ما اود التنبيه اليه قبل الانطلاق مع بقية فتوحات سورة القلم الفاضحة للنواصي الكاذبة المانعة للخير هو لفت الأنظار الى ان موضوع الوعود الربانية في السورة القرآنية الواحدة ليست قضايا منفصلة لا رابط بينها ولا مجموعة حقائق منعزلة لا لُحمة بينها، وانما هي كلٌ متناسق مترابط يُردّ جزؤه الى كله، الى حقيقة كلية بارزة وثابتة، ألا وهي حقيقة الألوهية التي تأخذ على النفس أقطارها في المنهج القرآني، فتشغل الكيان البشري بآثار رحمة الله ومحبته وقيوميته وجلاله وأُنسه وقربه وإحاطته بالكون كما قال سيد قطب في المقومات. وعلى ذلك فلكي نعرف علاقة نصوص ومفردات الوعد الرباني في سورة معينة ببقية النصوص فعلينا ان نتأمل الوعد في سياقه من السورة اي نتأمل الوعد معروضا بين سنن الله وآياته في عالم الخلق العلوي والسفلي. ومن ثم علينا ان نضع "الوعد القرآني"، كما وضعه الوحي، وراء حركة الكون والتاريخ وحركة الجماعات البشرية والأمم البشرية والقوى والطاقات جميعا.
ولنأخذ مثلا على ذلك من سورة الروم، وقد نزلت في مكة ففيها ورد اكثر من وعد بالنصر المستقبلي في اكثر من موضع، وورد التأكيد على الوعد في بداية السورة ووسطها وأخرها وكل ذلك معروض بين وقائع تاريخية وكونية ففي بداية السورة وعد الله بأنه سينصرالروم على الفرس في بضع سنين وأن ذلك سيتوافق مع هزيمة جمع كافر ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله!
والمدهش ان الوعد بذلك وُضع في واجهة السورة، مفتتحة به!، ليراه القارئ كلما شرع في تلاوتها ليلتفت مع النص التالي في تأكيده للوعد، بصيغة جازمة، صيغة تُرجع الوعد الى الله، كما تؤكد انه لن يتخلف!..ولمعرفة وقع وقوة الخبر على المؤمنين والكافرين يومئذ فإن على القارئ أثناء القراءة أن يُرجع البصر الى الواقع الذي واجهه النص القرآني ثم عليه أن يرجع البصر مرة أخرى ويتأمل في المقارنة التي أبرزتها الآية التي تلت إعلان الوعد وتأكيده.. يتأمل في مُقارنة علم الرب ووعده مع علوم الغافلين وأحادية نظر الذين لا يعلمون فيقول: "يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ"، فهذا هو مبلغهم من العلم.. وهذا يعني ان الذين يرمون القرآن بالأساطير رغم ما يرون من علومه الكثيرة الدقيقة وآياته في العوالم كلها إنما هم الذين يعلمون ظاهرا واحدا من ظواهر الحياة الدنيا ، وفضلا عن انهم يشوهونه ولا يبلغونه فان مداهم العلمي قاصر وضيق ومحدود لدرجة تضيق معها الأنفاس بحسب وصف عالم التاريخ عماد الدين خليل.
تدعو السورة ايضا الى التفكر في "الناموس الحق" الذي يحرك الكون الى هدفه وانه هو الذي يدفع الموعود الى مبلغه، يقول "أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ"، تنقلنا السورة بعد ذلك نقلة تاريخية .. التفكر في وقائع الله في الذين خلو من قبل وعلاقة ذلك بنفوذ قدر الله الشامل في نظام الكون. ومن المعلوم ان تاريخ الانسان على الارض لايخرج عن ان يكون قطاعا في نظام الكون كما قال سيد قطب "أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"، ثم ترجعنا السورة الى أنفسنا الى قضية الخلق والنشأة الإنسانية وانه سبحانه قادر على الإعادة كما هو قادر على البدء ومن هو كذلك فهو قادر على تحقيق النصر لهذه الأمة المستضعفة في مكة والتي تستمع الآن للآيات النازلة "اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" "يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ"، ثم بصورة مبهرة وفائقة الجمال والجلال تعرض السورة بعد ذلك تجلي هذا التدبير والعناية واللطف في آياته الظاهرة والباطنة، "ومِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ"
ثم يعرض نتائج أعمال أصحاب النظرة الأحادية المفسدة للعمران البشري "ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"
ثم يذكر آثار الرحمة مرة أخرى "اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"، ثم قال "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ"، ثم ربط هذا مرة أخرى بخلق الإنسان ومراحل نموه "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ"
ثم قال بعد أن ساق الأمثال وكأنها كلها سيقت كدليل على النصر القادم! "وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" ثم أكد في آخر السورة على ما افتتح به بدايتها. "فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ "