البيان الخالد

(أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ)

(وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ)

هذا هو البيان الخالد الذي يأخذ بمجامع القلوب والأفهام ..
وذلك في دقة استعماله للبيان، فاستعماله للحرف من الدقة والإحكام بمكان..
ومن هنا لاتناوب في حروف الجر في القرآن، وإنما كل حرف أخذ موضعه المحكم الدقيق من سياق الكلام..
ولو أدرت لسان العرب كله على أن تحل محل الحرف المذكور حرفا آخر لما استقام البيان ، وما أدى الغرض الدقيق المحكم والمراد في سياقه في نظم القرآن..

وقد حرص البيان القرآني الدقيق على المغايرة في الاستعمال لهذه الحروف، على وجه يثير الدهشة ويلفت الانتباه، ويدهش ذوي العقول المتدبرة لنظمه البديع؛ وذلك ليستثير فيهم دواعي الفهم والتفكر والتأمل ؛وليتضح لهم البون الشاسع بينه وبين مادونه من بيان البشر عموما، فما يتسع فيه البشر على سبيل التساهل في الاستعمال، يرتقي عليه بيان القرآن في الدقة والنظم والإحكام؛ إنه المعجزة البيانية الخالدة على مر الأزمان..
لذلك يشد انتباه فهوم أهل النظر إليه، فيتعمقون في التدبر فيه، وهنا تتفاوت القدرات العقلية والنظرات الفكرية في عمقها حسب قربها وعيشها مع دقائق القرآن..
إن من أراح عقله فقد اتكأ على عكاز العميان كما وصفهم به ابن الأثير في كتابه الأثير، فيكتفون بترديد ماقد قيل، دون إنعام الفكر وإمعان النظر، واستجماع طاقات التأمل والتفكير..
ومن هنا يشد انتباهنا، ويقدح زناد فكرنا متشابه النظم فيه على نحو عجيب دقيق للغاية في مغايرة الاستعمال للحرف في القرآن..
على نحو مانجده مثلا من اقتران فعل الخرور مع حرف( اللام) في موضعين، ومع حرف الاستعلاء (على) في موضع آخر من البيان..

(قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا)

(وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩)

(وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)

فهل نقول : إن( اللام )هنا بمعنى (على ) لمجيء الفعل معها في موضع آخر .؟!
ولم لم يسو بينهما البيان فيطرد النظم على نسق واحد،أو يعكس بينهما في المغايرة في الاستعمال.. ؟!
ذلك ما لاتستسلم له عقول المتدبرين، وأفهام الراسخين؛لأن البيان المعجز الخالد قد شد انتباههم، وحرك لديهم همة الاستبصار، والتفكر في كتابه المسطور؛ لفهم الكون المنظور..
وهنا يصبح التدبر عبادة، والفكر المستبصر قربة؛ للغوص في دلائل بيان القرآن ؛لتلهج العقول والألسنة والأفهام أنه بيان يرقى على البيان لما فيه من الدقة والإحكام..
ومن هنا إذا عدنا إلى الآيات التي ورد فيها ذكر فعل الخرور،سنجد بيان القرآن يفصح عن درر البيان، وقلائد العقيان، ليفرق بين نوعين من الخرور.
خرور الخشية والخوف والإيمان ، فهو مختص، ومتجه فيه الفعل عن قصد ووعي ورغبة، تعبدا لله وشكرا ؛على عضو مخصوص بقصد وإذعان، فناسب ذلك حرف الاختصاص اللام في هذا المقام..

(قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا)

(وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ۩)

وعندما كان الخرور في المقام الآخر انكبابا من غير وعي ، ويفهم منه التردي والسقوط الأعمى المذموم المؤذي للعضو الساقط عليه، ،فقد ذكره منفيا عن عباده الأتقياء، وخالف في التعبير عنه في البيان فقرنه بحرف الاستعلاء.

(وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا).

إنه البيان المحكم الدقيق العجيب ، الذي يبز كل بيان، وتخر البلاغة ساجدة في محرابه خاشعة ، مسلمة له عنان البيان..!