جنتان وجنتان : المقام والقرب.
قوله تعالى : "وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ".
وقوله تعالى : "وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ".
الآيتان 46 ، 62 من سورة الرحمن.

والسؤال : أي الجنتين برأيك أعظم.؟
نبدء في تحليل النصوص لعلنا نجد للسؤال جوابا وللجواب صوابا بإذن ربنا من خلال الوقفات التالية:
الوقفة الأولى:
ذكر في الأولى كسبا وعملا : خاف مقام ربه، والثواب فيها على جهة الاستحقاق والتملك : ولمن.
ولم يذكر في الثانية لا كسبا ولا عملا يرشح لبيان سبب الجزاء بهما.
الأجر في الأولى على سبيل توفية الأجير على كسبه وعمله ، جزاء من ربك عطاء حسابا بما كانوا يكسبون وبما كانوا يعملون.
أما الثانية فلا يكون ذلك وإنما على سبيل الفضل والإنعام المحض عن غير استحقاق منهم على عمل ، ذلك الفضل من الله ، يختص بفضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، عطاء غير مجذوذ.
تأمل الإشارة واللفتة القوية هل جزاء الإحسان إلا الإحسان على سبيل المقابلة والمكافأة بالمثل إحسان بإحسان في نهاية الحديث عن الأولى تعقيبا وتذييلا، ولم يعقب بمثله في نهاية الحديث عن الثانية لأنه محض خالص.
ومقام الخوف من الله نعم المقام ومن هنا ناسب تسميتها : جنتا المقام إشارة الى ذلك من باب الانتساب للشيء.
الوقفة الثانية :
ومن دونهما : بينهما ووسطهما وخلالهما ، فتكون الأولى بمنزلة السياج والسور للثانية كما كان الخوف سياجا وسورا للقلب يحيط به ويحفظه ان يقع في الحمى.
ومن دونهما : إضافة إليهما، الثانية إضافة وزيادة على الأولى.
ومن دونهما : أقربهما منزلة وجوارا للرحمن حتى يكون العرش سقفا للفردوس الأعلى منهما.
وتكون الثانية فوق الأولى من أعلى ، وتكون الأولى من تحت الثانية.
وذلك لأن الجنة درجات بعضها فوق بعض.
ولهذا أطلقت عليها جنتا القرب في مقابلة المقام.
وكلما أقام العبد نفسه بين يدي سيده ومولاه خائفا وجلا فقد قرب منه وحصل له القرب التام ،اسجد خائفا واقترب منزلة.
الوقفة الثالثة:
ذواتا أفنان ومدهامتان.
وصف الأولى : ذواتا والثانية بدون.
فلم يقل أنهما ذواتا ادهام كما قال ذواتا أفنان على سبيل المشاكلة ، وذواتا بمعنى لهما ملازمة للوصف
.
والأفنان :هي الأغصان الملتفة المتشابكة فلا ينفذ منها الضياء إلى ما وراءها الا قليلا.
أما المدهامتان وصف الأغصان الملتفة المنمقة المتناسقة المقلمة فانتفى عنها التداخل والتشابك عنها فينفذ منها الضياء إلى ما تحتها للأولى فيرى من تحتها من فوقها.
وذواتا أفنان مسورة بحدودها ومدهامتان مد البصر بلا حد.
الوقفة الرابعة:
عينان تجريان وعينان نضاختان.
الجريان مناسب للتحتية والنضخ مناسب للفوقية فينبع الماء في الثانية نضاخ ذخاخ كالنافورة فيكون ألحظ وأسعد للناظر إليه ثم يتجمع ويسيل ويفيض على الأولى لأنها تحت الثانية فيجري وينساب رقراقا.
وتكون العينان النضاختان بمثابة النبع الذي يتفجر منه ماء الثانية : العينان اللتان تجريان.
الوقفة الخامسة:
الأولى فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ والثانية فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ
اقتصر النعيم في الأولى على زوج من كل نوع على ما في ذلك من التبعيض والتقليل من كل مقارنة بالثانية فيهما فاكهة على التوسعة والإطلاق إضافة إلى نخل ورمان ليدل على أن نعيمها من جنس نعيم الأولى ولكن بدون حد وقيد.
الوقفة السادسة:
وصف الاتكاء في الأولى : مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ. ووصف الاتكاء في الثانية : مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ.
الفرش : الأسرة الأرضية، والرفارف : الأسرة العلوية.
وذكر اللون والحسن في وصف الرفرف في الثانية ولم يذكر لا اللون ولا الحسن للفرش في الأولى.
وذكر الاجتناء في الأولى ولم يذكره في الثانية لعدم الحاجة اليه فنعيمها بالاشتهاء ففيها ما تشتهيه الأنفس لا بالاجتناء لأن في الاجتناء والقطف عمل وجهد.
وبعد أن ذكر الفاكهة ثم الفرش في الأولى جاء ذكر النساء بعده مباشرة بخلاف الثانية فجاء ذكر النساء بعد التفكه مباشرة ثم جاء ذكر الرفارف لحصول المتعة بهن بجميع الأحوال والدوام ثم يؤتى بهن للأسرة فلم تكن ثمة حاجة للدعوة.
الوقفة السابعة:
وصف نساء الأولى :فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ووصف نساء الثانية : حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ .
صرح في الثانية بأنهن حور ولم يصف في الأولى قال فيهن بدون وصف الحورية للنساء ولهذا احتيج معه الى ذكر الياقوت والمرجان.
وزاد في حسن الثانية بذكر الخيام ولم يذكر الخيام في الأولى.
واشترك الوصفان في كونهن لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ.
الوقفة الثامنة:
قرن بالحسن مرتين في الثانية خيرات حسان وعبقري حسان ولم يقرن في الأولى.
الوقفة التاسعة:
ختم وصف الثانية بالثناء والدعاء بالمباركة تبارك اسم ربك ولم يفعل في الأولى وانما اكتفى معه بذكر الاحسان مقابل احسان.
الوقفة العاشرة:
ذيل الثانية باسمه ذي الجلال والإكرام ولم يذكر اسما في الأولى فدل على كمال الإنعام والإفضال والإرضاء.
وعلى ما تقدم يتبين أن الثانية أعلى منزلة وقدرا وثوابا ونعيما من الأولى وعليه فمنزلة القرب أعلى من منزلة المقام فقد يقيم العبد عند سيده وليس بمقرب منه وهما بالأصل عطاء فضل ومنة.
وأزيد واحدة أن السورة بدأت باسم الرحمن وختمت بذي الجلال والإكرام وان هذا الذي استدل به على أن اسم الرحمن من معانيه ذي جلال وإجلال وإكرام.
اللهم ارزقنا القرب منك وجوارك الكريم في الفردوس الأعلى برفقة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصحبه أجمعين.
والله أعلم ، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد واله وصحبه