قال الشيخُ العثيمين ُ في مُقدمةِ التفسيرِ :
لكتابةِ القرآنِ وجمعِه ثلاثُ مراحلٍ:
المرحلةُ الأولى: في عهدِ النبي ، وكان الاعتمادُ في هذه المرحلة على الحفظِ أكثرَ من الاعتمادِ على الكتابةِ، لقوةِ الذاكرةِ وسرعةِ الحفظِ وقلةِ الكاتبينَ ووسائل الكتابةِ، ولذلك لم يُجمع في مُصحفٍ بل كان من سَمِعَ آيةً حفِظَها، أو كتبَها فيما تيسرَ له من عَسبِ النخلِ، ورقاعِ الجلودِ، ولخافِ الحجارةِ، وكِسرِ الأكتافِ, وكان القُرَّاءُ عددا كبيرا.
المرحلةُ الثانيةُ: في عهد أبي بكر في السنة الثانية عشرة من الهجرة. وسببه أنه قُتلَ في وقعةِ اليَمَامة عددٌ كبيرٌ من القُرَّاءِ- منهم، سالم مولى أبي حذيفة، أحد من أمر َالنبيُّ بأخذِ القرآنِ منهم.فأمرَ أبو بكرٍ رضي اللهُ عنه بجمعه لئلا يضيعَ.
وقد وافقَ المسلمونَ أبا بكر على ذلك وعدوه من حسناته، حتى قال على : أعظمُ الناسِ في المصاحف أجرا أبو بكر، رحمةُ اللهِ على أبي بكر هو أول من جمعَ كتابَ الله.َ
المرحلةُ الثالثةُ: في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان في السنةِ الخامسة والعشرين، وسببه اختلافُ الناسِ في القراءةِ بحسب اختلافِ الصحُفِ التي في أيدي
الصحابةِ فخيفت الفتنةُ، فأمر عثمانُ أن تُجمع هذه الصحفُ في مصحفٍ واحدٍ؛ لئلا يختلفَ الناسُ، فيتنازعوا في كتابِ اللهِ تعالى ويِتفرقوا.
والفرقُ بين جمعه وجمع أبي بكر , أن الغرضً من جمعه في عهد أبي بكر رضي اللهُ عنه - هو تقييدُ القرآن ِ كله مجموعا في مُصحفٍ، حتى لا يضيعَ منه شئ دونَ أن يحمل الناسِ على الاجتماعِ على مصحفٍ واحدٍ؛ وذلك أنه لم يظهر أثرٌ لاختلافِ قراءاتهم يدعو إلى حملُهم على الاجتماعِ على مُصحفٍ واحدٍ.
وأما الغرضُ من جمعه في عهد عثمان - فهو تقييدُ القرآن كله مجموعا في مصحف واحد، يحملُ الناسَ على الاجتماعِ عليه لظهورِ الأثرِ المُخيفِ باختلافِ القراءات.
وقد ظهرت نتائجُ هذا الجمعِ حيثُ حصلت به المصلحةُ العُظمى للمسلمين من اجتماع الأمة، واتفاقِ الكلمة، وحلولِ الألفة، واندفعت به مفسدةٌ كُبرى من تفرقِ الأمة، واختلافِ الكلمة، وفشوِ البغضاء، والعداوةِ.
وقد بقي على ما كان عليه حتى الآن مُتفَقا عليه بين المسلمين مُتواترا بينهم، يتلقاه الصغيرُ عن الكبير، لم تعبث به أيدي المُفسدين، ولم تطمسْه أهواءُ الزائغين. فلله الحمدِ لله ربِ السماوات وربِ الأرض ربِ العالمين.