انهيار شرفات الاستشراق.. عنف ضد النبي

طارق منينة
كان قادة قريش يتصدرون مشهد عنف السلطة العربية في كافة أنحاء الجزيرة العربية وذلك في مواجهة الإسلام، والإساءة إلى النبي محمد رسول الله ، كانوا يتخذون رسول الله هدفاً للإساءة والسخرية، وقد أخبرتنا عائشة في الحديث عن: (... تظاهُر قريش على رسول الله وأصحابه) والرواية في سيرة ابن هشام، فلم تكن العداوة عداوة فرد واحد لا يؤبه له، وإنما كان تظاهر القادة الكبار على مواجهة النبي وما جاء به، وهو "التظاهر الجمعي"، المدعوم فيما بعد بتظاهر يهود وكثير من سادة القبائل في الجزيرة العربية، وقد عبّر ابن القيم عن هذا التشمير "الفوقي"، للقيادات العليا، المدعوم بالأكاذيب والأباطيل بقوله: "شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة". ونحن نرى اليوم، من جهتنا، من يتظاهر من قيادات العلمانية العربية، خصوصا الفكرية منها، على الإسلام ورسول الإسلام محمد ، وإجماع فريق منهم على عداوته، كما قال ابن إسحاق عن خِلاف قريش وعداوتها لرسول الله. نرى هذا الفريق من كبار العلمانيين "قد غلب على عقولهم الكيد" كما قال الرافعي في مقدمة إعجاز القرآن، وسنعرض، إن شاء القَيُّوم، من صور هذه العداوة والمشي في الأندية الدولية بالنميمة والخصومة بالباطل التي أشارت إليها آيات سورة القلم، ما سوف يتعجب له القارئ الكريم.
كانت قريش تؤذي النبي بكل طريق تيسر، حتى ولو كان بإلقاء بقايا أو بطن حيوان عليه وهو قائم يصلي، فاتخذوه هدفا لهم، وكانوا منه ومن أصحابه ومن آيات القرآن "يستسخرون" ويسخرون، فكذبوه وآذوه، ورموه بالشعر والسحر والكهانة والجنون والافتراء وغير ذلك، مع علمهم أنه لم يكتب شعرا، ولا يعرف عنه مرض مس أو صرع أو جنون أو ادعاء صلة بالجن في قول شعر أو غيره، أو التحدث بكلام الكهان أو سجعهم، بل كان أعقلهم وأصدقهم، يأتمنونه على أموالهم، ويسعون إليه للحكم بينهم، ولا علاقة له بسحرة ولا كهنة أو قساوسة، لكنهم لما واجههم بالحق وبما يكرهون، رموه بالباطل وبما يناقض ما كانوا يصفونه به لمدة 40 سنة قبل البعثة. وأضافوا إلى الصفات الكاذبة، الغمز واللمز والهجاء البذيء، قال ابن إسحاق: "ومر رسول الله ، فيما بلغني، بالوليد بن المغيرة وأمية بن خلف وبأبي جهل بن هشام، فغمزوه وهمزوه واستهزؤوا به" (انظر سيرة بن هشام، نهاية الجزء الأول)، وكانوا يتعقبونه، ويردون عليه، ينالون منه، وهو قائم يدعو حتى ينتصف النهار، فينصرف الناس عنه، يروي لنا الحارث بن الحارث صورة من صور المواجهة الطويلة مع النبي: "قال: قلت لأبي: ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم الذين اجتمعوا على صابئ لهم. قال: فنزلنا فإذا رسول الله يدعو إلى توحيد الله والإيمان، وهم يردون عليه ويؤذونه حتى انتصف النهار وانصدع الناس عنه..."، ويسرد لنا منبت الأزدي واقعة سبهم له وهو قائم لساعات طويلة يدعو إلى الله، قال: "رأيت رسول الله في الجاهلية وهو يقول: يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. فمنهم من تفل في وجهه، ومنهم من حثا عليه التراب، ومنهم من سبه حتى انتصف النهار. فأقبلت جارية بعُسٍّ من ماء فغسل وجهه ويديه، وقال: يا بنية، لا تخشي على أبيك غيلة ولا ذلة.." والروايتان عند الطبراني، وفي موقف آخر شبيه ومؤثر يرويه عبد الله بن جعفر : "... فأتت امرأة من بناته تمسح عن وجهه التراب وتبكي، فجعل يقول: أي بنية! لا تبكي فإن الله مانعٌ أباك" والرواية عند البيهقي. وقد منعه الله ونصره كما قال.
ولإيمانه بالله، وثقته بالوحي، وثباته على الحق ثباتا لا يتزعزع، فإنه كان متحملا لأشنع أنواع السخرية والتهكم، ومن قادة كبار كان يرجو هدايتهم، لكنهم تمادوا في لمزهم ومنهجهم الساخر كما يحكي عبد الله بن عمرو بن العاص عن موقف طوافه بالبيت واتخاذه سخرية: "فغمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله ، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجهه، ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها". فكانوا يجتمعون له كما في رواية ابن عباس عند ابن إسحاق ويداومون على معارضته بكل وسيلة، وقد أورد ابن إسحاق عرضا تهكميا قاموا به، وصُوْرَتُهُ أنهم عرضوا عليه متناقضات، فإما الملك عليهم، والمال العظيم، أو ليأتوا له بطبيب المس والجنون!، وهو دليل على العناد والتولي.. ومخاطبتهم له بهذه الطريقة تدل على أنهم كانوا يخاطبون عاقلا يعرفون عقله، إلا أنهم يؤذونه بالكلام، فذكر المس والطبيب إنما هو لزلزلته وإرجاعه عن أمره . قال ابن عباس: "اجتمع عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث..، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام -لعنه الله- وعبد الله بن أبي أمية، والعاص بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان، وأمية بن خلف، أو من اجتمع منهم. قال: اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظَهْرِ الكعبة" وعرضوا عليه عرضهم الساخر، فكلمهم بعقل يعرفونه عنه، وبإرادة ترفض العرض الدنيوي، ومَن عهدوه وعرفوه صادقا أمينا عاقلا رزينا لا يمكن أن تكون هذه غايته في الوجود، وهو الذي جاءهم بعز الدنيا والآخرة، عز التحرر الذي يُخرج الشعوب من الظلمات إلى النور، ويُخرج الحضارة المقبلة من رحم السنن الكونية التي حرض على تناولها كم زاخر من آيات القرآن العظيم. قال ابن عباس: فقال لهم رسول الله : ما بي ما تقولون، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم. ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" أو كما قال .
وفي موقف قبل هذا الموقف كانوا قد أرسلوا إليه أحد سادتهم، وهو عتبة بن ربيعة، فقال له عتبة مثل ما قالوا له بعد ذلك مما قدمناه، لكن النبي بعد أن قال له: "أقد فرغت يا أبا الوليد؟" قال: نعم، قال: "فاستمع مني"، لم يكلمه إلا بتلاوة (37 آية) من سورة فصلت، وسجد بعدها، وقال لعتبة: "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك"!
وقد أنزل الله في هذه السورة مفاتيح حضارة إيمانية علمية قيمية وأخلاقية.