نزلت الآيات (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (15)) من سورة القلم في جماعة من المشركين،
قال ابن عباس ومقاتل إنها نزلت في: الوليد بن المغيرة، وقال ابن عباس أيضا: هو أبو الجهل بن هشام وقال عطاء: الأخنس بن شريق، وهو قول الشعبي والسدي وابن اسحاق وقال مجاهد: الأسود بن عبد يغوث.
والصحابة إذا قالوا إنها نزلت في فلان فهم لم يقصدوا أنها خاصة به في الأغلب، فحكم الآية لا يختص بأولئك "الأعيان" الذين نزلت فيهم الآيات دون غيرهم كما قال العلماء.
ويمكنك أن تلاحظ أن الآيات عامَّةً في كلِّ مَن كان على طريقتهم. ولا يغيب عن بصرك وبصيرتك أن كلمة "وَلا تُطِعْ كُلَّ" تعني العموم، أي كل من ظهرت فيه هذه الصفات. وقد ورد قبلها لفظ "فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ" أي "كل" المكذبين.
وقد أحصى القرآن من أقوالهم وأفعالهم ومبالغتهم في المشي بالباطل، ما يمكن أن ينفع علماء النفس في دراسة أنماط السلوك الشاذ، وخلفية ذلك وتأثيره ودوافعه من العقائد والمواقع والمهن والمناصب والمجتمعات والأهواء والشهوات والمؤثرات المختلفة. وقد سرد القرآن أحداث التاريخ القديم وربطه بوقائع معاصرة لبعثة النبي محمد رسول الله، ويمكن رؤية المعالم الخالدة لضبط الحقيقة وتوليد العبرة منها من خلال دراسة سنن الله الكونية المعروضة عرضا تاما في القرآن (انظر نظرات في القرآن للغزالي ص98)
قال ابن عاشور: وأما هؤلاء فلعل أربعتهم اشتركوا في معظم هذه الأوصاف... والصفة الكبيرة منها هي التكذيب بالقرآن الذي ختم بها قوله (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) لكن الذي قال في القرآن (إنه أساطير الأولين) هو الوليد بن المغيرة، فهو الذي اختلق هذا البهتان في قصة معلومة، فلما تلقف الآخرون منه هذا البهتان وأعجبوا به أخذوا يقولونه، فكان جميعهم ممن يقوله، ولذلك أسند الله إليهم هذا القول في آية (وقالوا أساطير الأولين). وقال في تعليقه على سورة "وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ" "جاءت آية السورة عامة فعمّ حكمها المسمين ومن كان على شاكلتهم من المشركين ولم تذكر أسماؤهم".
وقال محمد بن إسحاق: ما زلنا نسمع أن سورة الهمزة نزلت في أمية بن خلف الجمحي، وقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يغتاب النبي من ورائه، ويطعن عليه في وجهه. وقال مجاهد: هي عامة في حق كل من هذه صفته.
وقوله تعالى "وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ" وصيغة المبالغة في "حَلافٍ" وما سيأتي من "همَّاز-مشَّاء-منَّاع" راجعة إلى قوة الصفة كما قال ابن عاشور. والْمَهِينُ: قيل: من الْمَهَانَةِ؛ وهي الحقارةُ والضَعفُ في الرَّأي والتمييزِ.
"هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيم"، همّاز: عيّاب طعّان. وقال ابن تيمية "فالهمز أقوى من اللمز-سواء كان همز صوت أو همز حركة- ومنه "الهمزة" وهي نبرة من الحلق.. والفعال: مبالغة في الفاعل، فالهماز المبالغ في العيب نوعا وقدرا" (التفسير الكبير، ج6، ص87) والهمز هو الكسر، والمراد الكسر من أعراض الناس والغض منهم، والطعن فيهم، كما قال الرازي في تفسيره. ومعلوم أن الآيات تصف أخلاق ووسائل المناوئين المحاولين إهانة النبوة والغض منها والطعن في النبي بالكذب والتهكم والإيذاء والسخرية.
"مَشَّاءٍ بِنَمِيم" قال ابن عباس: يمشي بالكذب، قال سعيد حوى في تفسيره: أي: نقال للحديث من قوم الى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم. والمشاء مبالغة من المشي وهي استعارة لتجشم المشقة لأجل النميمة.
ولا يغيب عن القارئ الكريم أن ترتيب هذه الأوصاف من ألفاظ القرآن على النحو الذي أوردته السورة هو ترتيب مقصود، وهو هنا لبيان تصوير العداوة المتنامية التي تزداد حركتها النفسية والمادية عنفا وغلظة وبشاعة. والآيات تعرض تحول الشخصية المكذبة المعادية، مع الزمن، إلى شخصية قاسية يشتد عنفها وكذبها شدة، كما أن مساحة حركتها الداخلية (النفسية) والخارجية (العملية) تتسع مع الزمن. يشرح لنا العلامة فاضل السامرائي هذا المعنى، بقوله "فإن الهمّاز هو العيّاب، وذلك لا يفتقر إلى مشي بخلاف النميمة، فإنها نقل للحديث من مكان إلى مكان عن شخص إلى شخص. فبدأ بالهماز وهو الذي يعيب الناس وهذا لا يفتقر إلى مشي ولا حركة، ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهو المشي بالنميمة، ثم انتقل إلى مرتبة أبعد في الإيذاء وهو أنه يمنع الخير عن الآخرين. وهذه مرتبة أبعد في الإيذاء مما تقدمها. ثم انتقل إلى مرتبة أخرى أبعد مما قبلها، وهو الاعتداء، فإن منع الخير قد لا يصحبه اعتداء، أما العدوان فهو مرتبة أشد في الإيذاء. ثم ختمها بقوله أثيم وهو وصف جامع لأنواع الشرور، فهي مرتبة أخرى أشد إيذاءً. جاء في بدائع الفوائد: وأما تقدم همّاز على مشّاء بنميم فبالرتبة؛ لأن المشي مرتب على القعود في المكان. والهماز هو العيّاب، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه بخلاف النميم. وأما تقدم (مناع للخير) على (معتد) فبالرتبة أيضاً لأن المناع يمنع من نفسه والمعتدي يعتدي على غيره ونفسه قبل غيره. (أسرار البيان في التعبير القرآني ص20)
وكلمة "عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيم" هي بمعنى "ثم" أي ثم هو مع كل ما مرّ من المثالب، غليظ قاس جاف، حتى صارت الشدة في الخصومة الباطلة علامة عليه. وهو مأخوذ من قولك: عتله إذا أخذه بعنف وغلظة، قال الفراء: وقوله: (عُتُلٍّ...). فى هذا الموضع هو الشديد الخصومة بالباطل، وهو الشديد في كفره كما أورده ابن الجوزي في "زاد المسير" عن عكرمة. وهو كقوله تعالى: "وهو ألد الخصام" وجمعه "قوما لدًّا" يقول ابن كثير: وهو المنافق في حال خصومته يكذب ويزور عن الحق، ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر (انظر تفسيره لسورة البقرة عند الآية: 204-205)
والزنيم كما يقول الفراء هو الملصق بالقوم، وليس منهم وهو: المُدعى. ويقول ابن عباس فيما رواه عنه سعيد ابن جبير: يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها. وهو ما يعني "علامة" يُعرف بها، وهي عار لصيق به. والزنمة كما قال الرازي هي من كل شيء الزيادة. وهي هنا زيادة مستقبحة وبارزة أكثر من غيرها، إنها شدة الخصومة بالباطل