سعة أوصاف للأخلاق العلمانية المتطرفة
طارق منينة

"وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ..." لقد عرضت سورة القلم صفات جامعة، وبألفاظ دقيقة بالغة الدلالة، تصف شخصيات عاتية طاغية، تتصف بالكذب والعنف، وشدة الطعن ومداومته، والمَهَانة والمُداهنة والمُداراة.. شخصيات يمكن للقارئ أن يجدها بارزة لامعة في كل عصر ومصر، ديدنها اللمز المتكرر، والطعن المتهكم المباشر والمتستر، والنميمة المتجولة الحانقة في النوادي والمنتديات المحلية والعالمية.. تطعن في النبي والنبوة والأنبياء، تهمز القرآن في كل ناد وواد، وتتهكم على النبوة في كل بلد ومحلة، ولا يخفى عليكم أن أكثر هذه الطواغيت -كما سنرى- تتسم بغلظة طبع، وقسوة قلب، ومهانة في القول والعمل، وجفاء، تحلف بالباطل عند الحاجة، وتداري بالتلبيس والنفاق عند اللجاجة، وتتجرأ على النبوة، وتنال منها في الأمن والأمان.
وقد أشارت أسباب النزول إلى من نزلت فيهم الآيات، بشخوصهم وصفاتهم، ونحن نرى اليوم نظائرهم وأشباههم، في عمق مستواهم النفسي والعقلي والعملي والحركي، وهي التي عرض القرآن صورها النفسية والعقلية واللفظية، فهي متطابقة متشابهة في صغر الاهتمامات، ومهانة الكلمات، وتحريف الدلالات، وعنف السلوكيات، ومكر المداهنات.
وأنا هنا، فيما سيأتي عرض تفصيلاته، تعمدتُ عرض ما عرضته كتب السيرة والتفسير من "أسماء" من نزلت فيهم السورة؛ لأن ذلك سبيل للمقارنة والمطابقة، فعندنا اليوم طواغيت فكرية معاصرة (وعربية!) فاقت نظائرها الماضية في العنف والكذب والتجاوز اللفظي والمادي والعملي ضد رسول الله، بالتهكم عليه، والسخرية منه، ولمزه، بل والطعن فيه بكلمات غاية في البذاءة. وسنثبت هذا من أعمالهم وأفعالهم ونميمتهم، وبالكافي من أقوالهم.
سنقدم الدليل، أيضا، وهو أهم ما في بحثنا، على عمق دلالة ألفاظ القرآن -وسورة القلم على وجه الخصوص- لأنها تتكلم عن صفاتهم وكأنها "حرفة وصنعة" لهم، و"منهج"، وهو ما سنثبته من كلام "صادق جلال العظم" العلماني، وهو ما يعني استيعاب الألفاظ القرآنية واتساع كلماتها، وكمال إشاراتها، لوصف الطغيان البشري بفعله الشاذ المتكرر في التاريخ كله، وهذا في نفسه إعجاز "العلم الإلهي" المتعلق بالعلم التام بالنفوس وخلجاتها وصفاتها وفعلها، "أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ"(سورة الملك -وهي مكية!- الآية:14). فكل "كلمة" أو "آية" كما قال الباقلاني في "إعجاز القرآن" لها في الدلالة "آية"، وهذا يعني أن الوصف القرآني شاهد على كل عصر، وكاشف لطواغيت كل عصر ومصر. فألفاظه تؤكد حقيقة العلم الرباني الكلي المطلق المحيط بالشخصيات التاريخية المتشابهة الفعل، المتطابقة القول، المتصفة بالصفات التسعة من السورة، وغير ذلك من الصفات في بقية السور القرآنية. وهذا بدوره يؤدي إلى التأكيد على أن هذه الألفاظ القرآنية معجزة في الصياغة والدلالة، معجزة في وصف "العلامة" و"الهاجس" و"الفعل". كما أنها قول تام، مهيمن وقاهر، كامل الدلالة والموسوعية (وهو تعبير نقوله أيضا إلزاما للعلمانيين الألسنيين وأشباههم!)، أو الكلية والعمق والسبق -لو صح التعبير- فهي من جهة تكشف، كما في السورة، أعماق النفس البشرية الجاحدة وتسبر أغوارها، وتخرج لنا دوافعها وخلجاتها ومعادنها وصورها، وتسطر ذلك كله وبدقة مدهشة في كلمات قليلة وكثيرة، في إيجاز غير مخل، وإطناب غير ممل.. تعرض السُنن الجامعة، والعلامات البارزة التي تجمع النظير إلى النظير، وتطابق بين الشبيه وشبيهه، كما أنها تعرض العلاقات المتبادلة والمتراكبة بين العلامات والصفات (بين الجاحد الزنيم والـ"مناع للخير" مثلا، أو الهمز والهماز وشخصية "العتل" الطعان) بين الأخلاق والفكرة، والعلامة والحركة.
كما أنها من جهة أخرى تعلن القدرة على أصحاب "النميمة الكبرى"، وكشفها، وفضح أعمالها "فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ" وقد حسبوا أن لن يخرج الله أضغانهم، أو يعرض علامات فتنتهم البادية على سيماهم، ولحن أقوالهم "أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ، وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ"(سورة محمد:29-30)
وقبل أن أخوض في "المسألة الخطيرة" بكل معنى الكلمة، علي أن أؤكد على التالي: أنه ينبغي علينا اتباع أوامر الله في مواجهة هذه المهانة الفكرية المداومة على الطعن في ديننا.. علينا اتباع أوامر الله، وأكررها؛ (لأن ما سيأتي من عرض كلامهم عظيم!) الصبر على هذه البذاءة الوثنية والعلمانية والكتابية، "َاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ" وعدم طاعتهم "فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ" فالله أعلم بهم "إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" وقد وصفت لك السورة هواجسهم، وغلظة طباعهم، وقسوة قلوبهم، ومهانة أفعالهم، وكذب مسعاهم، فلا تطعهم؛ لكونهم على هذه الوجوه القبيحة المانعة للخير، والشحيحة به على الخلق، فديدنهم وحرفتهم وصنعتهم وخُلقهم هو على ما أوردته السورة، فتنبه ولا يفتنك منهم عتل غليظ، أو مفكر كذاب، طعان عياب!. فالله يمتحنهم ويبلو أخبارهم "إنا بلوناهم..." ولا تنس أن الرسول أمام هؤلاء جميعا، وأمام صفاتهم التسعة البشعة بل أكثر، كما أخبرت السورة على خلق عظيم "وإنك لعلى خلق عظيم" وقد بشر الحق أهل الإيمان ووعدهم أنهم إن أطاعوا كلمات الله ليبصرنهم بهزيمة الكفر والجحود والكذب والتعدي الأكبر. وقد حقق لهم ما وعدهم، وعلينا أن نستبشر مثلهم ببشرى سورة القلم إذا التزمنا وفهمنا عن الحق كلامه مهما بلغت درجات الفتنة في صورها العاتية الغليظة والمهينة.
إن على الذين ينظرون في خريطة علم العلامات والدلالات -من العلمانيين وغيرهم- وعلاقات الحروف والكلمات، والألفاظ والجمل والإشارات، والوقائع والأحداث، والنفوس والشخوص، أن ينتبهوا لدقة دلالة الألفاظ القرآنية، والكلمات الربانية، ومدى اتساع دلالاتها-مع إيجاز ألفاظها في بعض السور كسورة القلم على سبيل المثال- وهيمنتها العلمية والمعرفية، حتى إننا بدراستنا لها نجدها تستغرق مساحة الوقائع والخرائط المادية الممتدة على مدار التاريخ، ووصولها لأعماق مستوياتها المادية واللفظية المختلفة والمتعددة والظاهرة والباطنة، الأولى والأخيرة. وبألفاظ جامعة وملفتة.