أنواعها إلا أهلها الذين عرفوها وتوارثوا العمل فيها .


6- العجوة من ثمر الجنة ، فيمتنع شرعاً انعدامها . وفي الحديث : ” العجوة من الجنة ، وفيها شفاء من السُّم” . أخرجه الترمذي بإسناد حسن .


7- صفة العجوة ثابتة على مرِّ التاريخ وهي : أنها سوداء اللون ،صغيرة النَّوى ، كأنها لسان طائر ، وأن طعمها يختلف باختلاف أنواعها.
ولعل هذه الرواية توضِّح المراد : وهي أن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم نزلوا بالرجيع سَحراً، فأكلوا تمر عجوةٍ ، فسقط نواة في اﻻرض ، وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون النهار.فجاءت امرأةٌ من هُذيل تَرعى غنماً فرأت النوى فأنكرت صغرهن،وقالت هذا تمر يثرب ، فصاحت في قومها: قد أُتيتم. فاقتصوا آثارهم حتى نزلوا منزﻻً، فوجدوا فيه نوى تمرٍ تزوَّدوه من المدينة ، فجاءوا في طلبهم فوجدوهم قد ركنوا في الجبل. رواه السُّهيلي في الروض الأنف.


8- بعض الناس يظن أن العجوة نوع واحد وهذا خطأ . والصحيح أنها أنواع عديدة منها ” الصيحاني ” كما أفاده العلامة الأزهري.
وقد قال بعض الأعراب: ” إن عجوة المدينة خُنس فُطس يَغيب فيها الضرس”.
فلا يجوز الإنكار على إنعدامها أو ندرتها بدون حصر جميع أنواعها . وهذا يحتاج إلى وقت وجهد كبير .


9- لو كانت العجوة اليوم نادرة أو معدومة مطلقاً ،لنبَّه على ذلك المحدِّثون والمؤرِّخون ، أو أهل النخيل الثقات. وهذا لم يقل به أحدٌ لا قديماً ولا حديثا ً.


10- الحكم الشرعي في مثل هذه المنازعات – في باب الأطعمة – يكون لأهل البلد لا لغيرهم ، الذين يعرفون التربة وما يُزرع فيها . وكما قيل أهل مكة أدرى بشعابها! .
فعجوة المدينة يحكم فيها أهل المدينة : علماؤهم وزُرُّاعهم وخواصهم .
والخلاصة أن من اعتقد أن عجوة المدينة نادرة أو معدومة ، فقد أخطأ لأنه خالف الإجماع الإستقرائي – وهو قرينة ملزمة عند الأصوليين – الذي تواتر عليه الناس من مئات السِّنين عبر قرون طويلة .


وللشيخ عبد الرحمن السِّعدي( ت: 1376هـ) تعالى تقرير في بعض مؤلفاته ، يُفيد أن تخصيص العجوة للشفاء وللوقاية من السحر ، ليس على الحصر، بل للتمثيل ، فمطلق تمر المدينة نافع لأنه من أرض مباركة .
والعلامة ابن باز ( ت: 1420هـ ) تعالى ، يرى عُموم بركة التمر كُّله استدلالًا بآية مريم :” وهُزِّي إليك بجذع النخلة .. “( مريم : 25 ) .


والمقصود أن الشك والظن والإختلاط والإلتباس لا يؤخذ بها عند الأُصوليين لإثبات حكم عقلي ولا شرعي ، فيلزم نبذها وهجرها.
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

د/ أحمد بن مسفر العتيبي

( منقول )
الباتلي ومحمد عبده ! | مدونة المتوقِّد